غريزة النورس
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كان الحديث عن المُسيّرات الإسرائيلية التي لا تكاد تغادر سماء لبنان، لا في الليل ولا في النهار، عاكفةً تارة على جمع المعلومات وتحديث الداتا التي سبق أن فرّطت بها وزارات لبنانية، هذا غير العملاء، وتارةً على ملاحقة المواطنين أينما كانوا: على الطرقات، في سياراتهم، على درّاجاتهم، وحتى في بيوتهم، لا بل أثناء نومهم، واغتيالهم كما لو كان ذلك أبسط ما قد يحدث في العالم، من دون أيّ ردة فعل إلّا من الناس المذهولين لاستنتاج مدى انكشاف البلاد ومدى بلادة أهل السلطة المُسمّاة تجاوزاً دولة.  أما مناسبة الحديث؟ فقد كانت قراءة إحدى الصديقات الفرنسيات، اللواتي تعرّفت إليهن بمناسبة زيارتهن إلى بيروت منذ أشهر، ترجمةَ مقالة إلى الفرنسية كان موضوعها يدور حول اغتيال العدو المواطن أحمد ترمس، بمُسيّرة من الجو، بعد تبليغه بالحكم عليه، وتخييره بين مغادرة سيارته لتلقي إعدامه وحده، أو مع الأشخاص الذين كانوا في صحبته في السيارة في تلك اللحظة.  قرأت إليز المقالة على مسمع الحاضرين، مُستعينة بالعم "غوغل"، مُبدية ذهولها ممّا يحصل ومن سهولة حصوله، ثم من جوابي عن سؤالها بالنفي إن كانت الدولة اللبنانية قد قدّمت شكوى لمجلس الأمن أو استنكرت في بيان رسمي أفعال العدو واستباحته دماء اللبنانيين، كما قالت.  كنّا قد اتفقنا على اللقاء للعشاء في مطعم كردي اختارته السيدات في أحد أحياء باريس الشعبية نوعاً من التضامن مع نضال الأكراد من أجل دولة مستقلة كما قلن. فصديقاتي يُسيّسن غالباً استهلاكهن مهما كان، تماماً كما فعلن حين قرّرن قضاء إجازتهن السنوية أو جزءاً منها في لبنان، حيث لم يكتفين بالبقاء في بيروت بل قصدن الجنوب لمعاينة ما يحصل على الأرض ولقاء الناس، وللتضامن معهم في وجه العدوان الأميركي الإسرائيلي.  واقع يزداد تعقيداً ورثاثة كلّما مرت السنون من دون أن نستطيع التخلّص من هذا النظام الطائفي الفاسد الذي يحكم البلاد ويحكمنا وإن كانت رحلة بيروت، بالنسبة إليهن، استثنائية لقلّة إمكاناتهن المادية، إلا أنّهن لا يوفّرن تظاهرة من أجل لبنان أو فلسطين إلّا ويُشاركن فيها، إضافة إلى نشاطهن في المقاطعة الاقتصادية. هذا غير نضالهن من أجل قضاياهن الداخلية في فرنسا وأوروبا، كما في نزولهن الشارع مع مواطنيهن أيّام تظاهرات السترات الصفراء احتجاجاً على ارتفاع كلفة المعيشة والوقود وتجميد الأجور، بل إنّهن يذهبن أبعد من ذلك في حياتهن اليومية في أحيائهن، فيتبرّعن، مثلاً، بالخدمة أحياناً في مقاه ذات أجواء يسارية مُهدّدة بالإقفال لسبب ما، في حين أنّها قريبة من قلوب زبائنها، سكان الحي وأصدقائهم، ذوي الميول التضامنية والإنسانية، كما فعلت لور مثلاً الشهر الماضي مع مقهى وبار في حيّهن يريد المالك استرجاعه ليؤجّره لاستخدام آخر، وإن لم يفزن في النهاية وأقفل المقهى الذي كنّ يرتدنه. استفسرن مني عن بعض التفاصيل، ثم أخذن يتناقشن في موضوع المُسيّرات، إلى أن روت إحداهن، من باب النوادر المُضحكة والغريبة، أنّها في إحدى المرّات، وقد كانت تشارك في تظاهرة للسترات الصفراء، نظرت إلى السماء فأبصرت مُسيّرة (مدنية) تابعة لإحدى قنوات التلفزة كانت تقوم بنقل مباشر للتحرّك. ثم، تضيف أنّه صادف في تلك اللحظة مرور سرب من النوارس المُهاجرة إلى الجنوب. وحين انعطفت المُسيّرة، التي يبدو أنّ من يشغّلها لم ير أو يهتم على الأقل لسرب الطيور المهاجرة، دخلت ضمن تشكيلة السرب، وعندها، تقول ماغالي، حدث شيء مدهش: إذ بالنوارس، وقد اعتقدت على الأرجح أنّ المُسيّرة هي نوع غريب من الطيور، تستدير وتتجمّع لتهجم على المُسيّرة الدخيلة بمناقيرها، فتحطّمها شرّ تحطيم، قبل أن يتسنّى لمُشغلّها إنقاذها وإخراجها من ميدان المعركة المُفاجئة! تجلجلت ضحكات الصديقات لطرافة القصّة، وتضحك الراوية وهي تقول: "حسناً لم تكن مُسيّرة حربية كبيرة كتلك التي تستخدمها الجيوش، لكن المشهد كان غريباً ومضحكاً".  يا لهذه الغريزة التي تستفيق في ردّة فعل فورية، فتستنفر السرب بكامله لمواجهة وطرد الخطر الدخيل بالنسبة لي لم يكن المشهد مُضحكاً، بقدر ما كان مُدهشاً بمعانيه. قلت في نفسي: يا لهذه الغريزة التي تستفيق في ردّة فعل فورية، فتستنفر السرب بكامله لمواجهة الخطر الدخيل وطرده، مُتحوّلة في لحظة من نوارس مُسالمة تطير في حال سبيلها، إلى طيور عدوانية تكشّر عن مناقيرها لتدافع عن نظام السرب ووحدته وأمانه.  لم تغادر القصّة عقلي المهموم بتشرذمنا اللبناني المُوجع والحزين، وشردت أفكر في واقعنا الذي يزداد تعقيداً ورثاثة كلّما مرت السنون من دون أن نستطيع التخلّص من هذا النظام الطائفي الفاسد الذي يحكم البلاد ويحكمنا. يا لفوضى سربنا اللبناني مستحيل الانتظام، تشرذم جعل دخول تلك المُسيّرات العدوّة بيننا مُمكناً، وبكلّ سهولة، تكمن لبعضنا فتصطاده، مُستفردة به أمام إخوته الناظرين، في أحسن الأحوال، ببلادة إلى محنته، إن لم يكن بتشف وشماتة و... غباء! كيف فقدنا غريزتنا، غريزة البقاء موّحدين لكيلا نؤكل؟ أين وكيف ولماذا تشتّت سربنا؟ وهل كان في الأصل هذا السرب سرباً؟ أنظر إلينا فأجدنا طيوراً لم تقع بعد على أشكالها، وكلٌّ اختار لنفسه هُويّة مختلفة عن الآخرين. ما الذي يجمعنا؟ ربما كانت الجغرافية التي ولدنا فيها صدفة. لكن أليس كلّ الناس هكذا؟ يولدون في مكان ما صدفة، ويكبرون على هُويّة واحدة ومصلحة واحدة تجمعهم كسرب؟ فلم نحن ما زلنا هكذا: طيور ترفض الانتظام في سرب واحد، حتى مؤقّتاً، حتى من أجل النجاة. لا بل إنّ بعضنا يقبل أن يكون مُسيّراً ضدّ أولاد بلده، فمن أين نأتي بغريزة السرب؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية