الدولة بوصفها حكاية
عربي
منذ 54 دقيقة
مشاركة
حين نسمع كلمة "سرد" نتخيّل حكاية تُروى، لكن السردية في الفلسفة السياسية آلية عميقة لتنظيم التجربة الإنسانية داخل إطار جامع اسمه الدولة، فهي الطريقة التي يُعاد بها ترتيب الوقائع في حبكة تمنح الزمن قدرة الإجابة عن سؤال من نحن؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟ وإلى أين نتجه؟ فالسردية تفسّر ماذا ولماذا حدث، وتُحوّل الأحداث إلى قصّة قابلة للفهم. ينبّه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى أنّ الزمن لا يصير إنسانياً إلا حين يُصاغ سردياً؛ فالسرد "يؤنسن" الزمن، ويحوّله من عنصر مُحايد إلى تجربة ذات مغزى، وبما أنّ السردية تربط بين الأبعاد الثلاثة (الماضي، الحاضر، المستقبل) في مسار واحد، فالهِويّة، في منظور ريكور، ليست جوهراً ثابتاً خارج التاريخ، بل "هِويّة زمنية" تتشكّل عبر إعادة تأويل الماضي وفتح أفق المستقبل. لذلك، لا تُولد الهُويّة الوطنية جاهزة، بل تُصنع عبر قصص مشتركة عن الأرض والناس، عن التأسيس والانتصارات والانكسارات... . وهنا يتقاطع التفكير الفلسفي مع علم السياسة؛ حيث يقدّم بندكت أندرسون مدخلاً مهماً لفهم العلاقة بين السردية والدولة حين وصف الأمّة بأنّها "جماعة مُتخيّلة"؛ لا يعني ذلك أنّها وهم، بل رابطة انتماء تقوم على مخزون رمزي وسردي يجعل أفراد الأمّة يتخيّلون أنفسهم جزءاً من "نحن" واحدة، وهذا المخزون يوحّد الإحساس بالزمن، ويربط الأفراد بقصّة مشتركة عن الاستقلال أو الدستور، ويحوّل الجغرافيا الصمّاء إلى وطنٍ مأهول بالذكريات والرموز. لا تُولد الهُويّة الوطنية جاهزة، بل تُصنع عبر قصص مشتركة عن الأرض والناس وحتى لا تبقى الرؤية الفلسفية في فضاء تجريدي، فيمكن أن نختبر معناها الحقيقي في سياقات وطنية محدّدة. وفي حالة المملكة الأردنية الهاشمية، يبرز سؤال السردية بوصفه سؤالاً تأسيسياً مُتجدّداً، فقد تشكّلت الهُويّة الأردنية عبر سردية جمعت بين إرث الثورة العربية الكبرى ومشروعية التأسيس الهاشمي، وبناء الدولة في إقليم مضطرب، ثم تعزّزت عبر عقود من إدارة التوازنات الداخلية والخارجية. غير أنّ التحولات الاجتماعية والديموغرافية، واتساع التعليم، وصعود الفضاء الرقمي، وتبدّل أجيال المواطنين، تجعل من السردية مشروعاً مفتوحاً لا قصّة مُكتملة. السردية الأردنية في مرحلتها الأولى كانت سردية تأسيس وبقاء: دولة تتكوّن في محيط متقلّب، وتبني مؤسّساتها تدريجياً، وتحافظ على استقرارها في بيئة إقليمية عاصفة، غير أنّ اللحظة الراهنة تفرض انتقالاً هادئاً من سردية البقاء إلى سردية المشاركة؛ من قصّة تركّز على حماية الكيان إلى قصّة تركّز على تمكين المواطن بوصفه شريكاً في صياغة المستقبل. فالدولة التي نجحت في تثبيت أركانها مدعوة اليوم إلى تعميق عقدها الاجتماعي، بحيث تصبح العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون عناصر مركزية في الحبكة الوطنية لا مجرّد شعارات. السردية الأردنية لا تعيش في الكتب وحدها، بل تتجسّد في رموز وطقوس يومية: العلم، النشيد، الأعياد والنُصب التذكارية، وحتى العملة والطوابع.. السردية الأردنية لا تعيش في الكتب وحدها، بل تتجسّد في رموز وطقوس يومية: العلم، النشيد، الأعياد والنُصب التذكارية، وحتى العملة والطوابع... . هذه ليست أشياء مُحايدة، بل "علامات سردية" تكثّف قصّة الانتماء وتُعيد إنتاجها في الحياة اليومية، حتى الرياضة قد تتحوّل إلى مسرح سردي تُعاد فيه صياغة شعور الوحدة، غير أنّ قوّة هذه الرموز، في الحالة الأردنية، تظلّ رهينة بمدى اتساقها مع التجربة المعيشية للمواطن. فإذا رفعت الدولة شعار العدالة من دون أن تُجسّده مؤسّساتياً، تحوّلت الرموز إلى طقوس بلا معنى. هنا يحذّر ريكور من هشاشة الخطاب السياسي حين ينزلق إلى الإيديولوجيا؛ فالسرد قد يكون قوّة بنّاءة تفتح أفق الإصلاح، وقد يتحوّل إلى قناع يبرّر الواقع ويغطي فجواته.  وفي السياق الأردني، لا يمكن لمشروع السردية الوطنية أن ينجح ما لم تُترجم قيمه إلى سياسات ملموسة: تعزيز استقلال القضاء، تطوير التعليم، مكافحة الفساد، وتحقيق تنمية أكثر توازناً، فالسردية، كي تُقنع، ينبغي أن تُرى وتُلمس في تفاصيل الحياة اليومية. إذا رفعت الدولة شعار العدالة من دون أن تُجسّده مؤسساتياً، تحوّلت الرموز إلى طقوس بلا معنى من ثمّ، لا تُنتج شرعية السردية بالانتخابات وحدها، ولا بالإنجاز الاقتصادي، بل بقدرة الدولة على تقديم تفسير مُقنع لمسارها التاريخي وخياراتها المؤسّسية، فالسردية المُتماسكة تمنح المواطنين شعوراً بالشراكة في القصّة الوطنية. وفي مجتمع متنوّع، كالمجتمع الأردني، تصبح إدارة التعددّ جزءاً من جوهر السردية: فالأردن يجسّد الاختلافات ضمن إطار "نحن" الجامعة، وينظر إلى التنوّع بوصفه ثروة تاريخية وثقافية. وفي العلاقات الدولية أيضاً، لا تتحرّك الدولة بالمصالح المادية فقط، بل بالصور التي تبنيها عن نفسها: ما دورنا؟ ما الذي نعد به الآخرين؟ هنا تظهر "السرديات الاستراتيجية" بوصفها أدوات لتشكيل توقّعات الخارج، وبناء التحالفات والتوازنات. السردية، كي تُقنع، ينبغي أن تُرى وتُلمس في تفاصيل الحياة اليومية وقد بنى الأردن عبر عقود صورة دولة اعتدال واستقرار ووساطة عقلانية في إقليم مضطرب، غير أنّ قوّة هذه الصورة الخارجية تظلّ مشروطة بتماسك القصّة الداخلية وعدالتها. وقد تنقلب السردية إلى دعاية حين تُحذف التعقيدات ويُجمَّل الواقع، لذلك تحتاج السردية الأردنية إلى ثلاثة شروط متلازمة: أن تنظر إلى الماضي بوصفه خبرة تُبنى عليها خيارات المستقبل؛ وأن تُترجم إلى مؤسسات عادلة وخدمات وقانون، لا أن تبقى خطاباً؛ وأن تظلّ مفتوحة للنقد والمراجعة، لأنّ السردية التي تُمنع من النقد تتحوّل سريعاً إلى إيديولوجيا مُغلقة. تعيش فلسفة السردية الأردنية داخل قصص وطنية ورموز حقيقية تمنح الوقائع ترتيباً ومعنى، بما يساهم في بناء الهُويّة وصناعة الشرعية وإدارة الذاكرة، وتوجيه السياسات الداخلية وصياغة صورتها الخارجية. غير أنّ القيمة الحقيقية للسردية الأردنية لا تكمن في قدرتها على الإقناع فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذه المعاني الى استراتيجيات تُعززّ قيم المواطنة وشراكة المجتمع المدني، وعلى إعادة سرد الذات الوطنية بصورة أوسع وأصدق، بحيث تبقى القصة الوطنية مفتوحة على المستقبل، لا سجينة الماضي والرموز، وقادرة على أن تجعل من الوطن مشروعاً حيّاً يتجدّد مع كلّ جيل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية