آني إرنو في معرض الرباط للكتاب: تفكيك "الحميميات" في السياق العربي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
شكّل حضور الروائية الفرنسية الفائزة بجائزة نوبل للآداب عام 2022، آني إرنو، في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في دورته الحادية والثلاثين، لحظة ثقافية كثيفة الدلالة، عنوانها وقوف القارئ العربي وجهاً لوجه أمام تجربة كتابية ذات طابع عالمي، حيث استحضرت الضيفة الكبيرة تجربتها الشخصية بوصفها قارئة نهمة اهتمت بالأدب بدافع البقاء داخله. وإذا كانت الكتابة عند آني إرنو منصة للانتصار للتجارب الحميمية، بما تحمله من عنف وكثافة واختلال، انطلاقاً من نشأتها في محيط خاضع لهيمنة ثقافية واقتصادية وسياسية، فإن حضورها في المسافة الفاصلة بين الترجمة العربية واللغة الفرنسية يدعو القارئ العربي إلى الدخول في نزال دقيق بينه وبين النصّ، وذلك بإدراك شروط إنتاج هذا النص على المستويين الثقافي والاجتماعي. ولعل أول شرط يفرض نفسه هو استيعاب معنى "الكتابة المسطّحة" التي تقوم أساساً على نقل الوقائع كما حدثت (أو كما نتخيل أنها حدثت)، وعلى تحرير اللغة من أوحال البلاغة وتورماتها، وتحذير القارئ من إصدار الأحكام، وفتح المجال أمام المقاربة النقدية. أما ثاني الشروط، فهو الوعي بأن الكتابة تتجذر في الضوء، وأنها أشبه بالدخول إلى ورشة معتمة تتراكم فيها المسودات والمحاولات والأخطاء، حيث يتشكل النص تدريجياً داخل منطقة ضبابية قبل أن يتجه نحو الاكتمال، في التزام يومي تحكمه كثافة التركيز. بينما يندرج الشرط الثالث داخل ما يسمى "الانتقام من الهيمنة"، واستعادة العدالة عبر الكتابة، حيث يتحول النص إلى فضاء لترسيخ قيم الحرية والمساواة. أعمالها وجدت طريقها إلى العربية رغم ما تطرحه من إشكاليات في هذا الأفق، يكشف انتقال تجربة إرنو إلى القارئ العربي عن توتر عميق بين نصّ مؤسلب على نحو دقيق، ونص منقول يواجه تحديات اللغة والسياق معاً. هذا ما انتبه إليه الأكاديمي عبد الرحمن طنكول، الأستاذ الباحث بالجامعة الأورومتوسطية بفاس، الذي قدمها لجمهور المعرض، إذ أكد أن "العالم اليوم أصبح بمثابة قرية صغيرة، بفضل شبكات التواصل والقنوات الدولية، خاصة حين يتعلق الأمر بالأدب. إذ ما إن يرقى بعض الكتّاب إلى العالمية حتى يجدوا لأنفسهم قرّاء وفضاءات تلقي في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك العالم العربي". وتابع: "في ما يخص الكاتبة آني إرنو، فقد حظيت أعمالها، حتى قبل حصولها على جائزة نوبل سنة 2022، بتلقٍّ واسع، سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال الدراسات النقدية. ففي المغرب، على سبيل المثال، تناولها الباحث محمد داهي في عدد من الدراسات، كما أن الجامعة المغربية شهدت إنجاز أطروحات وأبحاث في سلكي الماستر والإجازة حول تجربتها، وهو ما يعكس اهتمام الباحثين المغاربة بما يُنتَج في العالم من كتابات أدبية ونقدية". وأرجع طنكول الصدى الذي خلفته أعمال آني إرنو إلى "انشغالها العميق بعلاقة الأدب بالواقع الاجتماعي ضمن سياق تاريخي عرف نوعاً من انفصال الأدب عن المجتمع، خصوصاً في بعض التجارب الأوروبية التي اتجهت نحو الكتابات المينيمالية أو الكتابات التجريبية التي ابتعدت عن تمثيل الواقع الاجتماعي وجراحه وتحولاته. كما أنها استطاعت أن ترتقي بهذا النوع من الكتابة إلى مستوى ما يمكن وصفه بالسهل الممتنع، بما يذكّر ببعض التجارب الأدبية مثل ألبير كامو أو مارغريت دوراس، حيث تبدو الكتابة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة في جوهرها، لأنها تقوم على الإنصات إلى الهامش والتعبير عن الذات المنكسرة أمام الهيمنة". يوسّع أدبُها أفق القراءة والتأويل لدى القارئ العربي وصلت أعمال إرنو إلى العربية عبر عناوين مثل "الحدث"، و"الاحتلال"، و"انظر إلى الأضواء يا حبيبي"، و"شغف بسيط" ، و"امرأة"، و"لم أخرج من ليلي"، و"مذكرات فتاة"، و"العار"، و"الشاب"، و"السنوات"، مما يكشف أن الانجذاب إلى مشروع إرنو، خاصة بعد حصولها على جائزة نوبل للآداب، ينطلق من وعي بطبيعة كتابة تتجاوز التقسيم التقليدي بين السيرة والرواية، وتؤسس لكتابة الذاكرة الجماعية عبر وسيط ذاتي، حيث تغدو التجربة الفردية مرآة لتحولات الطبقة واللغة والوعي، وهو ما يضع القارئ العربي أمام نص يدفع نحو مساءلة البنيات المنتجة للحكاية، حيث تنبني الجملة على اقتصاد صارم وتتداخل داخلها طبقات دلالية مرتبطة بالسياق الفرنسي، فينشأ توتر دقيق بين الشفافية والعمق، يفرض على المترجم موازنة دقيقة تحافظ على نقاء العبارة وتكثيفها في آن واحد. وصلت أعمال إرنو إلى العربية عبر عناوين مثل "الحدث" (ترجمة سحر شتالة)، و"الاحتلال"(ترجمة إسكندر حبش)، و"انظر إلى الأضواء يا حبيبي" (ترجمة لينا بدر)، و"شغف بسيط" (ترجمة إسكندر حبش ومحمد جليد)، و"امرأة" (ترجمة سحر ستالة ومحمد جليد)، و"لم أخرج من ليلي" (ترجمة نورا أمين)، و"مذكرات فتاة"، و"العار" و"الشاب" و"السنوات" (ترجمة مبارك مرابط)، مما يكشف أن الانجذاب إلى مشروع إرنو، وخاصة بعد حصولها على جائزة نوبل للآداب، ينطلق من وعي بطبيعة كتابة تتجاوز التقسيم التقليدي بين السيرة والرواية، وتؤسس لكتابة الذاكرة الجماعية عبر وسيط ذاتي، حيث تغدو التجربة الفردية مرآة لتحولات الطبقة واللغة والوعي، وهو ما يضع القارئ العربي أمام نص يدفع نحو مساءلة البنيات المنتجة للحكاية، حيث تنبني الجملة على اقتصاد صارم وتتداخل داخلها طبقات دلالية مرتبطة بالسياق الفرنسي، فينشأ توتر دقيق بين الشفافية والعمق، يفرض على المترجم موازنة دقيقة تحافظ على نقاء العبارة وتكثيفها في آن واحد. كما يزداد هذا التحدي مع حضور موضوعات حساسة تتصل بالجسد والحميمية، فتدخل الترجمة في تماس مع منظومات قيمية مختلفة، وهو تماس يوسّع أفق القراءة ويمنح النص قدرة على إثارة التفكير، بما يحمله من إمكانات الاختلاف وإعادة التأويل، مما يتيح للنص أن يحيا داخل العربية بكامل كثافته، وأن ينخرط في أفق جديد من الفهم. وقد انعكس هذا التوجه أيضاً في النقد العربي، سواء في المغرب أو تونس أو مصر أو غيرها من البلدان، حيث ازداد الاهتمام بهذا النمط من الكتابة الذي يزاوج بين البعد الذاتي والبعد الأنطولوجي. يرى مبارك مرابط (أحد مترجمي آني إرنو إلى العربية) أن الانجذاب إلى مشروع ترجمة إرنو لم يكن خياراً معزولاً أو طارئاً، إذ جاء نتيجة وعي بطبيعة الكتابة التي تقترحها، وهي كتابة تتجاوز التصنيف التقليدي بين السيرة الذاتية والرواية، وتؤسس لما يمكن اعتباره كتابة للذاكرة الجماعية عبر وسيط ذاتي، حيث تتحول التجربة الفردية إلى مرآة تعكس تحولات الطبقة واللغة والوعي. وهو ما يضع القارئ العربي أمام نص لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يدفع نحو مساءلة البنيات التي تنتجها. غير أن صعوبة ترجمة إرنو، كما يعترف مرابط، تكمن في بساطتها المشحونة، حيث تنبني الجملة على اقتصاد لغوي صارم، فيما تتكثف داخلها طبقات من الدلالة المرتبطة بالسياق الفرنسي، اجتماعياً وتاريخياً. هذا التوتر بين البساطة والعمق يضع المترجم أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على شفافية العبارة من دون تفريغها من كثافتها الرمزية، وهو ما يحول الترجمة إلى عملية موازنة مستمرة بين الأمانة للنص والانخراط في أفق اللغة المستقبِلة. كما أن حساسية بعض الموضوعات التي تكتب عنها إرنو تعبر عن إشكال أوسع يتعلق بحدود التلقي داخل الثقافة العربية، حيث تتقاطع الكتابة الجسدية والحميمية مع منظومات قيمية مختلفة. هذا الاحتكاك يُقدَّم بوصفه شرطاً ضرورياً لتوسيع أفق القراءة، إذ تسمح الترجمة هنا بإدخال القارئ في تجربة مغايرة، تفتح إمكانات جديدة لفهم الذات والعالم، حتى عندما تثير نوعاً من التوتر أو الاختلاف.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية