أنا وقحطان.. وحوار لم يكتمل بعد - نبيل البُكيري
حزبي
منذ 3 ساعات
مشاركة

في إحدى ليالي صيف ٢٠٠٩م، كنت على موعد مع الأستاذ محمد قحطان، فذهبت إليه مساءً إلى منزله. قضينا ساعات طويلة في حوار عميق ونقاش ممتد حول السيرة والجذور والبذور والثمار  والأفكار. كان من المفترض أن يتحول هذا الحوار إلى كتاب يصدر عن موقع «إسلام أون لاين» الشهير آنذاك، ضمن برنامج رتّبه الصديق العزيز الراحل حسام تمام رحمه الله.

 

كان البرنامج يعتمد على إجراء حوارات مكثفة مع الشخصيات البارزة فكرياً وثقافياً وسياسياً في الساحة العربية، ثم نشر الحوار تفاعلياً على الموقع ليُثرى بالتعليقات والأسئلة من القراء والمهتمين، وبعد ذلك يُعاد نشره في حلقة مستدركة تأخذ بعين الاعتبار الملاحظات والأسئلة الواردة، ليُجمع في النهاية في كتاب خاص بالضيف.

 

ذهبت ذلك المساء برفقة العزيز فائد دحان ، الذي كان حديث عهد بالتخرج والصحافة، فأوكلت إليه مهمة التصوير والتسجيل، وكان المسجل آنذاك من أهم أدوات الصحفي.أما أنا، فقد غُصتُ في حوار طويل وعميق أنساني  كل ما حولي من مسجل وكاميرا . تنقلنا فيه من بواكير حياة الرجل الأولى حتى تخوم المناطق الرمادية في عالم الأفكار والحركات والتيارات والفلسفات قديمها وحديثها.

 

كان حواراً ثرياً لم أنجز مثله  من قبل ولا من بعد بهذا العمق والثراء. فقد طفنا وطوفنا في أودية وشعاب الأفكار، من السياسة إلى الفكر والثقافة والفلسفة والاجتماع والإيديولوجيات. لم تدخر شاردة ولا واردة إلا تناقشنا حولها  بعمق من القرية إلى الدولة والمجتمع والدين والعالم من حولنا . كشف لي ذلك الحوار حينها عن شخصية الأستاذ قحطان العميقة، القارئة في كل فنون المعرفة، تلك المعرفة المقرونة بتجارب وخبرات سياسية واسعة.

 

كان الرجل مهجوساً بهندسة الاجتماع السياسي اليمني، الذي يراه اجتماعاً معاقاً بفعل صراعات الأيديولوجيات ما وراء الحدود؛ صراعات لم يكن لليمني فيها ناقة ولا جمل، ومع ذلك قدر على اليمني أن يكون شاقياً متشيعاً لما وراء الحدود، وآخر ما يفكر فيه هو الذات اليمنية المحطمة والمقيدة.

 

كان قحطان يدرك جيداً توازنات السياسة اليمنية، ويؤمن أن الحروب ولغة السلاح نقيض السياسة. كلما ارتفعت صورة البندقية ماتت السياسة. ولذلك كان حريصاً دائماً على أن يكون الحوار وحده لغة السياسة وزادها وماؤها. فما دون الحوار والنقاش لا معنى للسياسة ولا قيمة، إذ تكون قد ماتت، وتسيد الجهل والخراب.

 

هذه المعادلة البسيطة هي مفتاح الفهم والحل للمعضلة الوطنية في أي زمان ومكان. اللجوء إلى الحروب والاقتتال يعني الدخول في مستنقع «ما بعد السياسة»، الذي يصعب بعده العودة إلى مربع السياسة.كان قحطان يمثل ذلك النوع النادر من الساسة الذين يمتلكون قدرة عجيبة على صناعة الجسور وردم الفجوات وخلق المشتركات الوطنية.

 وبقدر أهمية هذه المهمة الوطنية العظيمة، بقدر ما يكرهه أدعياء السياسة، لأنه لا يمثل لهم جسراً للوصول إلى مشاريعهم الصغيرة وغير المشروعة. ولهذا كان ثمة من يكن له الضغينة، خاصة ممن تلوثوا بالتواطؤ مع مشاريع ما قبل الدولة الوطنية اليمنية الواحدة الموحدة.

 

كان الرئيس صالح يرى في قحطان خصماً سياسياً عنيداً غير قابل للتطويع أو الشراء، كما في حادثة تمويل بيته الشهيرة من أحد البنوك الإسلامية في صنعاء. وعندما رفع البنك قضية عدم سداد، استغل صالح الفرصة وسدد المبلغ، لكن قحطان رفض ذلك رفضاً قاطعاً، مفضلاً الذهاب إلى المحكمة على أن يدفع عنه صالح الدين، لأنه كان يدرك أن قبول ذلك يعني إسكاته إلى الأبد.أما الإماميون، فكان قحطان — بتاريخه ونضاله واسمه ولقبه — يشكل لهم رعباً، إذ كان من القلائل الذين يفهمون ألاعيبهم وتقلباتهم.

 

كان يحذر منهم بشدة، ويجيد التعاطي معهم، ولا يخشى أن يقول لهم في وجوههم إن اليمن غادر زمن الإمامة إلى الأبد، وأن عودتهم مجرد «انتفاشة».وفي آفاق الفكر والفلسفة، كان قحطان السياسي الوحيد الذي قرأ التراث الإسلامي والغربي قراءة جيدة. كان مولعاً بقراءة المذكرات السياسية للزعماء والمفكرين. وسألته ذات يوم: لماذا تبذل كل هذا الوقت في قراءة مذكرات زعماء واقعُهم ومشكلاتُهم غير واقعنا ومشكلاتنا؟ فقال: «التجارب الإنسانية — ومنها السياسية — مهما اختلفت، فإنها في النهاية تجربة إنسانية، ولا بد أن تجد فيها قاسماً مشتركاً تستفيد منه».

 

عودة إلى الحوار الذي استمر أكثر من ست ساعات، ولم يوقفه إلا أذان الفجر وقيامنا للصلاة. أغلقت المسجل وأخذت نفساً عميقاً، معتقداً أني أنجزت حوار العمر، وهو الحوار الذي حققته في بداية مشواري الصحفي. لكن الأمور سارت على غير ما كان متوقعاً ومأمولاً.ففي اليوم التالي، وأنا في غاية النصر والانتشاء، أخذت المسجلة وبدأت تفريغ الحوار.

فكانت الصدمة الكبرى: المسجلة التي سجلنا فيها قرابة سبع ساعات على شريطين وعلى الوجهين، لم يسجل منها سوى ساعة واحدة فقط! وبقية الست ساعات ذهبت سدى.جن جنوني حينها، وندمت ندامة الكسعي. فاتصلت بالأستاذ قحطان شارحاً له ما حدث.

 

 فقال لي: «يا نبيل، ليلة القدر تمر علينا مرة واحدة، ولله نفحات ولحظات، فاغتنمها في وقتها. فما يدريك، حتى أنا لا أستطيع أن أعيد قول أفضل مما قلتُه في ذلك الحوار». لكنه مع ذلك وعد أن نلتقي مرة أخرى لنعيد المحاولة. وهو من النوع الذي لا يمل النقاش والحوار. وإلى الآن لا زلت بانتظار تلك اللحظة والوعد المضروب بيننا، وعسى أن يكون قريباً.

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية