أعد تقرير لـ”يمن ديلي نيوز” مرفت الربيعي: في مديريتي الأزارق بمحافظة الضالع، والمسيمير بمحافظة لحج (جنوب اليمن)، يواجه عشرات الآلاف كارثة بيئية متصاعدة تهدد الوضع الصحي والزراعي بفعل تدفق مياه الصرف الصحي القادمة من محافظة إب إلى كلا المديريتين.
تقع محافظة إب ضمن نطاق سيطرة جماعة الحوثي المصنفة إرهابية، فيما تقع مديريتي الأزارق والمسيمير ضمن نطاق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وخلال الأشهر الماضية بدأت مياه الصرف الصحي تتدفق بين الحين والآخر على المديريتين.
ومما يزيد من كارثية الوضع أن سيول الأمطار تأتي لتوسع من نشر مياه الصرف الصحي، مسببة في تلوث المياه والمزارع، منذرة بكارثة صحية وزراعية تتهدد المنطقة، وسط عدم وجود أية جهود لإيقاف هذه الكارثة التي تتفاقم باستمرار.
يقول فؤاد المقرعي، أحد سكان المنطقة، إن قرابة 60 ألف أسرة في مديريتي الأزارق والمسيمير، متضررة من تدفق مياه الصرف الصحي. متهماً جماعة الحوثي بتصريف هذه المياه نحو مناطقهم ضمن الحرب التي تمارسها الجماعة.
يضيف لـ”يمن ديلي نيوز”: جماعة الحوثي لم تكتفِ بفرض الحصار العسكري، بل وسّعت من أدواتها لتشمل ما يمكن وصفه بـ”سلاح التلوث البيئي”، حيث تقوم بتصريف مياه الصرف الصحي الملوثة بشكل دوري، يصل أحياناً إلى مرتين شهرياً، باتجاه مناطق “تورصة” في الأزارق و”الحواشب” في المسيمير.
وأشار المقرعي إلى أن هذا التدفق المتكرر أدى إلى غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خصوصاً في منطقة “تورصة بلاد الأحمدي”، ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين بعد تلف المحاصيل بشكل كامل، في وقت تعتمد فيه مئات الأسر على الزراعة كمصدر دخل رئيسي.
وأوضح أن الأضرار لم تقتصر على الجانب الزراعي، بل امتدت إلى تدهور بيئي ملحوظ، مع انتشار روائح كريهة وخانقة على امتداد مجاري السيول، ما فاقم معاناة السكان اليومية وأثر على حياتهم.
ومع استمرار تدفق المياه الملوثة، تتزايد المخاوف الصحية، إذ ساهمت المياه الراكدة في انتشار البعوض والحشرات الناقلة للأمراض، ما أدى إلى ارتفاع حالات الإصابة بالملاريا والحميات المعوية، في ظل ضعف الخدمات الصحية وغياب الاستجابة الطبية الكافية.
كما حذر الأهالي من احتمال تلوث مصادر مياه الشرب، نتيجة تسرب الملوثات إلى الآبار التي يعتمد عليها السكان، وهو ما ينذر بكارثة صحية أوسع في المنطقة.
مقاطع فيديو وصور للمنطقة أظهرت تدفق مياه الصرف الصحي بشكل واضح، وسط مناشدات سكانية للحكومة بإنقاذهم مما يعتبروه استهداف حوثي لهم بهدف دفعهم لإخلاء مناطقهم والمغادرة.
انتشار الأوبئة
وفي السياق ذاته، قال محمد صالح مدير مكتب الصحة في مديرية الأزارق، إن تدفق مياه الصرف الصحي عبر مجرى وادي تبن لم يعد ظاهرة موسمية كما في السابق، بل أصبح يتكرر بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة مع كل موجة سيول قادمة من محافظة إب.
وأوضح أن التأثيرات لم تعد محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل امتدت إلى مناطق مجاورة، ما أدى إلى اتساع رقعة الضرر وارتفاع معدلات انتشار أمراض عدة، أبرزها الاسهالات المائية والكوليرا والملاريا والحميات، بما يجعل المنطقة عرضة لتفشي الأوبئة بشكل مستمر.
وأشار إلى أن تلوث مياه الشرب نتيجة اختلاطها بمياه الصرف الصحي يشكل تهديداً بالغ الخطورة، إذ يسهم في انتشار أمراض خطيرة مثل التيفوئيد.
ولفت إلى تزايد حالات الإصابة بأمراض الكبد مؤخراً في منطقة “الغيل تورصة”، مرجحاً ارتباط ذلك بالتلوث القائم، في ظل غياب إحصاءات دقيقة حتى الآن.
وتعزز هذه المخاوف مؤشرات صحية ميدانية، حيث سجلت مديرية الأزارق تفشياً واسعاً للملاريا، مع تسجيل حالة وفاة وأكثر من 900 إصابة منذ مطلع العام الجاري، إضافة إلى مئات الحالات خلال العام الماضي، ما يعكس تصاعداً مقلقاً في انتشار المرض.
وتؤكد شهادات السكان أن المنطقة لم تعد تواجه تلوثاً بيئياً فحسب، بل تحولت إلى بؤرة لانتشار الأوبئة، مع انتشار أمراض مثل الاسهالات المائية والكوليرا والتيفوئيد، إضافة إلى أمراض الكبد، في ظل استمرار تدهور الوضع الصحي وغياب الاستجابة الفعالة للحد من هذه الكارثة المتفاقمة.
خذلان حكومي
ورغم المناشدات المتكررة التي أطلقها الأهالي للجهات المختصة في الحكومة الشرعية والمنظمات الدولية، لم تلقَ تلك النداءات أي استجابة تُذكر، ما أبقى السكان في مواجهة مباشرة مع تداعيات هذه الكارثة المتفاقمة.
وفي هذا السياق، يقول الناشط فؤاد المقرعي إن ما يجري لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إهمال بيئي، بل يتجاوز ذلك إلى ما اعتبره “جريمة حرب”، نظراً لما يسببه من تدمير ممنهج للبيئة والحياة المعيشية للسكان.
وأضاف: “نحن لا نتحدث فقط عن كارثة بيئية، بل عن استخدام مجاري السيول كوسيلة لإلحاق الضرر بالمدنيين، عبر تدفق مياه الصرف الصحي من محافظة إب إلى القرى والمزارع، وهو ما أدى إلى تدمير الأراضي الزراعية، وتعطيل مصادر الدخل، وارتفاع معدلات انتشار الأوبئة”.
وتؤكد هذه الشهادات، مع ما يورده سكان محليون، أن تدفق مياه الصرف الصحي عبر مجرى وادي تبن لم يعد حدثاً موسمياً مرتبطاً بالأمطار والسيول، بل أصبح ظاهرة متكررة ومستمرة، ما أسهم في توسيع نطاق التلوث وامتداده إلى مناطق جديدة.
وبين استمرار تدفق المياه الملوثة وغياب المعالجات العاجلة، تبقى آلاف الأسر في مديريتي الأزارق والمسيمير أمام واقع صحي وبيئي بالغ الخطورة، ما يتطلب تحركاً فورياً ومسؤولاً من الجهات المعنية محلياً ودولياً لاحتواء الكارثة قبل تفاقمها.
ظهرت المقالة سيول الصرف الصحي القادمة من مناطق الحوثيين.. حرب بيئية صامتة تهدد الضالع ولحج أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.