عربي
في وقت ما زال الباحثون فيه يحاولون فهم كوفيد طويل الأمد؛ أحد تداعيات فيروس كورونا الجديد (سارس-كوف-2) الذي أرّق العالم وخلّف فيه أهوالاً على أكثر من صعيد، ظهر أخيراً فيروس هانتا، ليُثير مخاوف مشروعة. وتشير الخبيرة الفرنسية في علم الفيروسات آن غوفار، في هذا الإطار، إلى أنّ "توغّلنا (البشر) المستمرّ في موائل الحيوانات البرية يجعلنا نتعرّض للفيروسات المنتشرة فيها". ويُطرَح السؤال: "هل نحن عشيّة جائحة مستجدّة؟".
تبدو إجابات خبراء منظمة الصحة العالمية مطمئنةً في هذا الإطار، وقد استبعد مديرها العام، كما خبراؤها المتخصّصون في حالات الطوارئ الصحية، حتى كتابة هذا التقرير، فرضيّة وباء أو جائحة محتملَين. وفي آخر ما صرّح به المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم الثلاثاء، بعد الانتهاء من عملية إجلاء ركاب سفينة "إم في هونديوس" الهولندية التي رُصد على متنها فيروس هانتا أخيراً، أفاد بأنّ لا مؤشرات إلى تفشٍّ أوسع للفيروس "في الوقت الراهن"، غير أنّه لم يستبعد ظهور حالات إضافية في الأسابيع المقبلة، ولا سيّما على خلفية مدّة حضانة فيروس هانتا الطويلة.
وبالتالي، شدّد غيبريسوس، في مؤتمر صحافي عقده في العاصمة الإسبانية مدريد إلى جانب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الذي نجحت إدارته في إتمام عملية إجلاء نحو 150 مواطناً يحملون جنسيات 23 دولة من جزيرة تينيريفي؛ كبرى جزر الكناري في المحيط الأطلسي، على أنّ "الوضع قد يتغيّر بالتأكيد" وأنّ "عملنا لم ينتهِ بعد"، في إشارة إلى السلطات الصحية على مستوى العالم ككلّ.
LIVE from Madrid: My media briefing on #hantavirus response with Prime Minister @sanchezcastejon https://t.co/p0NP1Izdt3
— Tedros Adhanom Ghebreyesus (@DrTedros) May 12, 2026
وأمل المسؤول الأممي أن تلتزم الدول بنصائحه وتوصياته في شأن فيروس هانتا المرصود أخيراً، كأنّ في ذلك تلميحاً خاصاً إلى السلطات الصحية التابعة إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي خالفت التدابير المتّفق عليها في استقبال مواطنيها الذين كانوا على متن السفينة السياحية الهولندية.
في هذا الإطار، كتبت صحيفة لومانيتيه الفرنسية، اليوم الثلاثاء، أنّ على الرغم التخفيضات الحادة في ميزانيتها، تولّت منظمة الصحة العالمية تنسيق إدارة الوضع الصحي المرتبط بفيروس هانتا ونقل ركاب "إم في هونديوس" إلى بلدانهم الأصلية البالغ عددها 23 بلداً، في حين أنّ الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الوحيدة التي حادت عن التوجيهات، تماشياً مع حملتها ضدّ التعددية. يُذكر أنّ 17 مواطناً أميركياً ومواطناً إضافياً يحمل الجنسيتَين البريطانية والأميركية وصلوا أمس إلى الولايات المتحدة، وقد ثبتت إصابة أحدهم بفيروس هانتا المرصود.
وإذ سألت "لومانيتيه": "ما الذي تخطّط له إدارة ترامب؟" أضافت أنّ الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي ترفض تطبيق توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن إدارة حالات فيروس هانتا، وتعيد تقويض مصداقيتها أمام العالم. ولفتت الصحيفة الفرنسية إلى أنّ القائم بأعمال مدير المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (سي دي سي) جيي باتاشاريا قد فشل في استيعاب دروس جائحة كورونا.
We live in a time when it is easy to close doors, to turn inward, to let fear harden into hostility.
Tenerife and #Spain chose differently. You have written something into the record of how humanity responds to a crisis, and the @WHO will carry that record forward.
Muchas… pic.twitter.com/9vI3R5Sbc4
— Tedros Adhanom Ghebreyesus (@DrTedros) May 12, 2026
الأمل بالأفضل والاستعداد للأسوأ
وبالعودة إلى السؤال "هل نحن أمام تهديد بجائحة مستجدة؟"، شدّد المتخصّص الفرنسي في علم الأوبئة لدى "معهد باستور" البروفسور أرنو فونتانيه على ضرورة تحديد جميع المخالطين، في هذه المرحلة، لأنّ هؤلاء سوف يطوّرون المرض المرتبط بفيروس هانتا في الأسابيع المقبلة، في حال كانوا قد التقطوا العدوى ليتحوّلوا بدورهم إلى مصدر لها. وفي حديث أخير نقلته عنه صحيفة لو باريزيان الفرنسية، اليوم الثلاثاء، كرّر فونتانيه ما سبق أن صرّح به في الأيام الأخيرة: "علينا أن نستعدّ للأسوأ ونأمل بالأفضل". وفي حين أنّ المقصود بالأفضل هو انتفاء احتمالات العدوى بفيروس هانتا في خلال أسابيع قليلة، فإنّ الأسوأ يتوقّف على كيفيّة إدارة الوضع الحالي تفادياً لتشكّل أزمة صحية شبيهة بأزمة كورونا الوبائية.
ومع العلم أنّ فيروس هانتا يختلف عن فيروس كورونا الجديد، لجهة أنّ عدواه لطالما كانت نادرة، ولجهة أن طرق الإصابة به أكثر تعقيداً من طرق الإصابة بكورونا، غير أنّ وفياته تُعَدّ مرتفعة، وفقاً للمعطيات المتوفّرة حتى الآن، بمعدّل نسبة 50%. وكانت الحكومة الفرنسية قد وجّهت بإلزام جميع من خالط مصاباً بفيرس هانتا بالحجر الصحي، علماً أنّها طالبت بأن يكون ذلك في المستشفى وليس في المنزل وفقاً لتوجيهات الأولى. يُذكر أنّ ثمّة 22 مواطناً فرنسياً مخالطاً، حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، إلى جانب المواطنين الخمسة الذين أُجلوا من السفينة السياحية.
10 al 11 de mayo de 2026.
Gracias a los más de 400 servidores públicos que habéis hecho posible que España estuviera a la altura cuando todo el mundo miraba. pic.twitter.com/Xp3ANCnDjg
— Mónica García (@Monica_Garcia_G) May 12, 2026
أنديز من فيروسات هانتا
في سياق متصل، أوضحت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارثيا، في تصريحات أخيرة من على ميناء غراناديّا دي أبونا جنوبي جزيرة تينيريفي، حيث رست السفينة السياحية "إم في هونديوس" وأُجلي ركّابها، أنّ التحليلات الجينية الأولية لفيروس هانتا المرصود على متن السفينة أتت مطابقة لسلالة "أنديز" المعروفة مسبقاً، واستبعدت وجود طفرات مستجدّة. وأشارت غارثيا، التي عملت جنباً إلى جنب مع المدير العام لمنظمة الصحة العالمية وآخرين في إطار خليّة أزمة شُكّلت في تينيريفي لمتابعة وصول السفينة إجلاء ركابها بأمان وسلامة، أنّ التحقيقات التي يجرونها تهدف إلى اكتشاف كيفية حصول العدوى وتعزيز المتابعة الوبائية.
من جهتها، شرحت الخبيرة الفرنسية في علم الفيروسات آن غوفار، لصحيفة لومانيتيه، أنّ من المهمّ التذكير اليوم بأنّ ثمّة خمسين فيروساً مختلفاً تقريباً من فيروسات هانتا حيوانية المنشأ، التي تحملها في الأساس القوارض البرية، والتي يرتبط كلّ واحد منها في العادة بنوع محدّد من القوارض.
المريض صفر
إلى جانب ذلك، تستمرّ التحقيقات، من قبل أكثر من جهة، لتحديد من هو "المصاب صفر" بفيروس هانتا الذي نقل العدوى إلى السفينة السياحية، وذلك من أجل تفسير كيفية الانتشار الذي حصل وبؤرة الفيروس. وحتى الآن، تشير الترجيحات إلى عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرود الذي توفي في 11 إبريل/ نيسان الماضي على متن السفينة بعد خمسة أيام فقط من ظهور الأعراض عليه، في حين أنّ موقع التقاطه العدوى لم يُعرَف بعد.
وفي انتظار تأكيد منظمة الصحة العالمية هذه الفرضيّة، تفيد المعطيات المتوفّرة بأنّ ليو شيلبيرود، البالغ من العمر 70 عاماً، كان أوّل ركاب "إم في هونديوس" الذين ظهرت عليهم أعراض العدوى النادرة، ولا سيّما الحمّى والصداع وآلام في البطن، وكذلك كان أوّل حالة وفاة مرتبطة بفيروس هانتا تُسجَّل. أمّا حالة الوفاة الثانية، فتعود إلى زوجته ميريام شيلبيرود-هويسمان، البالغة من العمر 69 عاماً، التي توفيت بعده بـ15 يوماً، في 26 إبريل الماضي، بالعدوى نفسها في مستشفى بجنوب أفريقيا، علماً أنّها نُقلت من السفينة عقب ظهور أعراض لديها.
وكان الزوجان المتقاعدان، وهما من قرية هاوليرويك في شمال هولندا، قد التحقا بسفينة "إم في هونديوس" في أوشوايا بالأرجنتين، مع العلم أنّهما كانا قد انطلقا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 في رحلة بحرية تمتدّ خمسة أشهر لاكتشاف طيور أميركا الجنوبية، وفقاً لما نقلته صحيفة نيويورك بوست الأميركية، وقد كانت لهما محطات في أوروغواي وتشيلي والأرجنتين.
