عربي
لا تفقد المدن ذاكرتها بضربة واحدة، بل تُترك أحياناً لتتآكل بصمت: جسر صناعي يغلق أبوابه لسنوات، ومحطة تعقيم قديمة تختبئ على هامش لندن بين مستودع نفايات ومحطة كهرباء، ومدرسة فنون تخلو من طلابها، ونادٍ للعمال ينطفئ بعدما كان جزءاً من حياة بلدة صناعية.
في بريطانيا، تمثّل المباني الفيكتورية والإدواردية المهددة مرايا لذاكرة اجتماعية وصناعية ومدنية تتراجع تحت ضغط الإهمال وكلفة الترميم. فالقضية الآن تتعلّق بمن يملك القدرة والإرادة لتمويل بقاء أماكن صنعت يوماً حياة الناس، بعدما أصبحت حمايتها أكبر من طاقة المجالس المحلية.
في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، يقول عضو مجلس إدارة منظمة الصوت المدني (Civic Voice)، المعنية بحماية الطابع العمراني والتراثي للمدن والبلدات البريطانية، والمسؤول عن لجنة الخبراء المعنية بالتخطيط فيها، باري غودتشايلد، إن المباني القديمة وتراث المناطق الأوسع يخلقان شعوراً بالفخر المحلي والاستمرارية مع الماضي. يضيف أن المباني التراثية، إلى جانب الأنصاب والأعمال الفنية والمساحات العامة، تمثل "ذاكرة مدنية جماعية"، لأنها تعبّر عن تاريخ المجتمع وهويته.
يرى غودتشايلد أن مشاهدة مبانٍ أحبها السكان وهي تتدهور، أو الأسوأ من ذلك مشاهدة هدمها، تمثل انقطاعاً عن الماضي وفقداناً للهوية. تصبح هذه الخسارة أكثر حساسية حين يتعلق الأمر بمبانٍ فيكتورية وإدواردية في مناطق صناعية سابقة، لأن كثيراً من مدن ميدلاندز وشمال إنكلترا بلغت ذروة ازدهارها في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وما زالت مراكزها تضم مباني عامة، مثل البلديات والمكتبات وقاعات الأسواق.
لهذا، لا يعكس تدهور مباني تلك الحقبة تراجعاً معمارياً فحسب، بل قد يبدو، كما يوضح غودتشايلد، علامة على تدهور اجتماعي واقتصادي أوسع، ورسالة مؤلمة للسكان والزوار، مفادها أن المدينة لم تعد تملك مستقبلاً واضحاً. لكنه لا يتعامل مع التراث باعتباره عبئاً على الحاضر، بل يرى أن المباني التاريخية يمكن أن تساعد في التجديد الاقتصادي، لأنها تمنح كل مكان تميّزه الخاص، وتوفر مورداً لهويات اقتصادية جديدة ومصادر متجددة للفخر المدني. لذلك، برأيه، يستحق التراث الفيكتوري والإدواردي الحماية والاستثمار.
يأتي هذا النقاش بعد أن كشفت جمعية العصر الفيكتوري قائمتها لعام 2026 لأكثر عشرة مبانٍ فيكتورية وإدواردية مهددة في إنكلترا وويلز. وبحسب بيان صحافي أرسلته مديرة الإعلام والاتصالات في الجمعية، ماري كليمنتس، إلى "العربي الجديد"، تضم القائمة مبنيين مصنفين من الدرجة الثانية الممتازة، وثمانية مبانٍ من الدرجة الثانية، ومع ذلك ما زالت جميعها مهددة بالتدهور أو الإهمال أو غياب خطة واضحة للإصلاح وإعادة الاستخدام.
تكشف القائمة أن التصنيف التراثي في بريطانيا لم يعد ضمانة كافية للبقاء؛ فالمبنى قد يكون محمياً على الورق، لكنه يبقى هشاً إذا غابت الميزانية أو الخطة الواقعية أو الجهة القادرة على تحمّل مسؤولية إنقاذه. وتضم القائمة نماذج شديدة التنوع: جسراً ناقلاً في شمال شرق إنكلترا، ومحطة تعقيم بلدية نادرة في هاكني، ومحطة سكك حديدية، ونادياً سابقاً لعمال القطارات في بارو إن فيرنس، ومدرسة فنون في ديربي، وقاعة سوق في شروبشير، إلى جانب مبانٍ أخرى ارتبطت بالصحة العامة والتعليم والعمل والعبادة والحياة المدنية.
يقول مدير جمعية العصر الفيكتوري، جيمس هيوز، في البيان، إن القائمة تظهر ثراء التراث الفيكتوري والإدواردي، لكنها تكشف أيضاً حجم التحدي في تأمين مستقبله. يشير إلى أن هذه المباني أُنشئت بروح من الطموح والحس المدني، لكنها تُترك اليوم، في حالات كثيرة، من دون ملكية واضحة أو استثمار أو اتجاه محدد، رغم أن كل واحد منها يمكن أن يمتلك مستقبلاً قابلاً للحياة إذا توفرت الإرادة للتحرك.
يبرز جسر تيز ترانسبورتر، الممتد فوق نهر تيز بين ميدلزبره وبورت كلارنس، ضمن منطقة تيسايد في شمال شرق إنكلترا، بوصفه المثال الأوضح على هذه المعضلة. افتُتح الجسر عام 1911، وكان ينقل المركبات والمشاة بين ضفتي النهر بواسطة عربة معلّقة، من دون تعطيل حركة السفن في هذه المنطقة الصناعية. وعلى مدى أكثر من قرن، تحول إلى جزء من هوية منطقة تيسايد، التي ارتبط تاريخها بالصناعة والهندسة الثقيلة.
بحسب بيان جمعية العصر الفيكتوري، أُغلق الجسر منذ عام 2019 بسبب مخاوف إنشائية تتعلق بالسلامة. تشير الجمعية إلى أنه كان، قبل إغلاقه، واحداً من الأمثلة القليلة الباقية عالمياً لهذا النوع من الجسور العاملة، كما تقدر كلفة إصلاحه وترميمه بنحو 60 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ يتجاوز قدرة المجالس المحلية وحدها، خصوصاً أن مسؤولية ملكيته وتشغيله مشتركة بين مجلسي ستوكتون أون تيز وميدلزبره.
في رد أرسله مجلس ميدلزبره إلى "العربي الجديد"، أوضح المجلس أن جسر تيز ترانسبورتر، أُغلق منذ عام 2019 بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة، وأن مسحاً إنشائياً مفصلاً لا يزال مستمراً، يشمل مراقبة رقمية لحركة أجزاء أساسية من الهيكل، على أن تُستخدم نتائجه في مرحلة التصميم الأولي للترميم. وأضاف أن مصمماً رئيسياً عُيّن لإعداد تصميم تفصيلي لإعادة الجسر إلى الاستخدام، في عمل قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات، شرط توافر التمويل اللازم.
في الرد نفسه، يقول رئيس بلدية ميدلزبره، كريس كوك، إن الجسر، بوصفه أحد رموز أفق شمال شرق إنكلترا منذ أكثر من قرن، يشكل جزءاً لا يتجزأ من هوية تيسايد وتراثها الصناعي والهندسي. يضيف أن الجسر، كما هو متوقع من بنية بهذا العمر والتعقيد، يُظهر علامات تآكل، وأن أي إصلاح أو ترميم سيكون "معقداً ومكلفاً".
يؤكد كوك أن قدراً كبيراً من العمل أُنجز لتقييم الخيارات المتاحة، وأن المجلس ملتزم ببذل كل ما يمكن لإعادة الجسر إلى الخدمة. لكنه يختصر جوهر الأزمة في التمويل، ويقول إن المطلوب الآن هو "اليقين بشأن التمويل"، حتى يستطيع الجسر أن يبقى جزءاً من هوية المنطقة لأجيال مقبلة.
التراث الفيكتوري يمكن أن يصبح مورداً للتجديد الاقتصادي والسياحي
تظهر المعضلة نفسها في هاكني شرقي لندن، حيث تضم القائمة محطة التعقيم البلدية في ميلفيلدز رود، التي بُنيت عام 1901 جزءاً من الاستجابة الفيكتورية للأوبئة والأمراض المعدية. وتصفها جمعية العصر الفيكتوري بأنها ناجٍ نادر من تراث الصحة العامة، بل محطة التعقيم البلدية الوحيدة المصممة لهذا الغرض التي ما زالت قائمة في إنكلترا، لكنها بقيت لسنوات بلا استخدام واضح، وأصبحت ضمن سجل التراث المعرّض للخطر.
في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، يقول متحدث باسم مجلس هاكني، إن المجلس يمتلك "سجلاً قوياً في حماية مبانيه التراثية"، مشيراً إلى أن أعمال ترميم كنيسة أبني بارك المصنفة من الدرجة الثانية، وسبرينغفيلد هاوس، وكلابتون بورتيكو، أدت إلى إزالتها من سجل التراث المعرّض للخطر. يضيف أن المجلس يرمم حالياً مكتبة ستوك نيوينغتون المصنفة من الدرجة الثانية، كما بدأت أعمال تجديد واسعة في مركز كينغز هول الترفيهي المصنف بدوره من الدرجة الثانية.
لكن المتحدث يقر في الوقت نفسه بأن المجالس في أنحاء البلاد تواجه تحديات مالية كبيرة، تجعل الترميم المكلف للمباني التراثية أمراً صعباً. ويقول إن المجلس يواصل، رغم ذلك، صيانة موقع ميلفيلدز رود والنظر في خيارات لاستخدامات قادرة على تمويل نفسها ذاتياً.
لا تقف القائمة عند جسر تيز ومحطة هاكني. ففي بارو إن فيرنس، شمال غربي إنكلترا، يظهر مبنى محطة ستراند السابقة ونادي عمال السكك الحديدية شاهداً على مرحلة صعود البلدة الصناعية، بعدما تحوّل من محطة شُيّدت عام 1863 إلى فضاء اجتماعي وتعليمي للعمال استمر لأكثر من قرن.
وفي ديربي، وسط إنكلترا، تكشف مدرسة الفنون السابقة جانباً آخر من التراث الفيكتوري، حين كان الفن والتصميم جزءاً من قوة المدن الصناعية والثقافية. أما باردون هول في هارلو، شرقي إنكلترا، فيضيف بُعداً فنياً نادراً، إذ يضم لوحات داخلية تنسب إلى الفنانة الفيكتورية إليزابيث أركرايت، ما يجعل الخطر موجهاً إلى المبنى، وإلى أثر فني نسائي قليل الحضور في الذاكرة العامة.

أخبار ذات صلة.
برامج المنوعات العربية... بما هو موجود
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة
دورة روما: ميدفيديف يلحق بسينر في قبل نهائي
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة