على مدى السنوات الماضية، لم تتعامل مليشيات الحوثي مع ملف المختطفين والأسرى باعتباره قضية إنسانية تمسّ آلاف العائلات اليمنية التي تنتظر عودة أبنائها أو معرفة مصيرهم، بل نظرت إليه منذ البداية كواحد من أهم ملفات النفوذ السياسي والحرب النفسية وإدارة التوازنات في الصراع اليمني، دون اكتراث حقيقي حتى بحياة الأسرى والمختطفين المحسوبين عليها.
ومن هذا المنطلق، يُمكن تفسير السلوك المتكرر للحوثيين خلال جولات التفاوض المختلفة، حيث بدا واضحاً أن القضية بالنسبة لهم ليست ملفاً حقوقياً أو أخلاقياً بقدر ما هي ورقة ضغط تستخدمها لتحصيل مكاسب سياسية وعسكرية وإعلامية.
المختطفون كورقة ابتزاز سياسي
على امتداد سنوات الحرب، لم يُظهر الحوثيون استعداداً حقيقياً لفصل البعد الإنساني عن الحسابات السياسية، بل إن كل جولة تفاوض كانت تكشف أنهم ينظرون إلى المختطفين والأسرى باعتبارهم "أوراق تفاوضية" يمكن توظيفها لتحسين شروطهم السياسية أو للضغط على الحكومة والتحالف، أو حتى لإدارة التوازنات داخلهم.
ولهذا كانت المفاوضات غالباً تتعثر كلما اقتربت من اختراق فعلي، لأن الحوثيين كانوا يخشون فقدان واحدة من أكثر الأوراق حساسية وتأثيراً في المشهد.
هذا الاستغلال لهذا الملف لا يتعلق فقط بالمختطفين من الطرف الآخر، بل حتى بأسراهم أنفسهم؛ فلا يتعامل الحوثيون مع أسراهم باعتبارهم أولوية إنسانية أو مسؤولية أخلاقية تجاه عائلاتهم، وإنما باعتبارهم جزءًا من معادلة تفاوضية أكبر، وربما يُستثنى من هؤلاء بعض المحسوبين على السلالة.
ونتيجة لهذا التعامل غير الإنساني، فغالباً ما اختار الحوثيون تعطيل صفقات تبادل أو إبطاء تنفيذها إذا لم تحقق لها مكاسب سياسية موازية، حتى وإن كان الثمن استمرار معاناة آلاف الأسر اليمنية في الجانبين.
وفي هذا السياق، عبّر الصحفي والكاتب أمين الوائلي عن هذه الإشكالية بوضوح حين قال تعليقاً على صفقات التبادل الأخيرة: "إطلاق الأسرى خبر مفرح، لكن القضية اليمنية ليست مجرد ملف إنساني مزمن يخضع لابتزاز مليشيات تختطف البلاد بأسرها وشعبًا مقهورًا يتطلع للخلاص".
وأضاف عبر حسابه على منصة تويتر أن "من الخديعة إفهام أو إيهام اليمنيين بأن إنفاق عشرة أعوام على ثلاث دفعات تبادل يساوي إنجازًا بمقياس القضية والمعركة الوطنية".
هذا التصريح يلخص جوهر المعضلة؛ فالمشكلة ليست في مبدأ تبادل الأسرى ذاته، بل في الطريقة التي جرى بها تحويل الملف إلى عملية استنزاف طويلة تُدار بمنطق الابتزاز السياسي لا بمنطق الحل الإنساني، إذ أنه وبعد سنوات من الحرب، لا تزال آلاف الأسر اليمنية تنتظر معرفة مصير أبنائها، بينما تستمر المليشيات الحوثية في استخدام هذا الملف كورقة تفاوضية قابلة للتجميد أو التحريك وفق حسابات الصراع.
عقلية الجماعة لا عقلية الدولة
هذا السلوك يعكس طبيعة أعمق في بنية المليشيات نفسها، ذلك أن الحوثيين، بوصفهم حركة عقائدية مسلحة، ينظرون إلى الصراع بمنطق "إدارة القوة" لا شيء آخر، ومن هنا فلا اعتبار لديهم للأبعاد الإنسانية.
وعندما يكون هذا هو نمط التفكير الذي يطبع سلوك الحوثيين، تتحوّل الملفات الإنسانية تلقائياً إلى أدوات سياسية وأمنية، لأنهم يرون أن التنازل المجاني أو الفصل بين الإنساني والسياسي يعني خسارة جزء من النفوذ أو إضعاف القدرة على الابتزاز والتفاوض.
كما أن الحوثيين يدركون جيدًاً القيمة الرمزية والإعلامية لملف المختطفين؛ فكل إعلان عن تقدم في المفاوضات يمنح الحكومة اليمنية مساحة سياسية وشعبية، بينما يرى الحوثيون أن استمرار الملف مفتوحاً يبقيهم ممسكين بأداة ضغط دائمة.
ومن الشواهد على هذا النهج رفع سقف المطالب في اللحظات الأخيرة، أو ربط الإفراج عن المختطفين بقضايا أخرى لا علاقة لها بالجانب الإنساني.
ومما ينبغي فهمه في هذا السياق، أن الحوثيين لا يتعاملون مع المختطفين فقط كأرقام، بل كوسيلة لإعادة تشكيل المجال العام والسيطرة على المجتمع، فعلى سبيل المثال، استخدموا سياسة الاختطافات والإخفاء القسري الواسعة خلال السنوات الماضية لإخضاع المجتمع وتفكيك أي مساحة معارضة أو مستقلة.
ولهذا السبب تحديداً كان ملف السياسي محمد قحطان مثالاً واضحاً على طريقة تفكيرهم؛ فقحطان ليس مجرد مختطف عادي، بل رمز سياسي يمثل فكرة الحوار والسياسة والعمل المدني، وهي مفاهيم تنظر إليها المليشيات بريبة عميقة لأنها تتناقض مع طبيعة مشروعها القائم على القوة والسلاح والاصطفاء العقائدي، ولذلك ظل ملفه واحداً من أكثر الملفات تعقيداً رغم كل الضغوط المحلية والدولية.
تداعيات خطيرة على المجتمع والسلام
يترك نهج الحوثيين في التعامل مع قضية المختطفين آثاراً عميقة على المجتمع اليمني، فحين تتحوّل القضايا الإنسانية إلى أوراق مساومة يُصبح الحديث عن أي عملية سلام مستقبلية مثيراً للسخرية ويشعر الناس أن مصيرهم مرتبط بالحسابات السياسية لا بالعدالة أو القيم الإنسانية.
كما أن ذلك يرسخ ثقافة الإفلات من المسؤولية ويطبّع فكرة استخدام البشر كأدوات تفاوض وهو ما يمثل أحد أخطر التحولات التي أفرزتها الحرب اليمنية. ومما يؤسف له أن الأمم المتحدة ساهمت في تطبيع سلوك الرهائن والابتزاز من خلال قبولها نهج الحوثيين.
وفي خلاصة القول، تكشف طريقة تعامل الحوثيين مع ملف المختطفين أنهم غير مستعدين للحفاظ على الحد الأدنى من الفصل بين الإنساني والسياسي، ويتمسكون باستخدام كل شيء — من الأسرى إلى الغذاء والمساعدات وحتى المعاناة الإنسانية — ضمن معادلة النفوذ والصراع والبقاء.