عربي
تُذكّر استعادة "كلّ رجال الرئيس" (1976) لآلن جاي باكولا، بمناسبة مرور 50 عاماً على أول عروضه التجارية الأميركية، بأفلام أميركية أخرى، نواتها الأساسية مؤسّسات صحافية، تكشف (الأفلام) شيئاً من يومياتها، مهنياً وأفراداً وعلاقات وتفاصيل مختلفة، وبعضها يختار موضوعاً واحداً، مستلّاً من وقائع، معظمها موثَّق في كتب لصحافيين وصحافيات، يسردون فيها حكاياتهم واشتغالاتهم المهنية في فضح تلك الوقائع. "كلّ رجال الرئيس" يستند إلى كتاب بالعنوان نفسه (1974) لكارل برنشتاين وبوب وودوورد، اللذين يفضحان، بعملهما الصحافي الاستقصائي في "واشنطن بوست"، تنصّت جماعة ريتشارد نيكسون على الحزب الديمقراطي، في مبنى ووترغيت.
هذا يدعو إلى تساؤل عن اشتغالات صحف ووسائل إعلامية أميركية، وغربية وعربية، في راهن منذور لخراب كبير في كلّ شيء. فيلمٌ كهذا غير مكتفٍ بسرد سينمائي لرحلة فضح مسألة مخفيّة في إدارة نيكسون، لإشاراته المتتالية إلى معنى المهنة وكيفية التصرّف إزاء حدثٍ كهذا، وإلى سلوك صحافي يعتمد صدقاً في ممارسة المهنة، لا خضوعاً لمصالح وعلاقات خارج إطار المهنة وآلياتها وأخلاقياتها.
أفلامٌ أخرى تعتمد النهج نفسه، مع اختلاف الفضائح المكشوف عنها طبعاً: "واشنطن بوست" نفسها ستكون نواة "ذو بوست" (2017) لستيفن سبيلبيرغ، بينما "بوسطن غلوب" تحتل المشهد برمّته في Spotlight، لتوم ماكارثي (2015)، و"نيويورك تايمز" الحيّز الوحيد لـShe Said، لماريا شاردر (2022). وإذْ يكتفي سبيلبيرغ بعنونة فيلمه بمفردة تعني "المنشور"، علماً أنّ للفيلم عنواناً غير رسمي (أوراق البنتاغون)، يُشير مباشرة إلى الفضيحة المكشوف عنها في الصحيفة بخصوص حرب فيتنام، وأكاذيب الإدارة السياسية والقيادة العسكرية (لا كتاب يُستنَد إليه، بل وقائع مُوثّقة)؛ فإنّ عنوان فيلم ماكارثي يُحيل إلى قسم التحقيقات الاستقصائية في الصحيفة، المتابع لفضيحة رجال دين كاثوليك في بوسطن، يعتدون جنسياً على الأطفال (جمع وقائع الحاصل)؛ بينما عنوان فيلم شاردر يحتفي بجرأة المرأة على قول الحاصل، ما يؤدّي إلى فضح المنتج الهوليوودي هارفي وينستين (كتاب بالعنوان نفسه للصحافيتين جودي كانتور وميغان توواي، 2019).
المُثير للاهتمام في هذه الأفلام، إضافة إلى جماليات سينمائية مختلفة، كامنٌ في معنى الصحافة الاستقصائية، غير الخاضعة لسلطات تمنع قول حقّ وكشف حاصل؛ وفي معنى المواجهة، وكيفية الاختيار بين قول وكشف، وتنبّه إلى "توقيت" النشر، وأولوية التحرّر من ضغوط السياسة والعسكر والأمن والسلطة الدينية، فأول خضوع يعني خضوعاً مكرّراً، كما يعني إلغاء معنى الصحافة ودورها.
كم نحتاج إلى صحافة كهذه، في زمن الخراب الفظيع.
