من شريكة إلى معيلة.. كيف غيرت الحرب خارطة العمل النسوي في اليمن؟ (استطلاع)
أهلي
منذ ساعة
مشاركة

أعده لـ “يمن ديلي نيوز” سماح عبدالله: منذ اجتياح جماعة الحوثي المصنفة إرهابية للعاصمة صنعاء أواخر عام 2014، دخل اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث دفعت الحرب آلاف الأسر إلى حافة الفقر، وفاقمت معاناة اليمنيين مع انهيار الاقتصاد وتوقف الرواتب منذ عام 2016، وفقدان أعداد كبيرة من المواطنين لأعمالهم ومصادر دخلهم.

وفي قلب هذه الظروف القاسية، وجدت المرأة اليمنية نفسها أمام مسؤوليات غير مسبوقة، بعد أن تحولن من شريكات في إعالة الأسرة إلى المعيل الوحيد لها، في ظل المرض أو البطالة أو النزوح الذي طال أزواجهن وأسرهن.

ورغم قسوة الحرب وما خلفته من نزوح وفقدان واستنزاف اقتصادي، نجحت كثير من النساء اليمنيات في تحويل المعاناة إلى قصص صمود وإنتاج، عبر مشاريع صغيرة بدأت بإمكانات محدودة لكنها صنعت فارقاً حقيقياً في حياة أسر كاملة.

في هذا الاستطلاع، يرصد “يمن ديلي نيوز” نماذج لنساء يمنيات تحدّين ظروف الحرب والفقر والنزوح، واستطعن بناء مصادر دخل بسيطة من الخياطة وصناعة البخور وإعداد الحلويات، في قصص تعكس حجم المعاناة من جهة، وقدرة المرأة اليمنية على الصمود وصناعة الأمل من جهة أخرى.

بشكل كامل

سبأ شوقي، شابة ثلاثينية تقيم في محافظة المحويت، تُعد واحدة من النساء اللايي وجدن أنفسهن أمام واقع صعب بعد أن أصبح زوجها عاطلًا عن العمل نتيجة الحرب، إضافة إلى معاناته من أمراض مزمنة أفقدته القدرة على الكسب، ما دفعها لتحمل مسؤولية إعالة أسرتها المكونة من سبعة أطفال.

تقول سبأ لـ”يمن ديلي نيوز” إن حياتها تغيرت بشكل كامل بعد أن أصبحت المعيل الرئيسي لأسرتها، حيث باتت تتحمل مسؤوليات كبيرة لم تكن تتخيلها، وأصبحت تفكر في كل ما يتعلق بأطفالها من غذاء وتعليم وعلاج، “ولم يكن أمامها خيار سوى أن تكون قوية من أجلهم”، على حد تعبيرها.

وتوضح أن ظروف الحرب ومرض زوجها كانا الدافع الأساسي لاعتمادها على نفسها، إذ شعرت بأنه لا يوجد من يمكن أن يقف إلى جانبهم إن لم تبدأ بالعمل لتأمين احتياجات أطفالها.

وذكرت أنها بدأت بجمع ما استطاعت من مال بسيط، إلى جانب بعض المساعدات التي تلقتها من فاعلي الخير، حتى تمكنت من شراء ماكينة خياطة لتشكل نقطة انطلاقها الأولى نحو العمل وتوفير مصدر دخل لأسرتها.

تؤكد أن بدايتها لم تكن سهلة، إذ واجهت العديد من الصعوبات، أبرزها قلة المال والخوف من الفشل، إضافة إلى الضغط النفسي الناتج عن الحرب وحجم المسؤولية، لكنها استطاعت تجاوز ذلك بالصبر والإصرار، مستمدة قوتها من حبها لأطفالها.

وأكدت أن بعض المساعدات التي تلقتها كانت دافعًا مهمًا للانطلاق، لكنها اعتمدت بشكل أساسي على نفسها في الاستمرار، مشيرة إلى أن التوفيق بين العمل ورعاية أطفالها أمر مرهق، لكنها تحاول تنظيم وقتها قدر الإمكان، وفي أحيان كثيرة يساعدها أطفالها في بعض الأمور البسيطة.

مضيفةً أن الدخل الذي تحصل عليه لا يكفي لتغطية كافة احتياجات الأسرة، لكنه يساعدهم على تسيير أمورهم الأساسية والتكيف مع الظروف.

وفي ختام حديثها، عبرت “سبأ” عن فخرها بقدرتها على تحمل المسؤولية والوقوف إلى جانب أسرتها رغم كل الصعوبات، مؤكدة أنها لم تستسلم للواقع.

كما عبرت عن أملها في أن تتمكن من تطوير عملها وتحسين دخلها، لتوفر حياة أفضل لأطفالها، داعيةً كل امرأة تمر بظروف مشابهة إلى عدم الاستسلام، “فالبدايات مهما كانت بسيطة قادرة على إحداث تغيير كبير”.

البخور مصدر حياة

ابتداء إبراهيم، شابة ثلاثينية وأم لستة أطفال، هي الأخرى كانت تعيش حياة بسيطة ومستقرة نسبيًا قبل اندلاع الحرب، حيث كان زوجها يعمل ويوفر احتياجات الأسرة الأساسية، غير أن هذا الاستقرار لم يدم طويلًا، إذ بدأت أوضاع الأسرة بالتغير تدريجيًا مع تصاعد الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية.

تعرض زوج “ابتداء” لاحقًا لاضطراب نفسي أفقده القدرة على العمل، ما انعكس بشكل مباشر على وضع الأسرة، لتجد نفسها أمام مسؤولية إعالة أطفالها بالكامل.

في حديثها لـ”يمن ديلي نيوز”، تصف “ابتداء” شعورها في تلك اللحظة بقولها: “شعور الخوف والقلق كان كبيرًا، لكني أدركت في الوقت ذاته ضرورة أن أكون قوية من أجل أطفالي”.

ومع تفاقم الظروف، اضطرت للانتقال مع أطفالها من منطقتها إلى منزل أسرتها في جبل حبشي، أملًا في الحصول على قدر من الاستقرار، غير أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة دفعتهم لاحقًا للنزوح إلى التربة، في تجربة تصفها بأنها كانت قاسية ومليئة بالتحديات، خصوصًا في ظل غياب الاستقرار وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.

وفي ظل انعدام أي مصدر دخل ثابت، واجهت ابتداء تحديات كبيرة، كان أبرزها تأمين الغذاء والمصاريف اليومية، ما دفعها للبحث عن أي وسيلة لتأمين احتياجات أطفالها ولو بشكل بسيط.

ومن هنا بدأت فكرة مشروعها الصغير، حيث جمعت مبلغًا ماليًا محدودًا وقررت شراء أدوات البخور وصنعه وبيعه داخل المنطقة التي تعيش فيها.

وأشارت إلى أنها في البداية واجهت صعوبة في إقناع الزبائن وبناء قاعدة بسيطة من العملاء، إضافة إلى محدودية رأس المال، ومع مرور الوقت بدأ وضع أسرتها المعيشي يتحسن نسبيًا، وسط تشجيع من بعض أفراد المجتمع، وهو ما منحها دافعًا للاستمرار.

وأكدت أن خوفها على أطفالها وإيمانها بقدرتها على تجاوز الصعوبات كانا من أهم العوامل التي ساعدتها على الصمود، رغم ما واجهته من لحظات ضعف عديدة وشعور متكرر بالرغبة في الاستسلام، إلا أنها كانت تستمد قوتها من مسؤوليتها تجاه أسرتها.

وأضافت أن مشروع بيع البخور، رغم بساطته، ساهم في توفير دخل محدود مكنها من تلبية الاحتياجات الأساسية لأطفالها، ومنحها قدرًا من الاستقرار بعد فترة طويلة من المعاناة.

تطمح ابتداء إلى تطوير مشروعها في المستقبل والحصول على دعم مادي أو تدريب يمكنها من توسيع نشاطها وتحسين مستوى دخلها، بما ينعكس إيجابًا على حياتها وحياة أطفالها.

نقطة تحول قاسية

وضمن سلسلة من النماذج المكافحة، تبرز قصة الشابة دعاء التي اضطرت للنزوح من صنعاء إلى مدينة التربة، بعد أن فقد والدها عمله نتيجة تداعيات الحرب، لتجد نفسها وأسرتها أمام واقع صعب دون مصدر دخل، وفي مواجهة مسؤوليات تفوق عمرها.

تقول دعاء لـ”يمن ديلي نيوز” إن حياتها قبل النزوح كانت مستقرة وبسيطة، إلا أن لحظة النزوح شكلت نقطة تحول قاسية، وفقدان والدها لعمله كان له أثر كبير على الأسرة، حيث غاب مصدر الدخل وأصبحت المسؤولية مضاعفة في ظل الحاجة لتأمين الاحتياجات الأساسية، وهذا الواقع دفعها للتفكير في إيجاد وسيلة تساعد بها أسرتها.

وسط هذه الظروف، وجدت دعاء في المطبخ ملاذها الآمن، حيث تحب إعداد الحلويات، فقررت تحويل هذا الشغف إلى مشروع صغير، واختارت صناعة الكوكيز بدافع حبها لهذا المجال وشعورها بقدرتها على الإبداع فيه وتقديم منتج يحمل طابعًا خاصًا.

وتستعيد دعاء أول تجربة بيع للكوكيز، والتي كانت بسيطة، لكنها شكلت لحظة فارقة في حياتها، إذ شعرت بفخر كبير عندما حصلت على أول مقابل مادي لمنتج صنعته بيديها، وهو ما منحها دافعًا قويًا للاستمرار.

ولم تكن البداية سهلة، إذ واجهت العديد من التحديات، أبرزها قلة الإمكانيات وصعوبة توفير المواد الأساسية مثل السكر البني وقطع الشوكولاتة، إلى جانب محدودية الأدوات وصعوبة التسويق في بيئة جديدة تفتقر فيها إلى شبكة علاقات.

لكنها عملت على تجاوز تلك العقبات من خلال البحث عن بدائل أو طلب المواد من خارج المنطقة عند توفرها، والاستفادة مما هو متاح لديها.

وفيما يتعلق بالتسويق، تشير إلى أنها اعتمدت في البداية على دائرة معارفها، قبل أن يبدأ اسمها بالانتشار تدريجيًا بفضل رضا الزبائن وجودة المنتج، ما ساعدها على بناء قاعدة بسيطة من العملاء.

وأضافت أن أسرتها كانت الداعم الأول لها، حيث لعب تشجيعهم دورًا كبيرًا في تعزيز ثقتها بنفسها والاستمرار رغم الصعوبات.

وتؤكد دعاء أن مشروعها اليوم لم يعد مجرد مصدر دخل، بل أصبح بالنسبة لها مساحة أمل وبداية جديدة، تحمل فيها كل قطعة كوكيز قصة صبر وإصرار، ورسالة لكل من يمر بظروف مشابهة بأن البداية مهما كانت بسيطة قادرة على إحداث فرق.

وتطمح دعاء إلى تطوير مشروعها مستقبلًا وافتتاح محل خاص بها لتوسيع نشاطها والوصول إلى شريحة أكبر من الزبائن، كما توجه رسالة للفتيات اللواتي يعشن ظروفًا صعبة، تدعوهن فيها إلى عدم الاستسلام والبدء بما يمتلكن من مهارات مهما بدت بسيطة.

تعزيز دور المرأة

وتؤكد أمة الله عبدالله، رئيسة مؤسسة فور هير، على أن تمكين المرأة لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحة في ظل الظروف الراهنة، مشيرةً إلى أن العديد من النساء استطعن تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنجاح من خلال المشاريع الصغيرة التي تسهم بفاعلية في تحسين مستوى المعيشة وتعزيز دور المرأة في المجتمع.

وأضافت أمة الله لـ”يمن ديلي نيوز” أن المؤسسة تؤمن بأن تمكين المرأة يبدأ من منحها الفرصة والثقة والمهارات التي تساعدها على الاعتماد على نفسها وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

واعتبرت أن ما قامت به “ابتداء” و”سبأ” ودعاء يمثل صورة مشرقة للمرأة التي تحول الألم إلى أمل والمعاناة إلى إنجاز، وتشكل مصدر إلهام للاستمرار في توسيع برامج المؤسسة ومبادراتها، والعمل للوصول إلى النساء الأكثر احتياجًا، خاصة في مناطق النزوح.

وأشارت إلى أهمية دعم الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني لهذه المبادرات، بما يسهم في توسيع نطاقها وتطويرها إلى مشاريع ريادية متوسطة، قادرة على تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز القدرة التنافسية في السوق اليمنية.

دعم أكبر

بدوره، قال عثمان محمد، الأمين العام لـ شبكة شباب أفضل، إن قصص هؤلاء الفتيات تمثل خطوة مهمة وتعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع اليمني، حيث أصبحت المرأة، في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، فاعلًا أساسيًا في دعم أسرتها والمساهمة في الاقتصاد المحلي.

وأوضح عثمان لـ”يمن ديلي نيوز” أن النساء لا يزلن بحاجة إلى دعم أكبر من الجهات الحكومية والمنظمات، مع توسيع التدخلات لتشمل دعم المشاريع المتوسطة والريادية، بما يسهم في رفع مستوى التنافسية في السوق اليمنية وتحسين الأوضاع الاقتصادية للأسر.

وأضاف: كثير من النساء استطعن تحويل معاناتهن إلى فرص حقيقية، والانتقال من مرحلة الاحتياج إلى مرحلة الإنتاج، وهو ما يستحق تسليط الضوء عليه بشكل أكبر.

وأشار إلى أن شبكة شباب أفضل لمست بشكل مباشر الأثر الإيجابي لبرامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني، خاصة تلك التي تستهدف النساء في مناطق النزوح والمجتمعات الأشد هشاشة.

ولفت إلى أن هذه التدخلات، رغم بساطتها، تسهم في إحداث تغيير ملموس في حياة المستفيدات، وتمنحهن القدرة على بناء مشاريع صغيرة توفر لهن مصدر دخل مستدام، وتساعد أسرهن على مواجهة الظروف المعيشية الصعبة.

ودعا أمين عام شبكة “شباب أفضل” إلى تبني سياسات وبرامج مستدامة تضع المرأة في صميم عملية التنمية، وتمنحها الدور الذي تستحقه كشريك حقيقي في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

ظهرت المقالة من شريكة إلى معيلة.. كيف غيرت الحرب خارطة العمل النسوي في اليمن؟ (استطلاع) أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية