تحرير الدولار الجمركي.. هل تكبح بدلات الغلاء موجة الأسعار في اليمن؟
أهلي
منذ يوم
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص

أعادت قرارات الحكومة اليمنية الأخيرة بشأن تحرير سعر الدولار الجمركي إلى الواجهة المخاوف من موجة غلاء جديدة قد تضرب الأسواق المحلية، في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العالم. وبينما تقول الحكومة إن الخطوة تستهدف إصلاح الاختلالات المالية وتعزيز موارد الدولة، يرى اقتصاديون ومراقبون أن آثارها المباشرة قد تنعكس سريعًا على أسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل، بما يضاعف الضغوط المعيشية على المواطنين.

وفي محاولة لامتصاص القلق الشعبي، أقرت الحكومة بالتزامن مع القرار حزمة إجراءات معيشية شملت اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لموظفي الدولة، وصرف العلاوات السنوية المتأخرة والتسويات الوظيفية المتوقفة منذ سنوات. غير أن خبراء اقتصاد شككوا في قدرة هذه المعالجات على حماية القدرة الشرائية للمواطنين، محذرين من أن رفع الدولار الجمركي دون إصلاحات هيكلية حقيقية قد يفتح الباب أمام تضخم أوسع واختلالات أكبر في السوق.

قرار حكومي في ظل أزمة خانقة

وتقول الحكومة اليمنية، إن القرار الذي تم اعتماد سعر صرف الدولار الجمركي وفق أسعار السوق، بعد سنوات من تثبيته عند 750 ريالًا للدولار، يأتي ضمن خطة لإصلاح الاختلالات المالية والإيرادية وتوحيد الأوعية المالية، في وقت تواجه فيه أزمة مالية خانقة نتيجة توقف صادرات النفط وتراجع الإيرادات العامة، بالتزامن مع استمرار انهيار العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم.

وأكدت الحكومة أن تطبيق القرار سيقتصر على السلع الكمالية وغير الأساسية، مع استمرار إعفاء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية، في محاولة للحد من أي انعكاسات مباشرة على أسعار الغذاء والاحتياجات الضرورية.

كما أقرّت الحكومة صرف بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لجميع موظفي الدولة، إلى جانب صرف العلاوات السنوية المتأخرة للأعوام من 2021 وحتى 2024، ومعالجة التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من 13 عامًا، بما في ذلك الترقيات العلمية لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات.

وشملت الإجراءات الحكومية أيضًا تشكيل اللجنة العليا للمناقصات، والتوجيه بتشديد الرقابة على الأسواق والمنافذ الجمركية، ومنع الاحتكار والتهريب والزيادات السعرية غير المبررة، إضافة إلى تعزيز تحصيل الضرائب ومكافحة التهرب الضريبي.

مجلس القيادة يدافع عن القرار

ورحب مصدر مسؤول في مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحزمة القرارات الحكومية، واعتبرها بداية لمسار إصلاح اقتصادي وإداري شامل يستهدف بناء مؤسسات دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

وقال المصدر إن الإصلاحات تأتي تنفيذًا لقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم 11 لعام 2025 الخاص بأولويات الإصلاحات الشاملة، والتي تتضمن توريد موارد الدولة إلى البنك المركزي، ومكافحة التهريب والهدر، وتعزيز الاعتماد على الذات.

ودافع المصدر عن قرار تحرير الدولار الجمركي، معتبرًا أنه إجراء معمول به في مختلف دول العالم، ويهدف إلى معالجة التشوهات في السياسة الجمركية والإيرادية، وتعزيز قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة.

كما أكد اتخاذ تدابير مرافقة لحماية المواطنين من أي انعكاسات مباشرة على أسعار السلع الأساسية، مشيدًا بما وصفه بـ”التعاطي المسؤول” من القطاع الخاص ورجال الأعمال، إضافة إلى الدعم السعودي والدولي لجهود الإصلاح الاقتصادي في اليمن.

خبير: الحكومة ذهبت إلى “الخيار الأسهل”

من جانبه، رأى رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي مصطفى نصر أن قرار تحرير الدولار الجمركي يمثل تحولًا اقتصاديًا كبيرًا بعد سنوات من التردد، لكنه حذر من تداعياته المحتملة على الأسواق ومستوى المعيشة في حال غياب إصلاحات حقيقية.

وأوضح نصر في تعليق له، أن القرار يعني عمليًا رفع التعرفة الجمركية بنسبة تتجاوز قليلًا 100%، بعد أن كان الدولار الجمركي يُحتسب عند 750 ريالًا للدولار الواحد.

وأشار إلى أن الحكومة حاولت احتواء ردود الفعل الشعبية عبر اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% وصرف العلاوات والتسويات الوظيفية، مؤكدًا أن الحكومة شددت في المقابل على استثناء السلع الأساسية من القرار، مع فرض رقابة ميدانية لمنع أي استغلال تجاري أو زيادات غير مبررة في الأسعار.

واعتبر نصر أن الحكومة اتجهت نحو “الخيار الأسهل” لمواجهة الضغوط المالية الناتجة عن تراجع الإيرادات العامة وتوقف صادرات النفط، مشددًا على أن أي خطوة من هذا النوع كان يفترض أن تترافق مع إصلاحات جادة تشمل توحيد الإيرادات العامة، والحد من التهريب والتهرب الضريبي والجمركي.

وأكد أن المشهد الإيرادي ما يزال يعاني من الفوضى وغياب الشفافية، لافتًا إلى أن العديد من المؤسسات والسلطات المحلية لا تزال خارج إطار توريد الإيرادات إلى حسابات الحكومة.

وأضاف أن نجاح الحكومة في تمرير القرار دون تداعيات كبيرة سيعتمد على قدرتها في فرض رقابة فعلية على الأسعار، ومنع الازدواج الجمركي والجبايات غير القانونية، والحفاظ على استقرار سعر صرف العملة المحلية.

“معالجات تضخمية” ستفاقم الأسعار

من جانبه، وصف الصحفي الاقتصادي وفيق صالح الإجراءات الحكومية الأخيرة بأنها “معالجات تضخمية”، معتبرًا أن تحرير الدولار الجمركي واعتماد بدل غلاء معيشة سيؤديان إلى رفع مستوى الأسعار وتكاليف النقل والخدمات.

وقال صالح إن هذه الإجراءات ستضاعف كذلك الأعباء المالية والنفقات الحكومية عبر تضخم هيكل الأجور والمرتبات، مؤكدًا أن الإصلاحات الحقيقية يجب أن تركز على تنمية الموارد المحلية وزيادة النشاط التصديري ومعالجة عجز ميزان المدفوعات.

وأضاف أن الحفاظ على استقرار الأسعار وتحسين القيمة الشرائية للعملة الوطنية ينبغي أن يكونا في صدارة أي خطة إصلاح اقتصادي، بدل الاعتماد على إجراءات قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية إضافية.

المواطن لا يرى سوى الأسعار

أما الصحفي والمحلل السياسي عبدالواسع الفاتكي فلفت إلى أن المواطن البسيط لا يقيم القرارات الاقتصادية من زاوية فنية، بل من خلال انعكاسها المباشر على سعر السلعة وقدرته الشرائية.

وأشار الفاتكي في تصريحات صحفية، إلى وجود حالة من التوجس الشعبي من أن يؤدي تحرير الدولار الجمركي إلى انفلات إضافي في الأسواق وارتفاع جديد في الأسعار، خصوصًا في ظل الترابط المعقد للمنظومة الاقتصادية.

وانتقد ضعف الرقابة الحكومية على الأسواق، موضحًا أن المواطن يواجه تفاوتًا كبيرًا في أسعار السلعة الواحدة بين تاجر وآخر، فضلًا عن تدني جودة بعض البضائع وغياب الرقابة الفعلية.

وأكد أن معاناة المواطنين تتفاقم بسبب انهيار الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباء، مشددًا على أن أي “قرارات اقتصادية جراحية مؤلمة” لن تكون مقبولة ما لم تترافق مع تحسن ملموس في الخدمات ومحاربة الفساد والجبايات غير القانونية والتهريب.

ودعا الفاتكي إلى ضبط الموارد المالية وتوريدها في وعاء حكومي واحد، مشيرًا إلى أن وجود حسابات خارج نطاق البنك المركزي يضعف قدرة الدولة على التحكم بإيراداتها، كما طالب القطاع الخاص بتحمل مسؤوليته الوطنية وعدم استغلال ضعف الرقابة في ظل اقتصاد الحرب، مؤكدًا أهمية التنسيق بين القطاعين العام والخاص.

واعتبر أن بدل غلاء المعيشة والعلاوات والتسويات، رغم أهميتها، تبقى “ضئيلة جدًا” مقارنة بحجم الانهيار في قيمة العملة الوطنية، وقد لا تكون كافية لمعالجة تآكل القوة الشرائية للموظفين.

اقتصاد مأزوم واختبار جديد

وتأتي قرارات الحكومة الجديدة في ظل واقع اقتصادي بالغ التعقيد، حيث يواجه اليمن منذ أكثر من عقد حربًا مستمرة وانقسامًا ماليًا ونقديًا حادًا بين مناطق الحكومة وجماعة الحوثيين التي تسيطر على مناطق واسعة شمال البلاد ذات الكثافة السكانية، فضلًا عن تراجع الموارد السيادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحكومة اليمنية أمام اختبار صعب بين حاجتها الملحة لتعزيز الإيرادات العامة والحفاظ على قدرتها على دفع الرواتب وتمويل الخدمات، وبين المخاوف من أن تؤدي أي معالجات مالية جديدة إلى زيادة الأعباء المعيشية على ملايين اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب والانهيار الاقتصادي.

The post تحرير الدولار الجمركي.. هل تكبح بدلات الغلاء موجة الأسعار في اليمن؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية