عربي
بدأت نتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تلقي بظلالها على العلاقات بين ضفتي الأطلسي، وأول الغيث قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا، وهو ما يمثل حوالي 15% من إجمالي القوات الأميركية البالغ عددها 36 ألف جندي، يتمركزون في ألمانيا بشكل دائم. وحسب حيثيات القرار، سيتم تنفيذ العملية سحب القوات الأميركية من ألمانيا خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة، وجاء على لسان ترامب، إن هذه هي البداية، وستليها موجات أخرى: "سنخفض العدد أكثر بكثير، وسنخفضه بأكثر من خمسة آلاف".
كان للقرار وقع الصدمة في ألمانيا، حيث للوجود الأميركي أهمية استراتيجية ورمزية منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من جهة. ومن جهة ثانية، فالولايات المتحدة هي الشريك الأهم لألمانيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتربطها معها اتفاقات وتعاون عسكري مهم، وتحتفظ بالعديد من القواعد العسكرية على أراضيها التي تضمّ 21 قاعدة تشمل كافة أنواع الأسلحة والاختصاصات. وبحسب التقارير العسكرية، فإنه يتمركز حوالي 70 ألف جندي أميركي بشكل دائم في أوروبا. وتستضيف ألمانيا أكثر من نصفهم، ويقع مقر القيادة الأوروبية الموحدة للجيش الأميركي في شتوتغارت. ويشرف الجيش على خمس حاميات في ألمانيا، بينما يقع المقر الرئيسي لعمليات القوات الجوية الأوروبية في قاعدة رامشتاين الجوية.
القواعد الأميركية في أوروبا مصممة منذ الحرب العالمية الثانية على مواجهة تهديدات محدّدة، تلك التي كان يشكلها الاتحاد السوفييتي وما تمثله روسيا حالياً
لإلقاء الضوء على تفاعلات القرار، زارت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، مدينة لاندشتول الألمانية، الواقعة في ولاية راينلاند بالاتينات، والتي تضم "أكبر تجمع عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة". وجاء في تحقيقها أنه على الرغم من تباهي الرئيس الأميركي المتكرر، تقول نادين فيرمونت، أحد سكّان المدينة، إن قرار سحب القوات الأميركية من ألمانيا كان له أثر مدوٍّ على مدينتها. وأضافت "بصراحة، لقد صُدمت. نحن نحب الأميركيين: فهم يُثرون المجتمع بكل الطرق ويجعلون الحياة أكثر حيوية". وتابعت: "ليس بالضرورة أن يُرّحب الجميع بضجيج طائراتهم العسكرية في السماء، لكن سيكون من المؤسف حقّاً رحيلهم. سيُضرّنا ذلك".
دلالات سحب القوات الأميركية من ألمانيا
قبل كل شيء، يُظهر قرار سحب القوات الأميركية من ألمانيا التدهور المستمر في العلاقات بين البلدين منذ بدء الحرب على إيران، ويعدّ ذا دلالة سياسية وعسكرية، لا يقف عند هدفه ومفعوله المباشرين، بل يذهب نحو إعادة تعريف دور الولايات المتحدة العسكري والأمني في أوروبا، ومستقبل ناتو، وأمن القارة الأوروبية، والآثار المحتملة على الحرب الروسية على أوكرانيا التي يشكّل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة أحد العوامل الرئيسية التي تتحكم بمجرياتها، وترسم حدودها الجيوسياسية.
يعني قرار سحب القوات الأميركية من ألمانيا من الناحية الشكلية انسحاباً جزئياً، ولكنه قرار مدروس، وليس ردّة فعل ناتجة عن انزعاج وقتي صادر عن ترامب حيال حلفائه الأوروبيين الذين وقفوا بعيداً عنه، وتركوه يخوض حربه ضد إيران وحيداً، ولم يسمحوا للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم، أو إرسال قوات إلى المنطقة تدعم جهود واشنطن لمحاصرة إيران، بل درج بعضهم على انتقاده بقسوة كما هو حال المستشار الألماني فريدريش ميرز في 27 إبريل/نيسان الماضي، الذي خرج عن تحفظه المعتاد، وسخر علناً من الحرب على إيران خلال زيارة لإحدى المدارس، قائلاً "من الواضح أن الأميركيين لا يملكون أي استراتيجية. إن أمة بأكملها تُذلّ على يد القيادة الإيرانية". ولم يخفف من الغضب الأميركي تشديد المستشار على أنه يشاطر ترامب الهدف المتمثل في ضمان عدم حيازة إيران إطلاقاً السلاح النووي. وقد توقف الرئيس الأميركي أمام الانتقادات لكيفية إدارة الولايات المتحدة للنزاع، قال فيها إن أداء ميرز في المستشارية "فظيع".
التوقيت مهم جداً، لكنه ليس ردّة فعل كلّية على تصريح ميرز. وأفادت صحيفة نيويورك تايمز أن مسؤولين في الولايات المتحدة وألمانيا أشاروا، بعد قرار ترامب، إلى أن سحب القوات الأميركية من ألمانيا "كان قيد الدراسة منذ أشهر، كجزء من مراجعة أوسع نطاقاً للبنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) لوجوده العسكري في جميع أنحاء العالم". وأضافت الصحيفة أن "إعلانه تمّ تسريعه بشكل ملحوظ لتهدئة غضب الرئيس الأميركي الذي استاء من الانتقادات" التي وجّهتها برلين "للاستراتيجية الأميركية في إيران".
وكان ترامب قد دعا إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا خلال ولايته الأولى، لكن ذلك تمّ ضمن حدود ضيّقة، ولذا يُنظر إلى الإعلان الجديد على أنه تطور مهم، وأول نتيجة له ستكون إلغاءً لخطة إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لنشر كتيبة أميركية مزودة بصواريخ توماهوك بعيدة المدى في ألمانيا. ويمثل هذا ضربةً لبرلين، التي كانت دفعت باتجاه هذه الخطوة لما ستُمثله من رادع قوي في مواجهة روسيا، في الوقت الذي يعمل فيه الأوروبيون على تطوير أسلحة مماثلة بأنفسهم. وهذا سيجبر ألمانيا على زيادة الإنفاق الدفاعي وتقليص الاعتماد على الضمانة الأمنية الأميركية، وهذا يعني تغيير العديد من البروتوكولات والمبادئ التي اتبعتها منذ الحرب العالمية الثانية، والتي قامت بالاعتماد على مظلة الحماية الأميركية لأوروبا، وفي الوقت ذاته سيرتب عليها تحمّل مسؤولية أكبر داخل حلف شمال الأطلسي. ويسود الاعتقاد أن المسألة سوف تتفاعل داخل ألمانيا على نحو سياسي، وستشكل ضغطاً مباشراً على الحكومة الحالية.
فقدان مظلة دفاعية
ليس سرّاً أن أمن أوروبا حالياً يتم بالاعتماد على القوات الأميركية المنتشرة في قرابة 50 قاعدة عسكرية تتمركز في غرب أوروبا، وأغلبها يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وجرى بناؤها لتكون في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وما كان يمثله من تهديد لأوروبا الغربية. وبحسب قياس مستوى التحديات الدفاعية والهجومية، يُنشر الجنود والأسلحة وتُقسّم المهام بين القواعد، فهناك قواعد تستضيف أسلحة الطيران والقاذفات الاستراتيجية، وأخرى للمشاة والقوات المنقولة والبحرية والبرّية، وغيرها متخصصة بالصواريخ والرد على الصواريخ الباليستية. ويمتد توزيع الاختصاصات حتى الأسلحة النووية والحرب الإلكترونية. وتتولى القواعد الأميركية في أوروبا تأمين مظلة دفاعية للقارة ضد كافة المخاطر بصورة عامة، ولكنها مصممة منذ الحرب العالمية الثانية على مواجهة تهديدات محدّدة، تلك التي كان يشكلها الاتحاد السوفييتي، وما تمثله روسيا حالياً.
بدء سحب القوات الأميركية من ألمانيا ليس شأناً ثنائياً، بل هو خطوة أولى في سياق تحول أميركي أوسع يُلزم الأوروبيين بالتفكير الجاد بثلاث مسائل. الأولى أن الأمن الأوروبي سيصبح عاجلاً أم آجلاً مسؤولية الأوروبيين، وهو حلم أوروبي بدأ في تنسيق الجهود الدفاعية بين فرنسا وألمانيا في أعوام الثمانينيات من القرن الماضي، لكنه تأجل بسبب ضغط قادة أوروبيين جدد ذي عقيدة أطلسية مثل نيكولا ساركوزي. والثانية في سياق الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. القرار يحمل دلالات إضافية منها تقليل الاعتماد على القواعد التقليدية في أوروبا الغربية وتعزيز المرونة العسكرية الأميركية، كما يعكس توجه واشنطن لإعادة ترتيب أولوياتها عالمياً، مع الأخذ في الاعتبار أن هدف الوجود العسكري الأميركي في أوروبا المباشر، كان يقوم على تطويق روسيا وتكبيلها، ولن يتراجع اليوم بمجرد سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، لكنه سوف يقود إلى إعادة تموضع للقوات الأميركية في أوروبا. وعلى الأرجح سوف ينتقل مركز الثقل من ألمانيا نحو أوروبا الشرقية خصوصاً بولندا ودول البلطيق.
يرى خبراء أنه حتى لو اتجه الحلفاء الأوروبيون نحو الإنفاق الدفاعي بنسبة 5%، فإن تنفيذ ذلك سيستغرق وقتاً
ثالثاً العلاقات داخل الأطلسي، حيث تُفكّر الولايات المتحدة في استبعاد إسبانيا من "ناتو"، لكن ذلك يحظى بانتقادات داخلية. وأعرب رئيسا لجنتي القوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ، مايك روجيرز وروجير ويكر، وكلاهما من الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب، عن "قلقهما البالغ" إزاء هذا القرار و"الرسالة السلبية التي يبعثها إلى فلاديمير بوتين".
ويطالب ترامب الأوروبيين منذ فترة طويلة بتعزيز دفاعاتهم، متهماً إياهم بالاعتماد المفرط على الحماية العسكرية الأميركية. ولم تتوقف التهديدات الأميركية برفع نسبة مشاركة الأوروبيين بموازنة الحلف. ويرى خبراء أوروبيون أنه، حتى لو اتجه الحلفاء الأوروبيون نحو الإنفاق الدفاعي بنسبة 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي، فإن تنفيذ هذا الاستثمار سيستغرق وقتاً. وعلى ذلك، فإن تقليص الوجود الأميركي في أوروبا قبل الأوان، وقبل أن تُصبح هذه الموارد جاهزة للعمل بكامل طاقتها، يُنذر بخطر إضعاف الحلف.
قرار سحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا ليس قطيعة بين الولايات المتحدة وألمانيا وبقية أوروبا، لكنه يضرب أحد ثوابت العلاقة منذ الحرب الباردة. وهناك شبه إجماع في أوساط الخبراء الأوروبيين على أنه لن يُغيّر ميزان القوى فوراً، بالقدر الذي يكشف فيه عن تحوّل أعمق يتمثل في أن واشنطن لم تعد ترى أوروبا ساحة مضمونة الولاء، يمكن الاستثمار فيها عسكرياً بلا شروط، بل شريك يجب أن يتحمل كلفة أمنه، في عالم تتزاحم فيه الأولويات من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط والصين، وهو في الختام نتيجة لمراجعة بدأت في الدوائر الأميركية المختصة منذ قرابة عقد، تتركز حول رؤية أميركا للمخاطر الاستراتيجية، وتوجيه الجهد العسكري في اتجاه الشرق، خصوصاً أن الحرب الروسية على أوكرانيا، قلّصت التهديد الاستراتيجي الذي كانت تمثله روسيا.

أخبار ذات صلة.
نافذة مفاوضات قبل «نفاد صبر» ترمب
الشرق الأوسط
منذ ساعتين
أجسام مجهولة تراقبنا
العربي الجديد
منذ ساعتين
أنقذوا سورية قبل فوات الأوان
العربي الجديد
منذ ساعتين