عربي
من غرب الأنبار في العراق إلى أطراف نينوى (شمال غرب)، وصولاً إلى بادية السماوة ومناطق جنوب كربلاء والنجف (جنوب غرب)، تتمدّد الأعشاب على مساحات واسعة بتأثير أمطار الشتاء الغزيرة، وتعلن بداية موسم خضار استثنائيّ.
لم يكن موسم الشتاء هذا العام شحيحاً في العراق كما في السنوات العشر الأخيرة، وجلب كميات كبيرة غير متوقعة من الأمطار، ما أعاد المساحات الخضراء المخصّصة للرعي على نحوٍ غير مسبوق، خاصّة في البادية الغربية والشمالية. ولم يمر هذا التحوّل مرور الكرام في الأوساط الريفية، بل انعكس سريعاً على حياة مربي الماشية الذين وجدوا أنفسهم أمام فرصة نادرة لتخفيف أعباء ثقيلة لاحقتهم سنوات، فمع ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة كانت تربية المواشي عبئاً اقتصادياً متزايداً، لكن الطبيعة هذا العام تدخلت لإعادة التوازن ومنح الرعاة متنفساً طال انتظاره.
يتحدث المتخصّص في الشأن البيئي أحمد حسن، لـ"العربي الجديد"، عن أنّ "موجات الأمطار والسيول الأخيرة رفعت مستويات الرطوبة في التربة، وساهمت في إنبات غطاء كثيف في مناطق رعوية تقليدية أبرزها بادية الأنبار التي تعد من أكبر مناطق الرعي في العراق، ومناطق الجزيرة في نينوى وصلاح الدين، إضافة إلى الامتدادات الصحراوية في المثنى والنجف. ولم يوسّع هذا الامتداد الأخضر مساحات الرعي فحسب، بل أعاد إحياء مسارات تقليدية كانت هجرتها القطعان خلال سنوات الجفاف".
ويخبر غانم الخلف، وهو مربٍ مخضرم من بادية الأنبار، "العربي الجديد"، بنبرة مليئة بالارتياح، أن "ما يحدث اليوم ليس عادياً بالنسبة لنا. نتعامل مع موسم قد يعوّض سنوات من الأرباح الضعيفة. تضطرني مواسم الأمطار الشحيحة مع غيري من مربي الماشية لشراء العلف، وهذا ليس أول موسم غزير بالأمطار لكنّها لا تأتي كل عام، وقد نشهد أربعة أو خمسة مواسم من دون أن تنتعش المراعي الطبيعية. تختلف الحال اليوم. المراعي ممتدة، والعشب متوفر بكثافة، ما يعني أنني سأوفّر آلاف الدولارات هذا الموسم، والتي كنت أنفقها في شراء الأعلاف".
وليس هذا التوفير بسيطاً، بل ينعكس على كل شيء، بحسب ما يقول مربي ماشية آخر يدعى رشيد شعلان، موضحاً في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ "المراعي الطبيعية الغنية بالعشب تساعدني على الاحتفاظ بعدد أكبر من المواشي، وتحسين ظروف تربيتها، وحتى التفكير في التوسع"، ويتابع: لا يقتصر التوفير على المال، بل يشمل الجهد أيضاً. كنا نقضي وقتاً طويلاً في نقل الأعلاف وتخزينها، أما الآن فالمواشي ترعى بنفسها في الطبيعة ما يُخفف عبئاً يومياً كبيراً عنّا. أستطيع القول إنّنا سنجني هذا العام تعب السنوات الماضية".
ويفتح الحديث عن التكاليف الباب أمام جانب آخر لا يقل أهمية، وهو جودة التربية نفسها، فتقليل الاعتماد على الأعلاف الصناعيّة لا يعني خفض النفقات فحسب، بل يقود أيضاً إلى تغيير في طبيعة النظام الغذائي للمواشي، ما ينعكس مباشرة على صحتها وإنتاجيتها. هذا ما يؤكده سعد العجيلي، وهو مربّي ماشية من ريف نينوى، يتحدث لـ"العربي الجديد" عن التحوّل الذي يلمسه في قطعانه، ويقول: "الفارق واضح جداً هذا العام. لا تأكل المواشي عشوائياً، بل تختار ما يناسبها من الأعشاب. وهذا السلوك الطبيعي لا يمكن تعويضه بالأعلاف الجاهزة. في المراعي الطبيعية تصبح الحيوانات أكثر نشاطاً، وذات حركة أفضل وشهية مفتوحة أكبر، وحتى حالات المرض تنخفض على نحوٍ ملحوظ".
ويؤكد العجيلي أن "الأمر لا يتوقف عند الجانب الصحي، بل يمتد إلى جودة المنتج النهائي. اللحم الناتج عن المراعي الطبيعية يختلف طعمه، وهذه ليست مجرد ملاحظة شخصية، بل شيء يدركه كل من يشتري ويقارن. تعطي الطبيعة جودة حقيقية، ما يجعل الطلب يرتفع على هذه المواشي".
ولا ينحصر التحسّن في جودة المواشي في الحقول، بل ينتقل أثره سريعاً إلى الأسواق، إذ يلعب عامل الثقة دوراً حاسماً في قرارات الشراء، فالمستهلك العراقي الذي يعرف الفوارق بين اللحوم المحلية والمستوردة، يميل غالباً إلى المنتج الذي يضمن له جودة أكبر حتى لو كان بسعر أعلى. وهذا التحوّل ينعكس بوضوح في حركة البيع، خاصة في المواسم التي يرتفع فيها الطلب، مثل الأعياد والمناسبات الاجتماعية، إذ يبحث المشترون عن مواشٍ تربّت في بيئة طبيعية.
ويقول جواد السلمان، وهو مربٍ وتاجر مواشٍ، لـ"العربي الجديد": "نلمس تغيّراً واضحاً في سلوك الزبائن. لم يعد السؤال عن السعر أو الوزن فحسب، بل عن طريقة التربية ومصدر التغذية". ويوضح أنّ لديه، مثل مربي مواشٍ آخرين، مشترين دائمين يثقون في مواشيه، لكن هناك أيضاً زبائن جدد يبحثون عن مواشٍ تتغذى من مراعٍ طبيعية، ويسأل كثير من الناس مباشرةً: هل هذه الأغنام من مراعٍ طبيعية؟ هل اعتمدت على العشب أم الأعلاف؟، وقد زاد هذا الوعي كثيراً، خاصة مع انتشار الحديث عن جودة اللحوم".
ومع تراجع التكاليف وتحسّن الجودة وارتفاع الطلب تتجه أنظار بعض المربين نحو مرحلة أبعد تتعلّق بتوسيع نشاطهم وزيادة عدد قطعانهم، فوفرة الغذاء الطبيعي لا توفر بيئة صحية فحسب، بل تخلق أيضاً ظروفاً مثالية للتكاثر والنمو. هذا ما يوضحه مربي الماشية رياض الشمري الذي يقول لـ"العربي الجديد": "عندما يتوفر الغذاء الطبيعي على نحوٍ كافٍ، تتحسّن خصوبة الحيوانات وتزداد نسب الولادات الطبيعية وتكسب الحيوانات صحة وقوة لأنها تتغذى أنواعاً مختلفة من النباتات التي تحتوي على فيتامينات كثيرة، وتتحرك في مساحات كبيرة مليئة بالعشب".
