عاد الصحابة من صلح الحديبية عام ستة من الهجرة و في نفوس الكثيرين منهم أو بعضهم حسرة أن يُمنعوا من العُمــرة و ليس بينهم و بين البيت الحرام غير بضعة كيلو مترات.
لكنها الشروط التي بدت حين إعلانها أنها في مصلحة قريش قبل أن يسقط أسوأ شرط فيها حيث قضى بأن من جاء محمدا من مكة مسلما يجب رده، و من جاء قريشا مرتدا عن الإسلام لا يلزم رده !
هكذا بدا الشرط مؤلما، قبل أن تطالب قريش من الرسول عليه السلام إلغاء بعد مدة قصيرة نتيجة لما أقدم عليه الرجل لفذ أبوبصير في الموقف البطولي المعروف، الذي قام به.
و أتت عمرة القضاء في شهر ذي القعدة من العام السابع من الهجرة.
خرج فيه الرسول هذه المرة للعمرة بألفي رجل من دون النساء و الأطفال، و كان قد أمر أن يخرج لها كل من خرج في العام السابق، و عددهم (1400) و بالفعل خرج الجميع إلا من استشهد في خيبر أو مات.
كان الحذر للخروج حاضرا، و كانت الجاهزية حاضرة أيضا فقد أعد الرسول صلى الله عليه و سلم لهذا الحذر ما يواجهه، إذ أعد مائتي فارس بقيادة محمد بن مسلمة لمواجهة أي غدر يقع من المشركين، و جهز معهم سلاحا و عتادا ؛ يكون كل هذا قريبا من مكة لأي طارئ أمني غادر من المشركين ؛ إذ كان من شروط الحديبية أن يأتي الرسول و من معه لا يحملون معهم إلا سلاح المسافر؛ السيوف في القُرُب.
و اختار الرسول عليه السلام أن يكون الفرسان و السلاح في أقرب نقطة إلى البيت الحرام من الحل ، لا تتجاوز المسافة ستة كيلو مترات و هو وادي يأجج، بينما بعض حدود الحرم من جهات أخرى يبعد عن البيت 14 كم.
و هكذا كان الحـــذر واضحا، و كانت في المقابل الجاهزية، و الاستعداد لأي طارئ جاهز كذلك.و هو ما بلغ المشركين الذين أوفدوا مكرز بن حفص في نفر من قريش لملاقاة الرسول خارج مكة يستفسرونه عن هذا الكن من السلاح قائلين: يا محمد؛والله ما عرفناك صغيرا و لا كبيرا بالغدر ! تدخل بالسلاح الحرم على قومك، و قد شرطت ألا تدخل إلا على العهد.. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا ندخلها إلا كذلك؛ يعني بحسب شرط صلح الحديبية.
و كانت هذه أول عمرة تشهدها الجزيرة بهذه الصورة و العدد و تلبية التوحيد؛ الأمر الذي تحركت معه الأبواق الإعلامية للمشركين مبلبلة بالقول: سيأتيكم قوم مهازيل، قد وهنتهم حُمّى يثرب.
و البلبلة و الإرجاف سلاح الخائبين، و ديدن الموتورين عبر التاريخ. و أسوأ صور الإرجاف أن يأتي كطعنة من وراء الظهر.
أمام سماع ذلك الإرجاف اضطبع الرسول بأن وضع جزءا من ردائه تحت عضده و كشف عن كتفه الأيمن و فعل الصحابة فعله،و أمرهم بأن يَرمُلوا في الأشواط الثلاثة الأُوَل للطواف، وهو الجري الخفيف الأشبه بالخطوة العسكرية السريعة مع تقارب الخُطى. و كان القول: رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة.
و قد جلب النبي الكريم معه الهَدي، ستين بدنة، يتقدمها جمل مشهور في مكة المكرمة، كان لأبي جهل، و هو مما غنمه الرسول من غنائم يوم بدر ، و كانت رسالة لها دلالتها حيث تذكر المشركين بما حل بهم في غزوة بدر، و هو ما يدخل في الحرب النفسية.
لقد مثلت عمرة القضــــاء بحق الخطوة العملية الأولى لفتح مكة المكرمة، حيث أحدثت العمرة تحولات نفسية و معنوية لدى أهل مكة، فهذا خالد بن الوليد يعلن: لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر و لا شاعر، و أن كلامه من كلام ربا العالمين، فحق لكل ذي لب أن يتبعه. و بلغ أبا سفيان قول خالد فانزعج له حتى كاد أن يحدث بينهما مواجهة، لولا أن عكرمة منع ذلك.
و لكن.. كانت الحقيقة ما قاله خالد: حق لكل ذي لب أن يتبع محمدا.. و لذلك شهدت مكة مغادرة رجالات مكة للهجرة إلى المدينة ليسلموا؛ خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و عثمان بن طلحة. و تلك رسالة أخرى من رسائل العمرة التي عززت التحولات، و قربت من أيام الفتح المبين؛ فتح مكة.
و هكذا تمضي السُّنَن نحو غاياتها بالصـــــــبر و الثبــــــات ، و الاستمرار في العمل ليأتي النصر المظفر، و الفتح المبين.