عربي
يتابع مشجعو كرة القدم استعدادات كأس العالم 2026 بقلق متزايد، في ظل جدل واسع يحيط بأكبر حدث رياضي على وجه الأرض. فبين ارتفاع أسعار التذاكر بشكل كبير، والتساؤلات حول مشاركة إيران في البطولة، إضافة إلى الجدل السياسي المرتبط بالدور المحتمل لهيئات الهجرة الأميركية في تنظيم الحدث، تتراكم ملفات حساسة تجعل الأجواء المحيطة بالمونديال أكثر توتراً من أي وقت مضى.
لكن خلف هذه العناوين السياسية والإدارية الصاخبة، يطفو ملف لا يقل خطورة على المدى الطويل: الأثر البيئي الهائل للبطولة، واحتمال مساهمتها في تسريع وتيرة تغيّر المناخ. وبحسب تقرير صحيفة ذا غارديان البريطانية، اليوم الأحد، تشير تقديرات علمية إلى أن كأس العالم 2026 مرشح لأن يكون "الأكثر تلويثاً" في تاريخ البطولة، مع انبعاثات إجمالية قد تقترب من ضعف المعدل المسجل في النسخ السابقة. وبحسب باحثين، قد يصل إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة إلى نحو 9 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، تشكل رحلات الطيران وحدها حوالي 7.7 ملايين طن منها، أي أكثر من أربعة أضعاف متوسط انبعاثات السفر في البطولات بين عامي 2010 و2022. وتشير التقديرات المتشددة إلى أن هذه الانبعاثات المرتبطة بالنقل الجوي قد تصل في أسوأ السيناريوهات إلى نحو 13.7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.
ويرى الباحثون أن جزءاً كبيراً من هذه البصمة الكربونية يعود إلى قرارات الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، وعلى رأسها توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 فريقاً بدلاً من 32 في مونديال 2022، إلى جانب اختيار ثلاث دول مستضيفة هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ما يعني امتداداً جغرافياً واسعاً ومسافات سفر ضخمة بين المدن. وحتى في حال توفر بنية نقل أفضل، فإن حجم التنقل المطلوب بين الملاعب يجعل الاعتماد على وسائل نقل منخفضة الانبعاثات أمراً شبه غير ممكن.
تضليل بيئي
وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن مقارنة انبعاثات كأس العالم المقدرة، والتي تبلغ نحو 9 ملايين طن، بإجمالي انبعاثات دولة مثل الولايات المتحدة، لا يلغي جوهر الإشكال. فالسماح باستمرار مثل هذه الفعاليات من دون إجراءات بيئية صارمة، يُعد وفق منتقدين شكلاً من أشكال "التضليل البيئي"، أي تقديم التزامات بيئية شكلية من دون تطبيق فعلي مؤثر.
ويرى بعض الباحثين أن نسخة 2026 قد تكون معقدة من حيث التأثير البيئي، نظراً لاتساع المسافات الجغرافية بين المدن المستضيفة، وهو ما يفرض على المنتخبات والجماهير تنقلات طويلة. وتشير أمثلة إلى أن بعض المنتخبات قد تضطر لقطع آلاف الكيلومترات بين المدن خلال دور المجموعات، كما هو الحال بين تورونتو ولوس أنجليس وسياتل، أو بين مدن في المكسيك والولايات المتحدة، ما يضيف مزيداً من الانبعاثات المرتبطة بالسفر. كما لا يغيب عن الصورة ملف الرعايات، إذ أثار عقد الشراكة بين "فيفا" وشركة أرامكو السعودية، وهي إحدى أكبر شركات النفط في العالم من حيث الانبعاثات، انتقادات من منظمات بيئية ولاعبين محترفين، اعتبروا أن هذه الخطوة تتناقض مع الخطاب البيئي المعلن للاتحاد الدولي.
وبالتوازي مع ذلك، يواجه مونديال 2026 تحدياً آخر مرتبطاً بالطقس، حيث تشير تقارير مناخية إلى ارتفاع درجات الحرارة في العديد من المدن المستضيفة خلال فترة البطولة. وتؤكد تحليلات علمية أن مستويات الحرارة والرطوبة قد تؤثر بشكل مباشر على أداء اللاعبين وسلامتهم. وتشير دراسات إلى أن عدداً كبيراً من المباريات قد يُقام في ظروف حرارية تتجاوز الحدود الموصى بها صحياً، ما قد يستدعي فترات راحة إضافية للتبريد أثناء المباريات، أو حتى احتمال تأجيل بعض المواجهات في الحالات القصوى. ورغم أن بعض الملاعب ستكون مكيفة، خصوصاً في مدن مثل دالاس وهيوستن وأتلانتا، إلا أن تشغيل هذه الأنظمة يضيف بدوره عبئاً طاقوياً جديداً يزيد من الانبعاثات.
غياب الاستعدادات الكافية لبطولة كأس العالم
وفي تعليق على هذه التحديات، حذّرت الباحثة مادلين أور من جامعة تورونتو من غياب الاستعدادات الكافية للتعامل مع الظروف المناخية المتوقعة، مشيرة إلى أن ارتفاع الحرارة في صيف أميركا الشمالية أمر معروف مسبقاً، إلى جانب احتمالات حرائق الغابات في الغرب والعواصف في الشرق، إلا أن التخطيط، بحسب رأيها، لا يزال غير كافٍ لحماية الجميع، من لاعبين وجماهير ووسائل إعلام وفرق تنظيم.
من جهتها، أعلنت "فيفا" اتخاذ بعض الإجراءات للتخفيف من آثار الحرارة، مثل جدولة عدد من المباريات في ساعات المساء، واعتماد فترات تبريد قصيرة خلال كل شوط. كما أُعلن عن تخصيص فواصل زمنية يمكن أن تُستخدم أيضاً للإعلانات التلفزيونية، ما أضاف بعداً تجارياً جديداً إلى فترات التوقف. ورغم اعتراف "فيفا" بخطورة التغير المناخي في بعض موادها الترويجية، يرى منتقدون أن الإجراءات المتخذة لا ترقى إلى مستوى التحدي، وأن الخطاب البيئي للاتحاد لا يوازي حجم التأثير الحقيقي للبطولة. وبينما تُقدَّم كرة القدم باعتبارها حدثاً يوحّد العالم، يزداد الجدل حول كلفتها البيئية، لتبقى كأس العالم 2026 محاطة بسؤال مفتوح: هل يمكن لأكبر حدث رياضي في العالم أن ينجو من بصمته المناخية الثقيلة؟
