عربي
تحيي الجزائر، اليوم الجمعة، مراسم ذكرى المجازر الأليمة في الثامن من مايو/أيار 1945، والتي راح ضحيتها أكثر من 45 ألف شهيد بحسب تقديرات محلية. لكن مراسم هذا العام تأتي في خضم تطور جديد في الموقف الفرنسي إزاء إقرار الدولة الفرنسية بالمسؤولية عن هذه المجازر بحق الجزائريين، وبعد أقل من شهرين من تصديق البرلمان الجزائري على قانون تجريم الاستعمار الذي يتضمن هذه المطالبة.
وأوفدت باريس الوزيرة المنتدبة لشؤون قدامى المحاربين أليس روفو إلى الجزائر للمشاركة في إحياء مجازر الثامن من مايو التي ارتكبها الجيش الفرنسي، في خطوة وإن كانت ليست الأولى من نوعها، لكنها تأتي في سياق متصاعد من محاولات فرنسية للاقتراب من لحظة اعتراف رسمي وكامل بالمسؤولية عن جرائم الاستعمار في الجزائر، وفقاً لما تضمنه بيان الرئاسة الفرنسي الذي وصف تلك المجازر "بالمأساوية"، حيث أكد أن الوزيرة أليس روفو "ستتوجه إلى سطيف لإحياء ذكرى الأحداث المأساوية التي وقعت هناك بتاريخ 8 مايو 1945. فبينما كان الفرنسيون يحتفلون بتحريرهم، قُمعت التظاهرات في سطيف وقالمة وخراطة خلال عدة أسابيع، ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا".
وفي الثامن من مايو كل عام، تُحيا في الجزائر ذكرى مجازر 1945، التي وقعت بعدما خرج الآلاف من الجزائريين في تظاهرات تركزت بشكل خاص في مدن سطيف وقالمة وخراطة شرقي الجزائر، دعا اليها حزب الشعب الجزائري الذي كان يقود الحركة الوطنية، لمطالبة السلطات الفرنسية بالوفاء بوعدها بمنح الجزائر استقلالها. لكن القوات الفرنسية أطلقت النار بشكل عشوائي على المتظاهرين الجزائريين، وارتكبت مجازر قتل خلالها 45 ألف شهيد، بينما تقول تقارير نشرتها صحف أميركية في حينها أن عدد الضحايا بلغ 72 ألف شهيد.
ويؤكد البيان الرئاسي الفرنسي أن "هذه هي حقيقة تاريخنا، وتتشرف فرنسا بالنظر إليها ومواجهتها"، ويعتبر أن خطوة إرسال الوزيرة روفو "تعكس إرادة رئيس الجمهورية في التعامل مع العلاقات بين فرنسا والجزائر بنزاهة، مع احترام كل الذاكرات المرتبطة بها، والوضوح الذي تنظر به فرنسا إلى هذا التاريخ يجب أن يسمح اليوم بإقامة علاقات ثقة من أجل مستقبل واعد في صالح الشعبين الفرنسي والجزائري".
"تهرب من إعطاء الوقائع التاريخية حجمها"
ويعتقد أستاذ التاريخ في جامعة الأغواط عبد الباسط شرقي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه "بالرغم من أن الخطوة والبيان الفرنسي يحيلان إلى كثير من الإقرار بالمسؤولية عن المجازر الرهيبة، لكنه يبقى ضمن سياق تكتيك سياسي فرنسي يعتمد مبدأ الإقرار المجزأ، ويفصل بين الجرائم المتسلسلة، التي يصف بعضها بمجرد أحداث، وهذا بحد ذاته تهرب من إعطاء الوقائع التاريخية حجمها الطبيعي، ويخفي رفضاً فرنسياً لإعلان اعتراف كامل وشامل، وفقاً للمطلب الجزائري الذي يطالب باعتراف واعتذار، بينما تنازل عن مبدأ التعويضات المادية".
وللمرة الثانية، ترسل الرئاسة الفرنسية وزيراً في الحكومة للمشاركة في إحياء هذه الذكرى الأليمة، بما يعد إقراراً سياسياً بالمسؤولية عن ارتكاب هذه المجازر الرهيبة، ففي عام 2015، كانت المرة الأولى التي أقدمت باريس على ذلك، حيث كانت أوفدت سكرتير الدولة الفرنسي المكلف بشؤون قدامى المقاتلين جان مارك توديسكيني إلى الجزائر للمشاركة في المراسم. وفي مايو 2025، أوفدت السلطات الفرنسية القائم بالأعمال في السفارة الفرنسية لدى الجزائر إلى مدينة سطيف، شرقي الجزائر، لوضع باقة ورد على نصب تذكاري لضحايا مجازر الثامن من مايو 1945، التي ارتكبتها قوات الاستعمار الفرنسي بحق الجزائريين.
وما يميز الخطوة الفرنسية هذا العام أنها اعتمدت إعادة إرسال السفير ستيفان روماتييه لمزاولة مهامه الدبلوماسية، بعد عام من استدعائه من الجزائر في إبريل/نيسان 2025، في أعقاب قرار السلطات الجزائرية طرد 15 موظفاً في المصالح الدبلوماسية الفرنسية، ردت عليها باريس بطرد 12 موظفاً من الطاقم القنصلي والدبلوماسي الجزائري العامل في فرنسا، واعتبار ذلك مدخلاً مهماً برأي باريس لتسوية الأزمة السياسية بين البلدين، والعودة إلى المسار المشترك الذي أطلق في أغسطس/آب 2022 لمعالجة ملف التاريخ والذاكرة.
صراع إرادات سياسية
ويحيل ذلك إلى أن باريس تحاول ربط القضايا التاريخية بالمسائل السياسية، وهي مقاربة لا تتبناها الجزائر التي تسعى إلى وضع ملف التاريخ والذاكرة خارج أية مساومات أو ربطه بالنقاش السياسي. وبرأي المحلل السياسي جمال خديري، فإن ذلك يعكس استمرار صراع التيارات السياسية في فرنسا إزاء العلاقة مع الجزائر.
ويؤكد خديري لـ"العربي الجديد" "أن هناك ضغطاً وصراع إرادات سياسية في باريس بشأن كيفية التعامل مع العلاقات الجزائرية الفرنسية، بعد فترة سيطر فيها التيار اليميني على الخطاب السياسي، وأعتقد ان الرئيس إيمانويل ماكرون اقتنع في النهاية بأن سياسات التصلب والمواجهة مع الجزائر تؤدي إلى كثير من الخسائر، سواء بالنسبة لتياره السياسي أو بالنسبة لفرنسا، ولذلك يجد أن ملف الذاكرة قد يمثل مدخلاً مهما لتسريع تسوية الأزمة، بالقدر نفسه الذي جرت عليه الأمور في يوليو/تموز 2020،عندما سلمت باريس رفاة 24 من جماجم المقاومين الى الجزائر مباشرة بعد تسلم الرئيس تبون السلطة، ما سهل ترتيب زيارة ماكرون والتوصل الى تفاهمات أغسطس 2022".
