عربي
في "فينوس الكهربائية" ("القبلة الكهربائية" بحسب العنوان الإنكليزي)، للفرنسي بيار سالفادوري، يتأكّد الفرق بين المخرج الفني المبدع، صاحب وجهة النظر والجرأة، والمخالِف للمعتاد، والمخرج المتمرّس والذكي، الواقف في منطقة رمادية، آثرت السلامة، ومالت إلى تقديم نهاية سعيدة، من دون مواقف أو رؤى جذرية، وإن أفضى هذا إلى إضعاف الفيلم. بيار سالفادوري (تونس، 1964) من النوع الأخير.
هذا ينسحب أيضاً على موضوعات أفلامه وشخصياتها، التي تحمل تناقضات أخلاقية ونفسية واجتماعية، تضعها بين نقيضين، وتقبع في منطقة رمادية، تتأرجح بين الجدية والانتهازية، والكذب والإخلاص، والعمق والسطحية. ورغم ازدواجيتها الهشّة وتناقضها الحدّي، تُثير تعاطفاً وشفقة أكثر من النفور والكراهية. الاشتغال على المنطقة الرمادية يمنح أفلامه عمقاً إنسانياً، رغم تلطيفه أحياناً سلوكياتها، أو الوقوع في غرامها، بدلاً من القسوة عليها وتركها لمصيرها.
ينطبق هذا على جديده (لا سيما مشهد النهاية، الذي أفسد جماله. الفرق الدقيق بين اشتغال مخرج وخياراته، واشتغال آخر وخياراته، لم يجعل سلفادوري (له 10 أفلام طويلة ومسلسلات في 34 عاماً) من مخرجي الصف الأول الفرنسيين حتى، وإن منحه موقعاً مميّزاً في السينما الفرنسية المعاصرة.
في "فينوس الكهربائية" (La Vénus électrique)، الذي افتتح الدورة الـ79 (12 ـ 23 مايو/أيار 2026) لمهرجان "كانّ" السينمائي، كما في أكثر من فيلم له، يصعب تصنيفه في الكوميديا التقليدية أو الخالصة، رغم اشتغاله الظاهري عليها. الكوميديا القادرة على الإضحاك غير المفتعل حاضرة، لكنها ليست هدفاً، بل وسيلة لخلخلة الواقع، وكشف اضطرابه، وتعميق الشخصيات. تنبع من اختلال عميق في العلاقة بين الشخصيات، وبينها وبين العالم، فيحاول عبر الكوميديا إعادة التوازن بين دراما الحياة وعبثها. يعتمد في هذا، دائماً، على أداء جاد في مواقف عبثية، فتنشأ الكوميديا من التوتر بين النبرة الواقعية والحدث غير المعقول. لذا، لا تقدم أفلامه رؤية سوداوية أو تراجيديا خالصة، ولا تنشغل بهمّ وجودي، فتتسم بالتأرجح بين الخفة والجدية.
للحب حضور قوي في أفلامه، كما أنه محور حبكة جديده، الذي يتناوله مُجدداً بوصفه امتداداً لمصلحة، أووسيلةَ تلاعب، أو خدعة ذاتية، لكن بنبرة أكثر تهكّماً، من دون اشتغال عميق بالتأمّل الفلسفي المباشر للدوافع. هذا يقود إلى خياراته، التي تتناول موضوعات ثقيلة، كالحب والهوية والوحدة والخداع، من دون قوة وعمق، وتفضيل البقاء في منطقة اللعب الذكي، بدل المواجهة العنيفة أو العميقة أو المأساوية. في هذا بعض ذكاء ينمّ عن خيار فني وتوجه لدى المخرج، الراغب في تقديم سينما تُرضي الجميع، ولا تدّعي عمقاً فلسفياً أو حسماً، بل تقدّم تجربة مشاهدة ذكية ومراوغة ومقلقة، ومشوّقة وممتعة أيضاً.
نجح سالفادوري في هذا عبر شخصيات قليلة جداً في "فينوس الكهربائية"، المُتسم (مقارنة بأفلام أخرى) باشتغال بصري جميل للغاية، وحركة كاميرا شديدة الحيوية غالباً، وإن كان تصميم المشاهد، غالبيتها ديكورات داخلية، أمراً مساعداً على رونق الصورة. ضاعف هذا تميّز الألوان وتناسقها على نحو شديد الجمال والفنية. توظيفٌ خَدم أحداث الحبكة بشكل رائع: التمحور حول الفن والرسم والمعارض وتجارة اللوحات، بالتعرّف إلى أنطوان باليسترو (بْيو مارماي)، الرسّام الشاب الموهوب والمشهور، العاجز عن الرسم منذ وفاة زوجته قبل سنوات، وهو يظنّ أنه تسبّب بها، فيعيش عقدة ذنب مستعصية، ما يثير استياء صديقه وبائع لوحاته، أرمان (جيل لولوش).
ذات مساء، حاول أنطوان الثمل التواصل مع زوجته عبر وسيطة روحية. لكنه لم يعلم أنه يتحدث في الواقع مع سوزان (أناييس دوموستيه)، العاملة المتواضعة في كرنفال متنقّل، وصل حديثاً إلى باريس، مطلع القرن الـ20، تؤدّي فيه فقرة الزهرة/فينوس الكهربائية، التي تسلّلت إلى الكرفان لسرقات صغيرة. سريعاً، تتورط سوزان، ولا تستطيع التهرّب، فالمقابل المادي سخي جداً. هنا، تبرز سوزان شخصيةً نموذجية في سينما سلفادوري، إذ تتعلم مهارات الخدع، وتبرع في الاحتيال على أنطوان، خاصة أن أرمان وعدها بمقابل مادي لم تستطع مقاومته، بعد أن وبّخها في البداية لأنها محتالة، تخدع صديقه وتتلاعب بضعفه. لكنّ اكتشافه أنها دافع إلى عودته للرسم حفّزه، وجعله يدعمها لتنظيم جلسات تحضير أرواح وهمية متتالية.
تدريجياً، تسير الأحداث إلى المتوقع. فمع استعادة أنطوان إلهامه، يتعقّد الوضع بالنسبة إلى سوزان، التي تحبّ بصدق رجلاً تخدعه وتتلاعب به. ومن دون أي مخالفة للمتوقع أيضاً، ورغم حبه لزوجته الراحلة التي يتواصل معها، يستعيد ذكرياتهما الرومانسية معاً عبر سوزان، لكنه ينجذب إلى سوزان ويحبّها، مع بقائه في منطقة رمادية يصعب حسمها. هذا يخفف العبء النفسي والأخلاقي على أنطوان، ويقرّبه أكثر من سوزان. ولخشية سالفادوري تقديم نهاية عبثية، أو ذات ثقل وجودي ونفسي وأخلاقي أقوى وأعمق، آثر السلامة بنهاية سعيدة، لفتت الانتباه إلى أكثر من عيب في السيناريو، معظمها يتعلق بعدم الإقناع أو التبرير المنطقي والصدق الفني. إذ يصعب مثلاً تصديق عثور سوزان على مذكرات زوجته واعترافاتها في خزنة غرفتها بمنزل أنطوان، بينما لم ينتبه هو إليها سنوات طويلة، والاتكاء على هذا ذريعةً لتوظيف "فلاش باك" كلّ الفيلم لسرد علاقتهما. هذا أفضى إلى خيار فني ضعيف، وإن لم يتسبّب في إرباك السرد، أو إرهاق المُشاهدة.
