قلق في اسكندنافيا والبلطيق من تقليص واشنطن وجودها العسكري في أوروبا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تعيش دول البلطيق وشمال أوروبا حالة قلق متصاعدة مع تزايد الإشارات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، وسط مخاوف من أن يشكل أي انسحاب للقوات الأميركية من ألمانيا بداية لتحول استراتيجي أوسع يهدد مستقبل حلف شمال الأطلسي (ناتو) ويضعف منظومة الردع الغربية في مواجهة روسيا. وفي قلب هذه المخاوف، قدّم الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا عرضاً مباشراً لترامب باستقبال مزيد من الجنود الأميركيين في بلاده، محذراً من "عواقب خطيرة" على أمن أوروبا إذا قررت واشنطن سحب أكثر من خمسة آلاف جندي أميركي من ألمانيا بعيداً عن القارة الأوروبية، بحسب ما أوردت هيئة البث العام الليتوانية أول من أمس. وقال ناوسيدا، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس البولندي كارول ناوروكي، إن ليتوانيا "مستعدة لاستقبال أكبر عدد ممكن من الحلفاء"، مشيراً إلى أن بلاده تستضيف بالفعل أكثر من ألف جندي أميركي، إلى جانب خطط لتمركز خمسة آلاف جندي ألماني بحلول عام 2027. وتنظر ليتوانيا، مثل جارتيها إستونيا ولاتفيا، إلى الوجود العسكري الأميركي باعتباره الضمانة الأساسية لردع روسيا، خصوصاً أن الدول الثلاث كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي حتى عام 1991، ولا تزال ترى في الحرب الأوكرانية إنذاراً مباشراً لأمنها القومي. وجاءت هذه التصريحات بعد إعلان ترامب، بصورة مفاجئة لحلفائه الأوروبيين، نيته سحب ما لا يقل عن خمسة آلاف جندي أميركي من القواعد الموجودة في ألمانيا، في خطوة أثارت ارتباكاً واسعاً داخل أوروبا، رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تنشر نحو 36 ألف جندي في ألمانيا وحدها. وتخشى عواصم أوروبية أن يكون القرار مقدمة لتحول أكبر في السياسة الأميركية تجاه القارة، خصوصاً أن ترامب كرر مراراً انتقاداته للدول الأوروبية بسبب ضعف إنفاقها الدفاعي واعتمادها المفرط على الحماية الأميركية، ملوّحاً في أكثر من مناسبة بإعادة النظر في التزام واشنطن بالدفاع عن الدول التي لا ترفع إنفاقها العسكري. هذا إلى جانب غضب ترامب من تمنع الدول الأوروبية مشاركته حربه مع الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران، بل منع الأميركيين استخدام القواعد الأوروبية في الحرب، كما فعلت إسبانيا وغيرها. وفي محاولة واضحة للحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، رفعت ليتوانيا إنفاقها الدفاعي إلى 5.38% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهي نسبة تتجاوز حتى الهدف الذي اتفق عليه حلف الناتو تحت ضغط أميركي، والبالغ 5%. كما أبدت في الآونة الأخيرة استعدادها للمشاركة في تحالف تقوده الولايات المتحدة لحماية الملاحة في مضيق هرمز، في رسالة تعكس حرص دول البلطيق على البقاء ضمن الأولويات الأمنية الأميركية. في المقابل، حذر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الإستوني، المحافظ ماركو ميكلسون، من منح ترامب "ذرائع إضافية" لمهاجمة الحلف الأطلسي، داعياً الدول الأوروبية إلى تجنب الصدامات العلنية مع الإدارة الأميركية. وقال ميكلسون في تصريحات صحافية أخيراً إن "روسيا تخوض حرب ظل هجينة ضد أوروبا وتحاول تقسيمها من الداخل"، مؤكداً أن الحفاظ على وحدة الناتو يشكل أولوية وجودية لدول البلطيق. وانتقد مواقف بعض الحكومات الأوروبية، خصوصاً إسبانيا، بعد رفض مدريد السماح باستخدام قواعدها العسكرية في الحرب الأميركية ضد إيران، معتبراً أن مثل هذه الخطوات تمنح ترامب مبررات إضافية للتشكيك في جدوى التحالف الأطلسي. وأضاف: "إذا لم نسمح لحلفائنا باستخدام منشآتنا العسكرية لتحقيق مصالحهم الأمنية، فالسؤال يصبح: هل ما زلنا فعلاً في التحالف نفسه؟". إسكندنافيا: الخوف من فراغ أميركي ولا يقتصر القلق على دول البلطيق فقط، بل يمتد إلى معظم الدول الإسكندنافية، التي تنظر إلى الوجود العسكري الأميركي باعتباره العمود الفقري لمنظومة الردع الغربية في شمال أوروبا وبحر البلطيق. ففي فنلندا، التي انضمت حديثاً إلى الناتو وتمتلك حدوداً تمتد لأكثر من 1300 كيلومتر مع روسيا، يُنظر إلى أي تراجع أميركي باعتباره تهديداً مباشراً للأمن القومي. ورغم أن هلسنكي رفعت إنفاقها الدفاعي وعززت تعاونها العسكري مع واشنطن، ما تزال العقيدة الأمنية الفنلندية تقوم على فكرة أن الردع الحقيقي يعتمد على المظلة الأميركية النووية والعسكرية داخل أوروبا. ولهذا سارعت فنلندا خلال العامين الماضيين إلى توقيع اتفاقيات دفاعية واسعة تسمح للقوات الأميركية باستخدام قواعد وموانئ ومطارات فنلندية، في رسالة واضحة مفادها أن شمال أوروبا يريد مزيداً من الحضور الأميركي لا تقليصه. أما السويد، التي تخلت عن عقود طويلة من الحياد وانضمت إلى الناتو بعد الحرب الأوكرانية، فترى في سياسات ترامب مصدر قلق استراتيجي متزايد. فالتحول السويدي نحو الحلف الأطلسي قام أساساً على فرضية استمرار الالتزام الأميركي بالدفاع الجماعي، ولذلك تخشى استوكهولم أن يؤدي أي انسحاب أميركي واسع إلى إضعاف المادة الخامسة من ميثاق الناتو عملياً، حتى وإن بقيت قائمة نظرياً. كما تخشى السويد من أن يتحول بحر البلطيق إلى منطقة أكثر هشاشة عسكرياً في ظل تصاعد النشاط الروسي البحري والجوي. أما النرويج والدنمارك، فتعتمدان مقاربة أكثر هدوءاً، لكنهما تشتركان في القلق من احتمال تراجع الالتزام الأميركي طويل الأمد بأمن أوروبا. وتدرك أوسلو وكوبنهاغن أن القدرات العسكرية الأوروبية الحالية لا تكفي وحدها لردع روسيا من دون الدعم الأميركي، سواء في مجالات الاستخبارات أو القوة الجوية أو الردع النووي. وفي الوقت نفسه، تحاول الدول الإسكندنافية التعامل بواقعية مع نهج ترامب الجديد، عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتسريع مشاريع التسلح وتعزيز التعاون العسكري الإقليمي بين دول الشمال ودول البلطيق. ورغم تصاعد الدعوات داخل أوروبا لبناء"استقلالية استراتيجية" تقلل الاعتماد على واشنطن، تنظر دول شمال وشرق أوروبا بحذر إلى هذه الطروحات، خشية أن تتحول إلى مقدمة لتراجع أميركي دائم. ومن وجهة نظر هذه الدول، لا تملك أوروبا حالياً بديلاً فعلياً عن القوة الأميركية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الأوكرانية وتصاعد التوتر مع روسيا. ولهذا، أعاد نهج ترامب الجديد إحياء سؤال كان الأوروبيون يحاولون تجنبه منذ نهاية الحرب الباردة: ماذا لو لم تعد الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عن أوروبا بالشكل نفسه؟.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية