عربي
بعد مرور 78 عاماً على النكبة، تبدو فلسطين في أخطر مراحلها، لا لأن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائماً، بل لأن الصهيونية الدينية الحاكمة في تل أبيب لم تعد ترى حاجة للإبقاء على الوهم السياسي الذي حمله اتفاق أوسلو عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي يجري التحضير لإنهاء إرثه داخل الكنيست الإسرائيلي. ما يحدث لم يعد تعثراً في "عملية السلام"، بل بات سعياً لدفنها نهائياً وتحويل الاحتلال إلى نظام أبرتهايد دائم بلا دولة فلسطينية وحقوق وطنية أو أفق سياسي.
النكبة لم تعد حدثاً من الماضي، بل واقع يتكرر بأشكال مختلفة، عبر التهجير والاستيطان، بما يحوّل الفلسطينيين إلى "سكان فائضين" بلا حقوق وطنية. اليمين الصهيوني يعلن أهدافه بوضوح: ضم الضفة الغربية المحتلة وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس المحتلة وتقويض السلطة الفلسطينية والتطهير العرقي، إلى جانب إنهاء أي حديث عن "حل الدولتين" الذي يفرغ من مضمونه. في لحظة فلسطينية هي الأخطر منذ عقود، تواجه الحركة الوطنية، وخصوصاً حركة فتح مع مؤتمرها العام (بدأ أمس الخميس ويستمر حتى غد السبت) وبقية الفصائل، امتحاناً وجودياً يتجاوز الأزمات التنظيمية إلى أزمة المشروع الوطني نفسه. فمرحلة الرهان على المفاوضات تتداعى بالكامل، فيما يعلن الاحتلال صراحة رفض أي تسوية سياسية. وبعد عقود من التفاوض، ما تبقى هو سلطة بلا سيادة وواقع فلسطيني ممزق، في ظل انحدار عربي رسمي متواصل.
ومع اندفاع الاحتلال نحو مزيد من التطرف القومي والديني، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام ضرورة إعادة تعريف مشروعهم الوطني: هل لا يزال خيار "حل الدولتين" ممكناً، أم أن الصراع يتجه نحو معركة طويلة الأمد في إطار حل "الدولة الواحدة" وتفكيك نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني؟ وكيف يمكن لحركة تحرر أن تستعيد معناها ودورها، وهي غارقة في الانقسام والتآكل وفقدان الثقة الشعبية؟ النكبة الـ78 ليست مناسبة لاستحضار المأساة فقط، بل لحظة مواجهة قاسية مع الحقيقة. فالصهيونية الحاكمة تتوجه نحو حسم الصراع من طرف واحد، عبر تحويل الفلسطينيين من شعب يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير، إلى مجرد أزمة إنسانية تُدار من قبلها أمنياً واقتصادياً. وهنا يكمن الخطر الأكبر: تفريغ القضية من مضمونها السياسي الوطني، وتحويلها إلى ملف إغاثي-إنساني. كما أن النكبة، في امتدادها العربي، تقدم درساً بالغ القسوة للبنان وسورية وسواهما، في مواجهة وهم أن الصهيونية يمكن تطبيعها أو احتواؤها أو تحويلها إلى "جار طبيعي". لذلك، فإن العبء اليوم لا يقع على الفلسطينيين وحدهم، بل أيضاً على أمتهم، وعلى عالم يواصل الحديث عن السلام، فيما تُدفن أسسه السياسية والقانونية أمام أعينهم يوماً بعد يوم.

أخبار ذات صلة.
برامج المنوعات العربية... بما هو موجود
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة
دورة روما: ميدفيديف يلحق بسينر في قبل نهائي
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة