تركيا بالوعي العربي: بين إرث العثمانيين والحداثة
عربي
منذ 51 دقيقة
مشاركة
بين صفحات التاريخ العتيق وناطحات السحاب الحديثة، تتجلى تركيا كحالة وجدانية استثنائية ونقطة ساحرة يلتقي فيها حنين العرب لإرث عثماني لا يزال ينبض في عمارة مدنهم وتفاصيل حياتهم مع انبهارهم بنموذج نهضوي معاصر طوع الحداثة والتكنولوجيا دون أن يتخلى عن هويته. فتركيا في المخيال العربي ليست مجرد دولة مجاورة جغرافياً تتقاطع مصالحها مع العالم العربي ولا مجرد فاعل سياسي في الإقليم بل هي حضور رمزي مركب يتجاوز حدود السياسة إلى عمق الذاكرة التاريخية والوجدان الثقافي، والتصورات الجمعية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل والتجاور والتداخل الحضاري. ففي الذهنية العربية تبدو تركيا ككيان تتقاطع فيه صورتان: صورة الإمبراطورية التي حملت راية العالم الإسلامي لقرون وصورة الدولة الحديثة التي استطاعت خلال العقود الأخيرة أن تقدم نفسها دولةً نموذجية في البناء والتنمية والاستقلالية السياسية. إن فهم مكانة تركيا في الذهنية العربية يقتضي العودة إلى التاريخ باعتباره سردية للماضي وبنية حية لا تزال آثارها المادية والرمزية ماثلة في الجغرافيا العربية. لقد تركت الدولة العثمانية خلال قرون امتدادها بصمات عمرانية وإدارية وثقافية عميقة في عدد واسع من البلدان العربية، من بلاد الشام إلى الحجاز واليمن وشمال أفريقيا. ولا تزال المدن العربية تحتفظ بمعالم معمارية عثمانية واضحة، من القلاع والحصون والخانات والأسواق والمساجد والحمامات التركية المشهورة إلى شبكات الطرق ومراكز الإدارة التي شكلت في زمنها نواة لبنى حضرية حديثة، حتى الكلمات العثمانية التي لا تزال حاضرة في الحديث اليومي في بعض المجتمعات العربية. وفي اليمن تحديداً لا يزال الإرث العثماني حاضراً بوصفه شاهداً على مرحلة تاريخية ممتدة تركت أثرها في العمران واللغة والذاكرة الاجتماعية. ففي مدن يمنية عدة ولا سيما في المرتفعات الغربية وبعض المراكز الحضرية القديمة، لا تزال مبانٍ وثكنات ومعالم إدارية وعسكرية ذات طابع عثماني قائمة إلى اليوم، كما أن التداخل البشري والثقافي الذي نشأ خلال تلك الحقبة أوجد امتدادات اجتماعية لا تزال آثارها قائمة، سواء في أسماء بعض المناطق والقرى ذات الدلالة التركية، أو في بقاء أسر ذات جذور تركية اندمجت في النسيج اليمني عبر الأجيال، لتصبح جزءاً من تركيبته الاجتماعية والثقافية. وكذلك في منطقة الحجاز في المملكة العربية السعودية، لا تزال آثار العمارة العثمانية في بعض المدن التاريخية، إضافة إلى حضور الذاكرة العثمانية في الثقافة المحلية، تشهد على عمق ذلك التداخل التاريخي. غير أن صورة تركيا في الذهنية العربية لا تتأسس فقط على الذاكرة التاريخية بل أيضاً على ما تمثله اليوم من نموذج تنموي وسياسي وحضاري في وعي كثير من العرب. ففي زمن تعثرت فيه مشاريع النهضة والبناء في عدد من البلدان العربية نتيجة للصراعات والاضطرابات السياسية برزت تركيا في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العربي بوصفها نموذجاً لدولة مسلمة استطاعت أن تحقق قدراً ملحوظاً من التقدم الصناعي، والنهوض بالبنية التحتية، وتطوير شبكات النقل، وتوسيع التعليم، وتعزيز الصناعات الدفاعية التي قفزت بشكل لافت خلال العقود الأخيرة، وصياغة حضور إقليمي مستقل نسبياً. هذه الصورة عززت لدى كثير من العرب والمسلمين ككل شعوراً بالفخر، لا باعتبار تركيا دولة قومية تركية فحسب، بل باعتبارها في الوعي الشعبي تجسيداً لإمكان نهوض دولة ذات خلفية إسلامية دون أن تتخلى عن طموحها الحضاري أو حضورها الدولي. صورة تركيا في الذهنية العربية لا تتأسس فقط على الذاكرة التاريخية بل أيضاً على ما تمثله اليوم من نموذج تنموي وسياسي وحضاري في وعي كثير من العرب ومن هنا يمكن فهم الشعبية الواسعة التي تحظى بها تركيا في المجتمعات العربية، ليس فقط على مستوى السياسة بل على مستوى الحياة اليومية والثقافة الشعبية. فقد أصبحت الدراما التركية، ممثلة في كثير من المسلسلات التركية المدبلجة أو المترجمة، جزءاً من الطقوس اليومية في عدد كبير من البيوت العربية بما تحمله من صور للحياة المدنية والعلاقات الاجتماعية، والجمال العمراني، وأنماط الاستهلاك، والهوية الثقافية المركبة بين الأصالة والمعاصرة. وقد ساهمت هذه الأعمال في إعادة تشكيل صورة تركيا في الوجدان العربي، ليس فقط كدولة، بل كأسلوب حياة مرغوب، وفضاء ثقافي قريب وجدانياً. وامتد هذا التأثير إلى المجال الاقتصادي والاستهلاكي، حيث يلاحظ في أسواق عربية كثيرة ميل واضح لدى قطاعات من المستهلكين إلى تفضيل المنتجات التركية، سواء في الملابس أو الأثاث أو المواد الغذائية أو الصناعات المنزلية، لما ارتبط بها من تصورات حول الجودة والموثوقية والقرب الثقافي. وفي بعض السياقات، لم يعد الإقبال على المنتج التركي مجرد قرار استهلاكي محكوم بالسعر والجودة، بل أصبح لدى بعض الفئات تعبيراً رمزياً عن انتماء وجداني أو نوعاً من الاصطفاف الثقافي، أو إعجاباً بنموذج يرونه أقرب إلى هويتهم وأكثر نجاحاً من نماذج محلية أو إقليمية أخرى. وهنا لا نتحدث عن ولاء بالمعنى السياسي المباشر بقدر ما نتحدث عن رأسمال رمزي راكمته تركيا في المخيال العربي عبر التاريخ والسياسة والثقافة والقوة الناعمة. النظرة العربية إلى تركيا ليست أحادية أو مطلقة فهي تتأرجح بين الإعجاب والنقد، وبين استدعاء المجد العثماني بوصفه رمزاً لوحدة إسلامية مفقودة والنظر الواقعي إلى دولة قومية تتحرك وفق مصالحها ومع ذلك فإن النظرة العربية إلى تركيا ليست أحادية أو مطلقة فهي تتأرجح بين الإعجاب والنقد، وبين استدعاء المجد العثماني بوصفه رمزاً لوحدة إسلامية مفقودة والنظر الواقعي إلى دولة قومية تتحرك وفق مصالحها الوطنية أولاً حسب رأي البعض، لكن الثابت أن تركيا استطاعت أن تحتل مكانة استثنائية في الذهنية العربية، مكانة لا تفسرها السياسة وحدها بل يفسرها تداخل التاريخ والثقافة مع الوجدان، والهوية مع المصلحة، والذاكرة مع الصورة الحديثة. لقد أصبحت تركيا، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العرب، رمزاً لإمكان النهوض، وصورة لحداثة لا تبدو غريبة عن الهوية الإسلامية، وجسراً بين ماض مشترك وحاضر تتطلع إليه شعوب تبحث عن نموذج يبعث فيها الأمل من جديد بعدما عاشت فصولاً من الصراعات والفوضى.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية