عربي
في ظل الظروف الجيوسياسية ذات العلاقة بتأثيرات الحرب في الشرق الأوسط، وتواصل "إقفال" مضيق هرمز، يتجدد الحديث بقوة عن الجزائر باعتبارها خياراً مهماً في مجال الطاقة، ولا سيما مشروع أنبوب الغاز العابر الصحراء الذي يربط بين نيجيريا والنيجر والجزائر.
وتدعم هذا التوجه، أيضاً، تحوّلات متسارعة يعرفها سوق الطاقة العالمي، بخاصة بعد أزمة الإمدادات التي عرفتها أوروبا منذ سنة 2022، بينما يجمع خبراء في المجال على أن هذا المشروع لم يكتسب أهميته اليوم فقط، بل كان يحمل بعداً استراتيجياً حتى قبل هذه التطورات، بالنظر إلى موقع الدول المعنية وقدراتها في مجال الطاقة.
لقاءات لتقييم خطط التنفيذ
في هذا الشأن، وجّه الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، بالعمل على تنويع مجالات التعاون مع النيجر لتشمل القطاعات ذات الأولوية، والتأكيد على ضرورة الانتهاء من إنجاز محطة إنتاج الطاقة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، بالموازاة مع استعداد الجزائر لتعميق هذا الدعم، والشراكة مع دولة النيجر في مجالات أخرى، ولا سيما التنقيب واستغلال النفط.
وتشير مصادر مقربة من ملف مشروع أنبوب الغاز العابر الصحراء لـ"العربي الجديد" إلى أنّ وتيرة تجسيد المشروع تسير كما هو مقرر لها، وكشفت عن لقاءات قريبة بين الأطراف الثلاثة (الجزائر ـ النيجر ـ نيجيريا) لتقييم مدى تقدم أعمال الإنجاز، ومحاولة تذليل العقبات الميدانية التي قد تواجه الفرق التقنية والمهندسين أثناء ذلك، إذ تتعهّد الجزائر من خلال مجمعها العمومي للمحروقات "سوناطراك" بتقديم خبرتها للنيجر، فضلاً عن الدعم التقني واللوجستي.
في هذا السياق، أكد الخبير في شؤون الطاقة، أحمد طرطار، أنّ الأهمية الأساسية للمشروع تكمن في كونه سيربط بين دولتين تمتلكان احتياطات معتبرة من الغاز الطبيعي، هما نيجيريا والجزائر، ما يعزز فرص تنويع مصادر الإمداد نحو الأسواق الدولية.
وأشار إلى أنّ أنبوب الغاز العابر الصحراء يمتد على مساحة تقدر بحوالي 4000 كيلومتر، وينقل نحو 32 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يعتبر خياراً مهماً واستراتيجياً بالنسبة للأسواق الأوروبية، ولا سيما في ظل توفر البنية التحتية من الأنابيب البحرية التي تربط الجزائر بكل من إسبانيا وإيطاليا (أنبوبا "ميدغاز" و"تراسميد")، فضلاً عن مراكز التحويل في كل حقول الجزائر، مثل حاسي الرمل وحاسي مسعود، ما يقلل تكاليف ربطه بالشبكة الوطنية القائمة، وتسهيل عملية التصدير نحو الأسواق الدولية.
وبحسب الخبير في شؤون الطاقة، فإنّ نيجيريا تساهم، باعتبارها بلد المنشأ، في مدّ الأنابيب من أراضيها باتجاه النيجر، ثم من النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى أوروبا، كما يشمل المشروع إنشاء مناطق عبور ومراقبة وصيانة، وفي الحقيقة يُعد هذا المشروع ضخماً وطموحاً، من شأنه تغطية جزء كبير من احتياجات الدول الثلاث وغيرها، ما يجعلها جميعاً تستفيد من هذا المشروع الواعد.
خيار اقتصادي لأوروبا
من الناحية الاقتصادية، قال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن عية، إن مشروع أنبوب نيجيريا- النيجر- الجزائر يحظى بأهمية استراتيجية كبيرة، حتى قبل الأحداث الدولية الأخيرة، بالنظر إلى كونه يربط بين دولتين تمتلكان قدرات غازية معتبرة، كما أن المسافة تُعد مناسبة، والبنى التحتية متوفرة، إذ يمكن ربط هذا الأنبوب بمناطق حقول الغاز، مثل حوض حاسي الرمل وحاسي مسعود بالجزائر، بالشبكات الموجودة أصلاً.
وأشار، في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد"، إلى أن تكلفة إنجاز المشروع تعد مناسبة أيضاً، نظراً لأنّ مدّ الأنابيب في المناطق الصحراوية أقل تكلفة مقارنة بالمناطق الجبلية أو البحرية، فيما أضاف أن المشروع لا يتوقف عند حدود الدول الثلاث، كونه يصل إلى السوق الأوروبية التي تسعى للبحث عن بديل للغاز الروسي، وهو التوجه الذي برز بشكل واضح منذ سنة 2022، مستدلاً بالوفود الأوروبية الرسمية التي تزور الجزائر بشكل متكرر، رغبة في الحصول على نصيب من ذلك المشروع الضخم.
أما في ظل الظروف الحالية، فقد ازدادت أهمية هذا المشروع، بل تضاعف بعده الاستراتيجي بالنسبة للدول الأوروبية، وذكر عية أن تأثير تراجع الإمدادات من بعض مناطق الشرق الأوسط (الصادرات الغازية لدول الخليج) التي أصبحت شبه مغلقة، دفع أوروبا إلى التفكير جدياً في المساهمة بتمويل المشروع.
ومن جهة أخرى، لا يخدم هذا المشروع بشكل مباشر، حسب الخبير الاقتصادي، مصالح الولايات المتحدة، باعتبار أن أوروبا تُعد زبوناً مهماً لها في مجال الغاز المسال، ومع ذلك، قد تفرض العلاقات الدولية نوعاً من التوافق، بخاصة أن الجزائر تربطها علاقات جيدة مع كل من أوروبا والولايات المتحدة.
