عربي
خلطت الحرب على إيران كل الأوراق المبعثرة أصلاً، وحولت المستحيل إلى متاح، والأصوات الصارخة إلى ناعمة ورشيقة، والأعداء إلى أصحاب مصالح، وتبدّل المزاج الدولي مع ضخامة الأزمات وتشعبها، وخفت معارك دونالد ترامب الاقتصادية خاصة المتعلقة بحروب الرسوم والمعادن النادرة وقناة بنما والنفط الفنزويلي مقابل تصعيد حروبه العسكرية. ولا شيء ثابتاً في هذا العالم الذي يتغير ويتحرك بسرعة مدفوعاً بمخاطر جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة، وسياسة أميركية مرتبكة، وقارة أوروبية عاجزة، واقتصاد دولي تعرض لنزيف مستمر منذ العام 2020.
ففي الوقت الذي كان فيه القادة الأوربيون يملأون الدنيا صراخاً مطالبين بوقف استيراد مشتقات الطاقة الروسية عقاباً على غزو روسيا أوكرانيا، ويهددون منذ أربع سنوات بقطع واردات النفط والغاز الروسي وفرض عقوبات قاسية بحق الاقتصاد الروسي وتجفيف مصادر تمويله، نجد أن أحدث الأرقام تفضح زيف الادعاءات، حيث تكشف عن استمرار اعتماد القارة على الغاز الروسي، وارتفاع واردات أوروبا من الغاز الروسي المسال لأعلى مستوى منذ 2022، بل واستمرار اعتماد القارة العجوز على تلك الإمدادات رغم الحديث المكثف عن وقفها وفرض عقوبات قاسية بشأنها. وبحسب الأرقام، زادت الواردات 16% في الربع الأول من 2026، و17% في إبريل/ نيسان.
والملفت أن هذه الزيادة جاءت رغم الحديث الأوروبي المكثف في السنوات الماضية عن اعتماد دول القارة على الولايات المتحدة لتأمين 80% من إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال، على أن يتم الحصول على النسبة الباقية من مناشئ أخرى، منها قطر والجزائر وليبيا وأستراليا.
وفي العام الماضي وصلت الخلافات بين الولايات المتحدة والصين إلى ذروتها، حيث اندلعت أسوأ حرب اقتصادية وتجارية عرفها التاريخ الحديث، وفرض ترامب رسوما جمركية وصلت إلى 125% على الواردات الصينية من 34%، وهدد بكين بإجراءات عقابية غير مسبوقة، بل وأعلن أنه لن يلتقي بنظيره الصيني شي جين بينغ، إلا أن ترامب يذهب اليوم إلى الصين فاقداً أسلحة عدة، ومنها سلاحه الرئيسي المتمثل بالرسوم، بعدما أبطلتها المحاكم الأميركية.
في الوقت الذي كان فيه ترامب يتصور أن الحرب على إيران مجرد نزهة يمكن أن تتم خلال عطلة الأسبوع وقبل فتح الأسواق أبوابها، إذا بتلك الحرب تمثل نزيفا للاقتصاد الأميركي بعدما تجاوزت تكاليفها 29 مليار دولار
وبعد أن كان العالم يتحدث عن تهاوي سعر الدولار وفقدانه نحو 10% من قيمته منذ أن تولي ترامب منصبه، وأن العملة الأميركية باتت مهددة وتفقد حصتها ضمن سلة احتياطيات البنوك المركزية، أعطتها الحرب على إيران قبلة حياة، حيث رفعت درجة المخاطر والإقبال على السندات الأميركية بسبب صدمة أسعار الطاقة.
وفي الوقت الذي كان فيه العالم يستعد لخفض أسعار الفائدة، قلبت الحرب على إيران الطاولة على الجميع مسببة موجة تضخمية جديدة تهدد الاقتصادات الكبرى، وبات قرار زيادة الفائدة من البنوك المركزية مؤجلا حتى نهاية العام وربما للعام المقبل في حال استمرار تداعيات الحرب وتعقد سلاسل الإمداد والممرات المائية ومنها مضيق هرمز.
وفي الوقت الذي كان فيه ترامب يتصور أن الحرب على إيران مجرد نزهة يمكن أن تتم خلال عطلة الأسبوع وقبل فتح الأسواق أبوابها، إذا بتلك الحرب تمثل نزيفا للاقتصاد الأميركي بعدما تجاوزت تكاليفها 29 مليار دولار، ورفعت مستوى التضخم إلى 3.8%، والأسعار لمستويات لم تصل إليها منذ سنوات، وأربكت القطاع الإنتاجي وأنشطة التجارة والزراعة والبناء والتشييد.
حتى تركيا التي كانت تعتمد على النفط والغاز القادم من روسيا وإيران والعراق ومنطقة الخليج، ولّت وجهها نحو واشنطن، حيث تصل غدا الجمعة إلى تركيا أول شحنة نفط أميركية، ضمن تحركات تقودها إدارة ترامب لزيادة المعروض النفطي العالمي وضخ 172 مليون برميل من احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي لكبح الأسعار المرتفعة بفعل التوترات في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز.

أخبار ذات صلة.
«فيفا» يعلن إيقاف قيد الزمالك للمرة الـ17
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة
رواشين جدة تزين الهوية البصرية لـ«خليجي 27»
الشرق الأوسط
منذ 22 دقيقة