نجاة علي ومنشورات المتوسط.. أسئلة النشر العربية المعلّقة
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
في الوقت الذي تتبنى دور النشر العالمية استراتيجية "الاستثمار في الكاتب" عبر منظومة واضحة، تبدأ بعقود ودفعات مالية مسبقة، وتمتد إلى حملات ترويجية تُحيط بالعمل قبل صدوره وبعده، تبدو تجربة النشر العربية في معظمها خارج أي نظام، إذ يتخبط الكاتب العربي داخل دوامة من الانتظار، تبدأ بتأخر إجازة المخطوط، مروراً بتعثر مواعيد الطباعة، وصولاً إلى معضلة التوزيع والترويج للكتاب. وفي ظل غياب الشفافية المادية، خصوصاً مع اعتماد كثير من دور النشر المستقلة منح الكاتب نسبة من المبيعات بدلاً من مقابل مالي محدد، تتحول العلاقة تدريجياً من "شراكة إبداعية" إلى مساحة للتوتر والنزاع، لا تتوقف عند الجوانب المادية وحدها، بل تمتد إلى الثقافة المهنية ذاتها؛ حيث يُنظر أحياناً إلى تذمر الكاتب من غياب خطة واضحة للتسويق أو المتابعة بوصفه نوعاً من المبالغة أو سوء فهم لطبيعة عمل الناشر، في وقت تتسع فيه القناعة بأن دور الناشر (بالنسبة للبعض) يقتصر على طباعة الكتاب وإتاحته في السوق، بينما يتحمل الكاتب بنفسه عبء الترويج والظهور وصناعة جمهوره. غير أن الأزمة الأخيرة بين الشاعرة المصرية نجاة علي ومنشورات المتوسط في ميلانو، بلورت هذه الإشكاليات على نحو يصعب تجاهله، بعدما تحولت من خلافٍ على بنود عقد إلى نقاش أوسع حول حقوق الكاتب، وحدود المسؤولية، وطبيعة العلاقة التي تحكم صناعة النشر في العالم العربي. حكايات عن إساءة الفهم بدأت الحكاية حين كشفت الشاعرة نجاة علي على صفحتها في فيسبوك عن مأزق تمر به في علاقتها مع منشورات المتوسط تعود جذوره إلى عام 2019، تزامناً مع نشر كتابها "الطريق إلى التحرير"، الذي يستعيد تجربة ثورة يناير في مصر كونها واحدة ممن افترشن الميدان في تلك الفترة العصيبة. لذلك تمزج نجاة بين اليوميات والتحليل الثقافي، متتبعةً التحولات النفسية والاجتماعية التي خبرناها بأنفسنا خلال سنوات الحلم والانكسار بعيني الشاعرة. بحسب روايتها، بدأ التعاون مع الدار عبر مراسلات إلكترونية، على أن يُبرم عقد النشر رسمياً خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب في العام نفسه. غير أن ذلك لم يحدث؛ إذ غادر الناشر القاهرة قبل موعد حفل توقيع كتابها، تاركاً لها نسختين فقط. من هنا، دخلت العلاقة في منطقة رمادية استمرت لسنوات، في غياب عقد مكتوب ينظم حقوق الطرفين وحدود التزاماتهما. ما المعرفة التي يملكها الكاتب العربي عن رحلة كتابه داخل السوق؟ خلال السنوات التالية، تداركت الشاعرة تساهلها ظناً منها بأن هذه الحقوق بديهية، وأن دار النشر هي من ستبادر بوضع الأمور في نصابها، لكن هذا لم يحدث قط، بل على العكس، بدأ الناشر في تجاهل رسائلها ومطالبتها بإبرام العقد والحصول على مستحقاتها ونسخ إضافية من الكتاب، فلجأت إلى وسطاء وأصدقاء مشتركين في محاولة لتسوية الخلاف بصورة ودية. وبحسب ما نشرته، انتهت هذه المحاولات بالحصول على جزء من مستحقاتها، بلغ نحو 240 دولاراً، بعد سنوات من صدور الكتاب، وسط ما وصفته بـ"المماطلة" وغياب التواصل الواضح. تفاقم النزاع لاحقاً مع تضارب الروايات حول حجم المبيعات وحقوق استغلال الكتاب؛ فبينما أكدت الدار أن العمل لم يحقق المبيعات المرجوة، ظل الكتاب حاضراً في المعارض ومنصات القراءة الرقمية. وبلغت الأزمة ذروتها حين أُبلغ أحد الباحثين بنفاد الكتاب تماماً، قبل أن تظهر لاحقاً نسخ منه في أحد المعارض العربية، في مفارقة أعادت طرح أسئلة معلقة حول حدود المعرفة التي يملكها المؤلف عن رحلة كتابه داخل السوق؟ دفاع مصكوك بالإدانة على الفور، ردت "المتوسط" ببيان اعتبره العديد من الكتّاب "إدانة كاملة" بدلاً من كونه نفياً للتهم؛ إذ أقرَّ صراحةً بغياب عقدٍ موقّع، مبرراً ذلك بالاعتماد على "التفاهمات الشفهية"، وهو اعترافٌ سلط الضوء مجدداً على العشوائية التي لا تزال تحكم جزءاً كبيراً من صناعة النشر العربية. وبينما أرجعت الدار تعثر التسوية إلى تداعيات جائحة كورونا، جاء خطابها مشوباً بالتناقض؛ حيث ركزت على تحمُّل تكاليف النشر الباهظة مقابل ضعف العوائد، وهي "المقولة" المعتادة التي يرددها الناشرون دائماً على مسامع الجميع. ولعل الأثر السلبي لهذا الخطاب يكمن في كونه يغرس شعوراً بالذنب في ضمير الكاتب، ويدفعه إلى الاعتقاد بأن إبداعه يفتقر للقيمة والجمهور، مما يحوّل فعل الكتابة من فعل تحرر إلى مصدر للمهانة. فهل يفسر ذلك عزوف كثير من المواهب الحقيقية عن النشر في الآونة الأخيرة؟ وبدا لافتاً في بيان "المتوسط"، التلويح بملاحقة الكاتبة والمتضامنين معها قانونياً بتهمة "التشهير"، وما زاد الطين بلة إعلانه إنهاء العلاقة من طرفه؛ إذ اكتفت الدار من عرض المنتج، بافتراض أنه حال وجود عقد فقد انتهى زمنه، في محاولة لفرض واقع جديد. من جهتها، أكدت نجاة علي في حديثها لـ"العربي الجديد"، بدء اتخاذ إجراءات قانونية لاستعادة كافة حقوقها المهدورة، فالقضية تجاوزت كونها خلافاً شخصياً، لتصبح معركة من أجل البقاء في عالم يطالب الكاتب بالإبداع، دون أن يوفر له قوت يومه في ظل غياب آليات المحاسبة العادلة. أما الناشر خالد سليمان الناصري، مؤسس وصاحب منشورات المتوسط، فأبدى ترحيباً مبدئياً بالرد منذ أيام، غير أن "العربي الجديد لم تتلقَّ جواباً حتى نشر هذه المتابعة. عربياً، يغيب الوكيل الأدبي الذي يتولى التفاوض بين المؤلف والناشر الوسطاء يمتنعون بينما تتجه صناعة النشر عالمياً نحو الرقمنة الشاملة، وتعدد منصات البيع العابرة للحدود، ووضع حقوق الملكية الفكرية ضمن مسارات دقيقة تشمل الترجمة والنشر الرقمي والحقوق السمعية والبصرية، إلى جانب تطوير استراتيجيات دعائية مبتكرة، لا يزال الكتاب العربي خارج الزمن. ولا يخفى أن صناعة النشر العالمية يحكمها وجود الوكيل الأدبي، بوصفه وسيطاً يتولى التفاوض على العقود، ومراجعة كشوف المبيعات، ومتابعة حقوق الترجمة والتوزيع، في سوق قادرة على توليد أرباح مستقرة من الكتب وحقوقها المتعددة. أما في السياق العربي، فيظل متوسط مبيعات الكتاب محدوداً، والعوائد المالية ضعيفة، وحقوق الترجمة والنشر الرقمي ما تزال في مراحل مرتبكة، وتبدو فكرة الوكيل الأدبي أقرب إلى طرفة. ونتيجة لغياب هذا الوسيط، يترك الكاتب وحيداً في مواجهة الناشرين، مضطراً إلى أداء أدوار متناقضة؛ فهو المبدع، والمفاوض، والمحاسب، وأحياناً المدافع عن حقه القانوني، وهي أدوار لا تنسجم مع تكوينه النفسي والإبداعي، وتخالف القواعد المهنية في هذا المجال. يتضح هذا الخلل أكثر إذا أمعنا النظر إلى الفارق الجوهري بين طبيعة الطرفين؛ فالكاتب، في الغالب، يعيش داخل مساحة شديدة الخصوصية، يقضي سنوات طويلة مستغرقاً بكليته في الكتابة، بينما يتحرك الناشر، بحكم موقعه، داخل ساحات السوق وحساباته. من هنا نشأت الفجوة بين شريكي الإبداع!

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية