بكين بين ترامب وإيران
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في خضم صراع مستعر، وتحت ظل ثقيل لهدنة هشة مع طهران، حزم الرئيس الأميركي دونالد ترامب حقائبه متجهاً نحو بكين. منذ تفكيره بالزيارة، كانت جعبته مليئة بالخطط والطموحات لها، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنه. لم تكن المواجهة مع إيران مجرد انفجار لاحتقان دام خمسة عقود من الانسداد السياسي بين العاصمتين، بل كانت، إلى جانب المتغيرات الإقليمية، حجر زاوية في رقعة الشطرنج الكبرى للتنافس الأميركي الصيني على الساحة العالمية. من هذا المنطلق، كانت تلك المواجهة بمثابة التمهيد الأكبر لرحلة ترامب إلى التنين الآسيوي. كان ترامب يمني النفس بالجلوس أمام نظيره الصيني شي جين بينغ ملوحاً بورقة النصر على إيران، متوجاً بالسيطرة على شرايين الطاقة في الخليج وتوسيع النفوذ الجيوسياسي لواشنطن في الشرق الأوسط، ليحصد تنازلات صينية كبرى في ملفات شائكة. لكنه اليوم زار بكين خالي الوفاض من تلك الورقة الرابحة؛ إذ يواجه عقدة مستعصية في مياه الخليج، في وقت تعرّض فيه النفوذ العسكري الأميركي لاختبار قاسٍ لم يشهده من قبل. في هذه الرحلة، يسعى ترامب لجر بكين إلى خندقه للضغط على طهران، في مفارقة جلية، حيث كانت إحدى الغايات الكبرى لهذه المواجهة أصلاً هي تحجيم التمدد الصيني. ورغم ادعاءاته الاستباقية بأنه في غنى عن مساعدة بكين، ظلت طهران الحاضر الأكبر على طاولات حواره. يطمح الساكن في البيت الأبيض إلى استغلال تضرر الصين من إغلاق مضيق هرمز واختناق إمداداتها النفطية، لتحويل هذا الألم الاقتصادي إلى أداة ضغط تسلطها بكين على طهران لفتح المعبر المائي. ومع ذلك، تبدو الصورة معقّدة؛ فمن المستبعد أن يحمل ترامب في حقيبته الدبلوماسية مبادرة وسطية لإنهاء النزاع وإرساء معادلة متوازنة مع طهران. بل ينصبّ تركيزه على إقناع شي بقطع شريان الدعم بمختلف أشكاله عن إيران، وتشديد الخناق الاقتصادي لفتح المضيق. وستكون أروقة مجلس الأمن ومسودة القرار الجديد المقياس الحقيقي لمدى تجاوب بكين مع واشنطن في هذا الملف. في المشهد الأوسع، يقف المنطق الجيوسياسي حائلاً دون تسليم واشنطن مفاتيح الوساطة لغريمها العالمي، فهي لا ترتضي لبكين دور البطولة ولا تمنحها مساحة النجاح المطلوبة. وعلى الضفة الأخرى، ورغم وطأة إغلاق المضيق على الاقتصاد الصيني، تتردد بكين في إلقاء ثقلها الكامل في هذا المستنقع الإقليمي المعقد حيث ترتبط بجميع أطراف الخليج بعلاقات دقيقة. فالمعادلة صعبة؛ أميركا لن تسمح بتألق صيني، وبكين لن تنساق وراء واشنطن للضغط على طهران بما يخدم مصالح غريمها الأميركي، فالميل لطرف دون آخر دونه عقبات، والمحافظة على التوازن مهمة شاقة. وحتى لو أثارت الزيارة زوبعة دبلوماسية صينية، فمن المستبعد أن تُعبد طريقاً رئيسياً للحل، بل قد تكتفي بلعب دور مساند ومكمل لوساطات أخرى، لاسيما المسار الباكستاني، في انتظار ما ستسفر عنه حوارات الغرف المغلقة، فيما يبقى استئناف الحرب الأكثر ترجيحاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية