عربي
يقدّم تقرير صادر عن 27 منظمةً من منظمات المجتمع المدني السوري قبل أيام قراءة لمسارات يمكن من خلالها فتح الطريق للمساءلة الجنائية على الجرائم التي ارتُكبت في سورية خلال العقود الماضية. تحمل الوثيقة عنوان "مسارات المساءلة الجنائية في سورية". وقام بالعمل عليها عدد من الباحثين بالتشاور والعمل مع 27 منظمةً من منظمات المجتمع المدني السوري، والتي تدعمها ووقّعت عليه، من أبرزها الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ومبادرة "تعافي". يحاول التقرير تقديم "خريطة طريق عملية لإنشاء آلية للعدالة الجنائية تتسم بالمصداقية والشمولية، وذلك ضمن الإطار الأوسع لعملية التعافي الوطني". ويضع التقرير العدالة الجنائية في إطارها الأوسع للعدالة الانتقالية. تسلط هذه المقابلة الخاصة مع أحمد حلمي، خبير ممارس في العدالة الانتقالية ومدير مبادرة "تعافي" السورية، الضوء على آليات المسألة الجنائية وتضعها في سياقاتها الأوسع سورياً ودولياً.
ما هي أهمية التقرير الصادر أخيراً عن 27 منظمة مدنية سورية تحت عنوان "مسارات المساءلة الجنائية في سورية"، وكانت مبادرة "تعافي" من الداعمين والمشاركين به؟
تعود أهميته إلى عدد من الأسباب، من بينها عدد المؤسسات المدنية السورية التي عملت عليه. وهي مؤسسات مجتمع مدني تمتلك سنوات من الخبرة المتعلقة بالعدالة الانتقالية والمحاسبة الجنائية، ومن بينها مؤسسات عملت على مرافعات وقضايا وملاحقة المجرمين في أوروبا قبل سقوط النظام (بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024)، وكذلك مؤسسات كانت تعمل على قضايا العدالة التكاملية إلى جانب العدالة الجنائية، مثل مشاركة الضحايا، وحفظ الحقيقة، وتخليد الذاكرة، وغيرها.
أما المستوى الإضافي فهو التوقيت، إذ هناك أخيراً حالة من التخبّط الشعبي، ويبدو أن السلطات السورية الانتقالية ستحاول إطلاق مسار للمحاكمات. ونعلم أن هذا المسار بدأ خلال الفترة الماضية عبر تحقيقات وما إلى ذلك، لكنه لم يسرِ بالشكل الأمثل أو المطلوب. كما يتناول التقرير قضية المحاسبة الجنائية أو الجزائية بوصفها جزءاً من مسار متكامل يهدف إلى تأسيس مستقبل البلد، مسار ينطلق من مبدأ أن العدالة تشمل المجرم والضحية، وأن المحاكمات ليست انتقامية، بل تمثل الانتقال الحقيقي من ثقافة الإفلات من العقاب في البلد إلى سيادة القانون.
من بين القضايا التي يطرحها التقرير، ترسيخُ آليةٍ للعدالة الجنائية بوصفها جزءاً من التعافي الوطني. وهناك تجارب مختلفة لشعوب مرّت بظروف مشابهة لما مرّت به سورية، مع اختلاف خصوصية كل حالة وسياقها. لكن، عموماً، فإن هذه المسارات تستغرق سنوات. كيف ترى ذلك؟ وما الذي نعنيه بالعدالة الجنائية أو التعافي الوطني؟
بالنسبة لي، أقول هذا على المستوى الشخصي، إذ سُجنت لمدة ثلاث سنوات (بين 2012 و2015)، وتعرّضت للتعذيب، كما أُطلقت النار على وجهي، إذا اعتُقل الشخص الذي كان مسؤولاً عن تعذيبي في السجون، أو رئيس الفرع الأمني الذي أعطى الأوامر، أو الشخص الذي أمر بإطلاق النار على التظاهرة في بداية الثورة، والتي أُصبت خلالها وخضعت بعد ذلك لخمس عمليات جراحية كي أتعافى، فإن هدفي ليس النتيجة بحد ذاتها؛ أي مجرد القبض على هذا الشخص، أو الحكم عليه بالمؤبد، أو وضعه في السجن، إلخ. بل إن هدفي هو المسار نفسه؛ أريد أن أرى كيف سيجري هذا المسار، وأن أرى هذا الشخص يخضع لمحاكمة عادلة، وهي المحاكمة التي لم أتمكن أنا من الحصول عليها عندما حوكمت. ليس لأنني أريد له محاكمة عادلة بدافع التعاطف معه، بل لأنني أريد أن أقول إن ما دفعناه من أثمان، من تعذيب وإخفاء قسري وجرائم حرب، يجب أن يؤسّس لضمانات عدم التكرار، وأن يساهم في بناء بلد يعيش فيه أولادنا ضمن حالة من الاستقرار، تقوم على العدالة، وفصل السلطات، ووجود قضاء نزيه ومستقل يمكن الاعتماد عليه.
هذا المسار مهم بالنسبة لي، وربما هو أهم من النتيجة نفسها. كيف ستُجرى التحقيقات مع هذا المجرم؟ وما يهمني أيضاً، في ظل عدم قدرة سورية حالياً على القيام بذلك بصورة منهجية، هو أن تتم محاسبته على الجريمة التي ارتكبها بحقي وبحق آلاف آخرين. بمعنى أنه إذا أُلقي القبض على هذا الشخص، وحوكم بتهمة القتل العمد، وصدر بحقه حكم بالإعدام أو السجن المؤبد، فإن ذلك لن يمنحني شعوراً كاملاً بالإنصاف، لأنه لم يُحاكم على الجريمة التي ارتكبها بحقي أنا شخصياً.
إن توصيف كل جريمة، واعترافه بها أثناء المحاكمة، هو جزء من الإنصاف، وهذه العملية تُبنى مرحلةً بعد أخرى، حتى لو استغرقت وقتاً طويلاً. وهذا الوقت الطويل ليس هو الإشكالية بحد ذاته بالنسبة للناس، بقدر ما أن المهم هو وجود شفافية ووضوح ومشاركة ومسار مستمر. شخصياً، لا مشكلة لديّ في أن يصدر الحكم بعد عشر سنوات، طالما أنني أرى أن المسار يتقدم، وأنني مشارك فيه، ولدي حق الوصول إلى المعلومات والاطلاع عليها.
ما أهمية أن تكون هذه المحاكمات علنية، وأن تُتاح للضحايا والناجين المشاركة فيها؟
هذا هو بالضبط الفرق بين مسارات المحاكمات الجنائية التقليدية، كجرائم السرقة أو القتل مثلاً، وبين محاكمات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فالجريمة الجنائية العادية تكون فردية وذات نطاق محدود. أما في جرائم الحرب، فلا يمكن، على سبيل المثال، حصر ضحايا عاطف نجيب (مسؤول في النظام السوري متهم بعمليات تعذيب واسعة النطاق ضد السوريين مع بداية الثورة). عملية المحاسبة هنا لا تقتصر على إصدار الأحكام، بل تؤسس أيضاً لثقافة جديدة ولانتقال فكري ومجتمعي. فالوعي الجمعي للمجتمع السوري تغيّر بين عامي 2011 و2025. صحيح أن مساحة الحريات اتسعت، وأن هناك تغيرات إيجابية في المجتمع، لكن في المقابل ترسّخت أيضاً ثقافة الإفلات من العقاب، ليس فقط على مستوى السلطة والإجراءات، بل على المستوى المجتمعي كذلك. وعلنية المحاكمات تُمكّن الناس من رؤية أن ما يجري هو حدث وطني عام، بحيث تسهم عملية المحاكمة نفسها في بناء هوية وطنية قائمة على العدالة والانتقال وسيادة القانون.
يتناول التقرير تجارب الانتقال والعدالة الجنائية/الجزائية في عدد من الدول، من دون أن يطرح نموذجاً واحداً بوصفه الحل الأمثل، بل يقترح مجموعة من الآليات المختلفة. لكن ما لفت انتباهي هو اقتراح إنشاء محاكم وطنية ذات طابع دولي. هل يمكن أن تشرح أهمية هذا الطرح؟
قد يبدو الجزء الأول من إجابتي غريباً، لكن جزءاً من أهمية هذا الطرح يرتبط أيضاً بالاستثمارات الدولية، ولعل هذا التركيز نابع من عملي خارج إطار التقرير على هذا الملف. فكون المحاكم ذات طابع دولي يتيح إدخال خبراء دوليين للمساهمة في عملها ومراقبتها، وهو ما يعزز ثقة الداخل والخارج على حد سواء. وبذلك نكون، نحن الدولة أو السلطة الانتقالية الجديدة، أو كما يسميها (الرئيس السوري) أحمد الشرع "الحالة السورية الجديدة"، قد قدّمنا مؤشراً على استقلالية القضاء، بمعنى أنه لا يوجد ما نخفيه. ومن العوامل التي يضعها المستثمرون في الاعتبار دائماً مسألة المخاطر، بما في ذلك مخاطر العدالة وعدم اليقين القانوني، وهو جانب لا يتناوله التقرير بشكل مباشر، لكنه يرتبط بالعمل الذي أقوم به بشكل منفصل وهذا برأيي الشخصي من الأسباب المهمة.
أما من منظور التقرير نفسه، فإن هذا النوع من المحاكم يمنح اعترافاً دولياً بالضحايا وبما تعرضوا له. قبل ثلاث سنوات، كانت هناك دعوى ضد النظام السوري، بوصفه دولة، أمام محكمة العدل الدولية تتعلق بانتهاك اتفاقية مناهضة التعذيب. وفي يوم انطلاق المحاكمة، كنا في وقفة أمام المحكمة في لاهاي، ونسقنا وقفات في نفس الوقت في سورية، وشعر الضحايا بنوع من الإنصاف، لأن هناك اعترافاً رسمياً بوجود التعذيب في سورية، وتم اتخاذ إجراءات احترازية. هذا الاعتراف الدولي يعزز الإحساس بالإنصاف والاعتراف لدى الضحايا، إضافة إلى فوائد أخرى تتعلق بنقل الخبرات، وبناء المؤسسات، وتسهيل ملاحقة المجرمين الذين فرّوا خارج البلاد.
من الخطير عدم إنصاف الضحايا، إذ قد يؤدي ذلك إلى انفجار لاحق إذا لم يحصل الضحايا اليوم على العدالة
ما أهمية أن تجرى هذه المحاكمات على الأراضي السورية؟
هذا يتعلق بقضية الملكية، أي ملكية الإجراءات والمحاكمة. وما يهمنا ليس فقط أن تكون الدولة متربعة على عرش المحكمة، بل أن يكون الضحايا في قلب هذا المسار. فمن الخطير عدم إنصاف الضحايا، إذ قد يؤدي ذلك إلى انفجار لاحق إذا لم يحصل الضحايا اليوم على العدالة. الضحايا في سورية يشكّلون ربما أكثر من ستين بالمئة من الشعب، لذلك من المهم أن يكون هناك شعور بالملكية. اليوم، في سورية، لا توجد هوية وطنية راسخة ولا انتماء وطنياً واضحاً، وأعتقد أن مسار عدالة انتقالية شاملاً، حقيقياً، شفافاً، ومشاركاً، ومن ضمنه مسار محاكمات وفق المعايير نفسها، يمكن أن يؤسس لهوية وطنية سورية تتمحور حول الانتقال والعدالة.
هل هناك مثال من تجارب الدول يمكن العمل على ما يشبهه في سورية؟
لا أحد يمكنه القول إن هناك نموذجاً واحداً قريباً من سورية، ولكن يمكننا القول إن هناك عناصر متشابهة يمكن الاستفادة منها. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، قضية البحث عن المختفين قسراً والمفقودين في كولومبيا، فإن ذلك قد يقدّم بعض العناصر المفيدة. وكذلك المحاكم الشعبية والاعترافات العامة في رواندا، يمكن أن يُستفاد من بعض أوجهها في السياق السوري.
ما هي الخطوات المقبلة التي تتمنون أن تتحقق مع صدور التقرير، وما هي أبرز التحديات؟
نتمنى أن تنظر السلطة السورية إلى التقرير بعينٍ مرحِّبة، وأن تتبنّى توصياته، لأنه تقرير وطني صادر عن منظمات سورية ذات تاريخ عريق في مجال حقوق الإنسان، وعن روابط الضحايا. هو تقرير وطني بالأساس. وعلى الرغم من طابعه التقني، نتمنى أن يصل أيضاً إلى الجمهور بشكل أوسع، بحيث يفهم الناس التحديات التي تواجهها السلطات، وفي الوقت نفسه يتعرّفون إلى حقوقهم، وما الذي يجب أن يُؤسَّس للمضي قدماً. ونقطة أخيرة، رأينا أن الدولة تمكنت في بعض الملفات من وضع الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة، وهناك انفتاح على إشراك المجتمع المدني والاستفادة من الخبرات، ونأمل أن يُطبَّق الأمر نفسه على ملف المحاسبة وفق المعايير نفسها.
إذا شعر الناس أن العدالة منحازة، وأن هناك من يُغضّ الطرف عن مجرم ارتكب جرائم مشابهة من دون محاسبته، فإن ذلك سيؤدي إلى فقدان الثقة باستقلالية القضاء
أما بالنسبة للتحديات، هناك بعض المجرمين الذين ما زالوا في السلطة. فإذا شعر الناس أن العدالة منحازة، وأن هناك من يُغضّ الطرف عن مجرم ارتكب جرائم مشابهة من دون محاسبته، فإن ذلك سيؤدي إلى فقدان الثقة باستقلالية القضاء. وهناك تحدٍّ آخر يتمثل في نقص الخبرات، والإرادة السياسية، والبنية القانونية والتحتية، إضافة إلى أوضاع مراكز الاحتجاز والإجراءات. كما أن هناك تحدياً مرتبطاً بغياب ثقافة العدالة وسيادة القانون، وهي أمور تحتاج إلى عمل طويل لتعزيزها وترسيخها.
هل هناك دور ممكن أن تؤديه دول المنطقة؟
تأسيس العدالة في سورية هو الركيزة الأساسية الوحيدة لاستقرارها. فنحن خرجنا من 15 عاماً من النزاع و35 عاماً من الدكتاتورية. وهناك رغبة لدى الدول العربية في أن تشهد سورية استقراراً. ويبدو أن هناك توجهاً سياسياً جديداً في المنطقة يقوم على تعزيز الاستقرار، بما يسمح بإعادة تحريك عجلة الاقتصادات التي تتأثر بدول الجوار. تعزيز العدالة في سورية هو المؤسس الحقيقي للاستقرار، فبدون سلطة قانون، ونزاهة قضاء، وعدالة، ستكون سورية قنبلة موقوتة في المنطقة بأكملها، ومن مصلحة الجميع الاستثمار في هذا الملف.

أخبار ذات صلة.
واشنطن ورهان الطاقة الليبي
العربي الجديد
منذ ساعة