عائلات معتقلي سورية... طلبات وشروط تعجيزية تعرقل إثبات الوفاة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
بعد سنوات من انتظار معرفة مصير الأبناء والإخوة والأزواج، تجد آلاف العائلات السورية نفسها أمام معركة لانتزاع وثيقة رسمية تثبت موت من قضوا داخل زنازين النظام السابق. لم يتوقع السوري عادل حاج عثمان أن رحلة البحث عن شقيقه الذي قضى في سجن صيدنايا سيئ السمعة ستقوده بعد سنوات من الفقد، وأشهر من التردد على المؤسسات والدوائر الرسمية للحصول على شهادة وفاة لأخيه، إلى مطالبته بشيء لم يستطع استيعابه، إذ قيل له إن عليه إحضار شاهدين كانا في السجن لإثبات واقعة الوفاة. يقول حاج عثمان لـ"العربي الجديد": "نتنقل منذ ستة أشهر من مؤسسة إلى مؤسسة كي نستخرج شهادة وفاة لأخي الراحل، وأخيراً صدمنا القاضي بطلب أن نأتي بشاهدين حضرا مقتل أخي في المعتقل. لا نعرف ماذا نفعل لتلبية الطلب العجيب. إذا كان للقاضي أخ أو ابن شهيد في صيدنايا، فهل كان سيجد شاهدين؟ لم يكن الطلب مستحيلاً فحسب، بل جارح أيضاً، فمن قتل شقيقي هم عناصر النظام السابق، ولا يزال الكثير من الأشخاص الذين كانوا جزءاً من هذه المنظومة يعملون بالمؤسسات التي تتابع ملفات أهالي المعتقلين المفقودين. أوقفنا المعاملة قبل شهرين، لكن يجب وضع  حد لهذه المهزلة"، على حد تعبيره. 45,342 هو العدد التقديري للمعتقلين السوريين الذين قضوا تحت التعذيب في سجون النظام السابق منذ مارس/آذار 2011 ليست هذه حالة استثنائية، بل تشمل الأزمة ذاتها آلاف العائلات السورية التي تحاول منذ أكثر من عام تثبيت وفاة معتقلين ومفقودين قضوا في سجون نظام الأسد، في معركة لا تقل قسوة عن سنوات انتظار إجلاء مصير المعتقلين، إذ اصطدمت الأسر بإجراءات قضائية وإدارية صُممت في الأصل للتعامل مع الوفيات الطبيعية، لا مع ضحايا الإخفاء القسري والاحتجاز والتعذيب. وفي نهاية يونيو/حزيران 2025، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير، ارتفاع حصيلة من قضوا تحت التعذيب في سجون النظام السابق منذ مارس/آذار 2011، إلى 45 ألفا و342 شخصاً، من بينهم أطفال ونساء. من مدينة جبلة جنوبي اللاذقية على الساحل السوري، يقول زين بدرة إن من استطاعوا استخراج شهادات وفاة لمعتقلين سابقين في مدينته يعدّون على أصابع اليد الواحدة. ويوضح لـ"العربي الجديد": "من أصل 360 قتيلاً في سجون النظام من مدينتنا، لم يحصل سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص على شهادات وفاة لذويهم، ويرجع ذلك إلى التعقيدات التي تواجه الأهالي داخل المحاكم، فهناك قضاة يطلبون شهادة حسن سلوك للمتوفى، وآخرون يطلبون بيان حركة من الهجرة والجوازات تثبت أن المتوفى لم يغادر البلاد خلال فترة احتجازه، وبعض القضاة يطلبون إحضار شهود من السجن، وكلها طلبات غير منطقية، خصوصاً أن أصحابها قضوا سنوات طويلة من الاختفاء القسري، ولا تملك عائلاتهم في معظم الحالات أية معلومات عن ظروف وفاتهم". ولم ينج العاملون في المجال القانوني من هذه المتاهة، فالمحامية السورية فاطمة هرموش فقدت اثنين من إخوتها في سجن صيدنايا منذ سنوات الثورة الأولى، وتقول إنها بدأت قبل نحو ستة أشهر إجراءات استخراج شهادتي وفاة لهما، لكنها قررت التوقف عن استكمال الإجراءات بعدما فقدت الأمل في الحصول عليها. تضيف هرموش لـ"العربي الجديد": "لم أتمكن من إكمال المعاملة رغم أنني محامية، فالمحاكم تتعامل مع هذه الملفات وفق إجراءات صارمة لا تراعي خصوصية ضحايا الاعتقال والإخفاء القسري. طلب القاضي بيان حركة لأخي من إدارة الهجرة والجوازات، وهي وثيقة لا يستطيع أحد استخراجها، ثم طلب وثيقة ضبط شرطة، والضبط يحتاج إلى تقرير طبيب شرعي، ويحتاج إلى شهادة حسن سلوك من المختار، وكلها وثائق يصعب الحصول عليها. ما صدمني أكثر كان اتصال من أحد الأشخاص الذي طلب مبلغ ألف دولار لقاء تسهيل استخراج شهادتي الوفاة". وتوضح: "الوفاة لم تكن طبيعية أو ضمن ظروف عادية، لكن تثبيت الوفاة لا يزال يستخرج بنفس قوانين النظام السابق، وكأننا نتعامل مع وفاة داخل البيت أو في مشفى. آلاف الأسر أوضاعها القانونية معلقة بسبب القيود والقوانين القديمة، ما يتطلب إجراءات استثنائية عاجلة". بدوره، يؤكد المحامي السوري عبد الله الرشيد أن عدم تسجيل واقعة الوفاة لا يحمل أبعاداً إنسانية فقط، بل يخلّف آثاراً قانونية واسعة تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسر. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "غياب شهادة الوفاة يمنع استخراج وثائق حصر الإرث، ويعرقل التصرف بالممتلكات، ويحرم بعض ذوي الحقوق من المعاشات التقاعدية، كما يخلق مشكلات تتعلق بولاية الزوجة على أطفالها القاصرين، ويؤثر في استخراج الوثائق الرسمية، وفي إجراءات السفر، وبعض النساء يبقين معلقات قانوناً، إذ لا يمكن إثبات كونها أرملة من دون تسجيل الوفاة رسمياً، ما يمنعهن حتى من بناء حياة جديدة". من مدينة اللاذقية، يلخص مهند الشغري، وهو والد معتقل قضى في سجن صيدنايا، تجربته بجملة تحمل قدراً كبيراً من المرارة، يقول لـ"العربي الجديد": "الشيء الوحيد الذي لم يطلبوه مني في المحكمة كان حضور ابني كي يوقع على وثيقة وفاته". ويضيف: "تحولت عملية استخراج شهادة الوفاة إلى رحلة طويلة بلا طائل بين الدوائر الرسمية المختلفة، من السجل المدني إلى الشرطة، ومن المحكمة إلى المحامين. كل يوم جهة جديدة، وكل يوم موظف جديد، وكلها مصاريف. أغرب شيء واجهته حين قالوا لي يجب أن تأتينا ببيان حركة من الهجرة والجوازات. هذه الإجراءات تمثل انتقاصاً من كرامة الأهالي، فبدل توصيل شهادات الوفاة إلى بيوت أهالي شهداء المعتقلات، يتركوننا نعاني". من جانبه، يؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن ما يتحدث عنه الأهالي من تعقيدات قضائية وإدارية يعكس أزمة تراكمت على مدار سنوات طويلة، وترتبط بطبيعة ملف الاعتقال والإخفاء القسري. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "اشتراطات مثل طلب الشهود، أو شهادات حسن السلوك تبدو منفصلة عن الواقع. لقي المعتقل حتفه في مكان مجهول وظروف مجهولة، ومطالبة أسرة ضحية إخفاء قسري بإحضار شاهدين على وفاته تعني عملياً إلزامها بإثبات ما اقترفته الدولة". ويضيف عبد الغني: "المشكلة لا تتعلق بتعقيد الإجراءات فقط، بل أيضاً بالإرث الإداري والقانوني الذي خلفه النظام السابق، والذي استخدم في كثير من الأحيان شهادات وفاة مضللة، تضمنت أسباباً عامة أو غير حقيقية مثل السكتة القلبية، من دون أي إشارة إلى وقائع الاحتجاز أو التعذيب. ينبغي إصدار لوائح استثنائية خاصة بضحايا الاعتقال والإخفاء القسري، تعتمد على قواعد بيانات المنظمات الحقوقية والسجلات الموثقة، كي تخفف عن الأسر عبء إثبات وقائع تعجز أساساً عن الوصول إلى حقيقتها". ويستطرد: "المشكلة الأعمق أن نظام الأسد استخدم شهادات الوفاة المزيفة أداة لطمس الوقائع؛ إذ كانت تصدر في بعض الحالات متضمنةً أسباباً كاذبة، وقد رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان المئات من هذه الشهادات الزائفة التي تُفيد بأسباب وفاة طبيعية، بينما تثبت الوقائع أن الوفاة وقعت تحت التعذيب، وهذا يعني أن المنظومة لم تكن معطلة، بل كانت أداة نشطة لتزييف الحقيقة وطمس أدلة الجرائم الموثقة بحق آلاف المعتقلين". ويرى عبد الغني أن "ما يجب أن تفعله الحكومة الحالية على صعيد الحلول الآنية، هو إصدار لائحة استثنائية واضحة خاصة بضحايا الاحتجاز التعسفي، تُعفي أسرهم من اشتراطات الشهود وشهادات حسن السلوك وغيرها من الطلبات، وأن تعتمد بديلاً من ذلك منظومة توثيق تقوم على ثلاثة مسارات، أولها الاستناد إلى قواعد بيانات المنظمات الحقوقية الموثقة، وثانيها قبول أحكام المحاكم الشرعية الصادرة خارج سيطرة النظام السابق بوصفها مستنداً كافياً، والثالث فتح الأرشيفات الأمنية المصادرة للتحقق منها بصورة منهجية. كما ينبغي أن يُذكر السبب الحقيقي للوفاة في الوثيقة الرسمية، لأن تسجيلها باعتبارها وفاة طبيعية بدلاً من حقيقة كونها وفاة تحت التعذيب يمس الحق في الحقيقة، ويطمس الأدلة الجنائية اللازمة للمحاسبة". ويقترح الحقوقي السوري أن تتخذ الأسر عدة خطوات إلى حين صدور اللوائح الاستثنائية للمعتقلين والمخفيين قسراً، من بينها تقديم دعوى تثبيت وفاة أمام المحكمة الشرعية استناداً إلى أي وثيقة متاحة، سواء كانت صورة من صور قيصر، أو شهادة ناجٍ، أو أي توثيق حقوقي، كما يمكن التوجه إلى منظمات المجتمع المدني التي تمتلك سجلات موثوقة معترفاً بها دولياً للحصول على ما يثبت الوفاة بصورة قابلة للتقديم أمام الجهات القضائية، بدلاً من الدوران في دهاليز شروط الأحوال المدنية التقليدية المصممة لوفيات طبيعية، لا لضحايا الاختفاء القسري". ويتابع: "على صعيد القانون الدولي، كفل إعلان الأمم المتحدة بشأن قضية الاختفاء القسري الصادر في عام 1992، في المادة التاسعة عشرة، الحق في معرفة الحقيقة، ونصّ على وجوب أن تتيح الدولة لذوي الضحايا الوصول إلى المعلومات المتعلقة بمصير المفقود، بما في ذلك الوثائق الرسمية المثبتة للوفاة، وقد كرّست لجنة حقوق الإنسان الأممية والمقررون الخاصون المعنيون بحالات الاختفاء القسري هذا المبدأ مراراً، مؤكدين أنه لا يجوز للدولة أن تنقل عبء الإثبات إلى أسرة الضحية عندما تكون هي نفسها الجهة المحتجزة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية