عربي
باتت عودة أهالي جنوبي لبنان إلى بلداتهم محفوفة بالخوف وعدم اليقين، إذ سرعان ما تكرّرت حكاية التهجير بوجع مضاعف، عقب أوامر الإخلاء الإسرائيلية المتتالية التي لم تفارق يومياتهم، رغم سريان الهدنة منذ منتصف إبريل الماضي. وتتفاقم المأساة بين المجازفة بالبقاء، أو تحمّل مرارة الاكتظاظ في مراكز الإيواء
لم تكد الهدنة تدخل حيّز التنفيذ جنوبي لبنان في 17 إبريل/ نيسان الماضي، حتى تبدّد الأمل سريعاً مع تجدّد أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي أعادت آلاف العائلات إلى النقطة الصفر، وذلك بعد عدوانٍ إسرائيلي مدمّر تجدّد في 2 مارس/ آذار الماضي. ومنذ أواخر إبريل، يعيش الأهالي النازحون مأساة يومية متجدّدة، مع سلسلة تهديدات تطاول بلداتهم تباعاً، بعدما ظنّوا أن وقف إطلاق النار سيمنحهم فسحة أمان للعودة إلى قراهم وترتيب حياتهم. غير أنّ هذه العودة سرعان ما تحوّلت إلى محطة موقّتة، وجد خلالها السكان أنفسهم مجدداً أمام خيار قاسٍ؛ التهجير أو المخاطرة بالبقاء، في ظل قرى مهدَّدة ومراكز إيواء مكتظّة، حيث تتكرّر حكاية التهجير بوجع مضاعف، وتغدو العودة نفسها محفوفة بالخوف وعدم اليقين.
وبحسب تقديرات غير رسمية قابلة للارتفاع، يبلغ عدد القرى والبلدات المهدَّدة بعد وقف إطلاق النار نحو 69 بلدة، بينها بلدات في شمال نهر الليطاني. كذلك شملت التهديدات أقضية النبطية، وبنت جبيل، وصور، ومرجعيون.
تتحدث خديجة سلامة من بلدة قعقعية الجسر عن تهجيرها المتجدد بعد التهديد الذي طاول بلدتها، وتقول لـ"العربي الجديد": "توجّهنا إلى البلدة بعد وقف إطلاق النار، وبدأنا بترتيب أمورنا، وأمضينا أيامنا على وقع القصف والغارات. هربنا حين وصل التهديد الإسرائيلي، ولم نستطع أن نجلب أيّ شيء من أغراضنا، حتى لباس النوم".
قصدت سلامة أحد المطاعم التي فُتحت في بلدة المجيدل في قضاء جزين (جنوب) لاستقبال المهجرين، إلا أن وضع المكان كان صعباً بسبب الشتاء، وتساقط مياه الأمطار على الأهالي، وفق قولها. وتتابع: "حالتنا صعبة، وأنا يائسة ومتعبة، والشكوى لغير الله مذلّة، حتى الطعام الذي يقدّمونه لا يمكن تناوله".
وكان عدد كبير من المهجرين قد توجّه إلى قرى قضاء جزين، حيث تحوّل مستشفى جزين القديم إلى مركز للإيواء. ويقول عماد خليل من بلدة حبوش لـ"العربي الجديد" إنّه "طوال أيام الحرب الحالية لم يغادر البلدة، لكن لحظة ورود التهديد الإسرائيلي لا يمكن المخاطرة بالبقاء في القرية". يستصعب خليل فكرة التهجير، لكنّه يجد نفسه مجبراً هذه المرة، لحماية أطفاله الثلاثة.
أما في بلدة عربصاليم التي طاولها التهديد أيضاً، فيقول المواطن محمود أحمد علي إنّها المرة الأولى التي يهجَّر فيها، تحديداً إلى ثانوية جزين، ويجلس في مركز إيواء. ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّه أمضى نحو 12 يوماً في بلدته بعد وقف إطلاق النار، وبدأ بتنظيف مطعمه بعدما تضرر في خلال الحرب. ويضيف: "بعد التهديد الذي طاول بلدتنا، كنتُ أمام خيارين: إما استئجار غرفة في فندق وإنفاق كل ما أملك، والبقاء مع عائلتي من دون طعام، وإما الذهاب إلى المدرسة بوصفها مركز إيواء كي يبقى معي بعض المال لتدبير أموري".
ويرى أحمد علي أن تجربة التهجير أخف وطأة على الشبّان منها على النساء، ويقول: "ابنتي عمرها 16 عاماً، تستصعب فكرة التهجير والبقاء داخل المدرسة، فهي تبكي معظم الوقت، لكن ما من حلّ سوى الصبر والتأقلم".
من جهتها، تقول منال إسماعيل محمد التي خرجت مع عائلتها على وقع الغارات التي طاولت بلدة جبشيت، وأدّت إلى مجزرة بحق المدنيين، إنّها توجهت مع أطفالها إلى مدرسة في عين مجدلين في قضاء جزين، بعدما أمضت الحرب السابقة عام 2024 في بلدة الغازية في قضاء صيدا، داخل شقة تضمّ نحو 30 شخصاً، ففضّلت هذه المرة اللجوء إلى المدرسة. وتضيف لـ"العربي الجديد": "صحيح أن التهجير صعب، ولا سيّما أن المنطقة جبلية والبرد لم يفارقها بعد، لكن القيّمين على المدرسة يحاولون تقديم ما يمكن، ولدينا غاز نستخدمه للطبخ، وهو أفضل من الوجبات التي تُقدَّم".
وتتابع منال: "فور بدء الهدنة تأمّلنا خيراً بالعودة إلى البلدة، وتحمّس أطفالي لمتابعة دراستهم، قبل أن نهجَّر مجدداً، فيما يبقى مصيرنا مجهولاً، ولا نعلم هذه المرة إن كنّا سنعود ونجد منازلنا أو أنها ستكون قد دُمّرت". وتختم بالقول: "ابنتي في الصف التاسع الأساسي، وتنتظرها امتحانات الشهادة الرسمية، ولا أعلم كيف يمكنها الدراسة في مركز إيواء، وهي متأثرة نفسياً بشكل كبير، وأصبحتُ عاجزة عن مساعدتها. أدعو فقط أن تتوقف الحرب قريباً".
للمرة الأولى، تفتح بلدية بنعفول في قضاء صيدا المدرسة مركزاً للإيواء، عقب التهديدات الإسرائيلية التي طاولت القرى المجاورة في منطقتَي الزهراني والنبطية. ففي 30 إبريل، وجّه المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، أمر إخلاء إلى عدد من القرى الجنوبية، منها جبشيت، حبوش، حاروف، تول، وكفرجوز، النبطية الفوقا، عبّا، عدشيت الشقيف، عربصاليم، حومين الفوقا، المجادل، أرزون، دونين، الحميري، معروب.
من بلدة عدشيت الشقيف في قضاء النبطية، هُجّر رامي ناصر، بعد أن أمضى يومين مع عائلته في السيارة، وهو أب لطفلة تبلغ من العمر 40 يوماً. بعدها، توجه مع زوجته وأطفاله الثلاثة ووالدَيه إلى بلدة بنعفول، حيث أمّنت لهم البلدية منزلاً، نظراً إلى وجود رضيعة تحتاج إلى رعاية خاصة. ويقول ناصر لـ"العربي الجديد": "نمرّ اليوم بأصعب مرحلة في حياتنا، فمصيرنا مجهول. قبل الهدنة قصدنا مدرسة شكيب أرسلان في بيروت، وعُدنا مع بدء الهدنة إلى بلدتنا، لكنّنا لم نتوقع أن نتعرض لتهديد جديد. لقد ضاقت بنا السبل".
ورغم أن النازحين الجُدد لجأوا إلى مراكز إيواء في بلدة جنوبية، قد تكون بدورها عرضةً للتهجير في أي وقت، في حال استمرار أوامر الإخلاء الإسرائيلية، يقول ناصر: "ليس لدينا خيار آخر. نفضّل البقاء في الجنوب على العودة إلى بيروت، لأننا نشعر بشيء من الأمان قرب قرانا، وندعو أن تتوقف هذه المأساة".
وتقيم في مدرسة بنعفول 40 عائلة تضمّ نحو 150 نازحاً، فيما يتوزّع في منازل البلدة 95 عائلة، أي ما يقارب 400 نازح، وفق ما يقول رئيس بلدية بنعفول توفيق الرز لـ"العربي الجديد". ويضيف: "فعّلنا خلية الأزمة في البلدة، ويساعدنا مجلس الجنوب كثيراً في تأمين مستلزمات النازحين، من حصص غذائية ومواد نظافة، ونحاول تأمين بعض الأدوية لمرضى الأمراض المزمنة".
ولجأ علي بداح إلى مدرسة بنعفول الرسمية بعد تهجيره من بلدة العباسية في قضاء صور، وهو صاحب محل دواجن هناك. يقول لـ"العربي الجديد": "باتت قرى قضاء صور صعبة العيش. قبل الهدنة مكثنا مع خمس عائلات في منزل في منطقة الصرفند بقضاء صيدا، لكن مع توتر الأوضاع لجأنا إلى بنعفول، حيث يعاملوننا وكأننا أفراد من البلدة، ولا سيّما البلدية وخلية الأزمة، وهذا ما يخفف عنا في هذه الفترة الصعبة".
وتضمّ بلدة الغازية المجاورة لبلدة بنعفول، مركزَي إيواء. وقد خُصّصت مدرسة الغازية المختلطة الرسمية لعائلات العسكريين في الجيش اللبناني، ويبلغ عددهم نحو 230 شخصاً. أما ثانوية الغازية الرسمية التي كانت قد أُخليت بعد وقف إطلاق النار، فعادت واستقبلت 194 عائلة، أي ما يقارب 400 نازح، منذ بدء التهديدات الإسرائيلية. في المقابل، يتوزّع العدد الأكبر من النازحين على الشقق السكنية في البلدة، حيث يُقدَّر إجمالي عددهم بنحو 4000 نازح، وفق ما يقول مختار الغازية بلال غدار لـ"العربي الجديد". ويضيف: "تقوم خطة الاستجابة على المبادرات الفردية والفعاليات الحزبية، في ظل غياب دعمٍ كافٍ من وزارة الشؤون الاجتماعية".
هُجّر قاسم حمد مع عائلته من بلدة النبطية الفوقا، التي تعرّضت أخيراً لتهديدات إسرائيلية متكرّرة، إلى بلدة الغازية مجدداً، بعدما كان قد غادرها عقب وقف إطلاق النار. ويقول حمد لـ"العربي الجديد": "حياتنا باتت عبارة عن حقيبة سفر، وضعنا يُبكي، ولا نعلم إلى متى سيستمر هذا التهجير". يعمل حمد شرطياً في اتحاد بلديات الشقيف النبطية، وقد توقّف راتبه الشهري، ويضيف: "صحيح أنّ المدرسة تؤمّن المستلزمات الأساسية، لكننا نواجه مشكلة في وجبات الطعام التي تُقدَّم، فهي غير صالحة للأكل. وقد اقترحنا تقديم مساعدات مالية لنتمكن من شراء الطعام والطهي بأنفسنا، إذ إنّ معظم الوجبات تُرمى في النفايات".
منذ أيام، هدّد العدو الإسرائيلي للمرة الأولى بلدة حومين التحتا. وتتحدث ندى الرواس، الحامل في شهرها السابع، لـ"العربي الجديد"، عن لحظات الرعب التي عاشتها ولا تزال ترافقها، وتقول: "استيقظتُ مع زوجي على صوت الرصاص، تريّثنا قبل الخروج لنرى ما إذا كانت الأمور ستهدأ، لكن في اليوم التالي أُعيد تهديد البلدة، فتوجّهنا إلى منزل شقيقتي في جزين، ومن ثم إلى منزل أهلي في الغازية". وفي الحرب السابقة، استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلة ندى، إلا أن الصاروخ لم ينفجر. ومع تجدّد العدوان هذا العام، تخشى ندى إعادة استهداف المنزل، وتحاول ألا تُمضي وقتاً طويلاً في داخله، فتجلس أمامه، معتبرةً ذلك أكثر أماناً، خصوصاً مع تحليق الطيران الإسرائيلي على مستوى منخفض.
وتتابع ندى: "كنتُ قد جهّزت غرفة لطفلتي المرتقبة، لكنني لا أعلم إن كنا سنعود إلى المنزل قريباً. أعددتُ حقيبة ثيابها، وأخشى أن يحين موعد الولادة قبل أوانه، نتيجة الضغط والتوتر الذي نعيشه. ليس سهلاً أن تكون حياتنا عبارة عن تهجير متواصل منذ شهرين حتى اليوم".

أخبار ذات صلة.
رودجرز: سننهي موسمنا بأفضل طريقه
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة