عربي
كشفت بيانات، أصدرها المجلس الأعلى للسكان في الأردن أخيراً، عن ارتفاع كبير في عدد النساء الأرامل مقارنة بالرجال، مع تداخل عوامل ديموغرافية واجتماعية واقتصادية، الأمر الذي تمتد آثاره إلى بنية الأسرة وسوق العمل وشبكات الحماية الاجتماعية.
وبلغ عدد الأرامل من النساء في الأردن نحو 221 ألف أرملة في مقابل أقلّ من ثلاثة آلاف أرمل من الرجال، ما يعني أنّ النساء يمثّلن غالبية هذه الفئة بنسبة تقارب 98.7%، وفقاً لبيانات المجلس الأعلى للسكان حول الحالة الزوجية للأردنيين والأردنيات التي نشرها أمس الأحد. أضافت أنّ نسب الترمّل ترتفع بصورة كبيرة مع التقدّم في العمر، فتصل بين النساء فوق 60 عاماً إلى نحو 42%، في مقابل أقلّ من 1% بين الرجال في الفئة العمرية نفسها، الأمر الذي يعكس فجوة واضحة في المسار الحياتي بين الجنسَين.
ويعزو المجلس الأعلى للسكان في الأردن هذا التباين إلى مجموعة من العوامل، أبرزها أنّ النساء يعشن لسنوات أطول مقارنة بالرجال، بالإضافة إلى أنّ الرجال يتزوّجون في الغالب من نساء أصغر سنّاً، الأمر الذي يزيد احتمال ترمّل الزوجة. ويشير إلى أنّ فرص إعادة الزواج تميل بصورة واضحة لمصلحة الرجال، إذ يُقدم عدد كبير من الأرامل من بينهم على الزواج مرّة أخرى، في حين تواجه النساء الأرامل، خصوصاً الأمهات من بينهنّ، تحديات اجتماعية وثقافية تحدّ من فرص زواجهنّ ثانية.
وتشير البيانات إلى ارتباط الترمّل بنسبة مرتفعة من الفقر بين النساء الأرامل، إذ تمثّل هذه الفئة نحو 87% من إجمالي عدد المستفيدين من برامج صندوق المعونة الوطنية من الأرامل، كذلك فإنّ نسبة المشاركة الاقتصادية للأرامل تبقى محدودة جداً، إذ لا تتجاوز نسبة العاملات منهنّ 1.8%، الأمر الذي يعمّق هشاشتهنّ الاقتصادية ويزيد من اعتمادهنّ على الدعم الحكومي أو العائلي.
وتُبرز الأرقام بُعداً اجتماعياً مهمّاً، إذ تشير إلى أنّ 21% من الأسر في الأردن ترأسها نساء، وأنّ نحو 76% من هؤلاء النساء هنّ من الأرامل، الأمر الذي يضعهنّ في موقع المسؤولية المباشرة عن إعالة أسرهنّ في ظلّ محدودية الفرص الاقتصادية المتاحة.
في هذا السياق، يقول أستاذ علم الاجتماع في "جامعة مؤتة" حسين محادين لـ"العربي الجديد" إنّ من المهمّ دراسة تداعيات هذا الواقع على النساء الأرامل، خصوصاً لجهة استقلالهنّ الاقتصادي، وما إذا كنّ يعملنَ ويتمتّعنَ بذمّة مالية مستقلة، أم أنّهنّ تأثّرنَ بوفاة الأزواج الذين كانوا يعيلون أسرهنّ. يضيف أنّ هذا التحدي السكاني يتطلب معالجات متكاملة من الوزارات المختصة ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب دور فاعل من الأرامل أنفسهنّ.
ويوضح محادين أنّ المجتمع الأردني يشهد تحوّلات اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ تواجه الأسرة تحديات متزايدة وارتفاعاً في تكاليف المعيشة، وبالتالي فإنّ السعي نحو تحقيق الاكتفاء الاقتصادي يدفع نساءً إلى العزوف عن الزواج. كذلك يربط ارتفاع عدد الأرامل بزيادة متوسّط العمر المتوقّع، الذي بلغ في الأردن نحو 75 عاماً وثلاثة أشهر، بواقع 77 عاماً للإناث و73 عاماً وثمانية أشهر للذكور.
ويرى أستاذ علم الاجتماع أنّ هذه الأرقام، على الرغم من دلالاتها، لا تُعَدّ مقلقة بالضرورة إذا ما أُخذ في عين الاعتبار أنّ عدد سكان الأردن يقارب 12 مليون نسمة. لكنّ محادين يشدّد على أنّ الأعراف والتقاليد السائدة تمنح الرجال فرصاً أكبر للزواج مقارنة بالنساء، خصوصاً في ظلّ ميلهم إلى الزواج بنساء أصغر سنّاً منهم، الأمر الذي يرتبط بعوامل بيولوجية واجتماعية تمنح الرجل فترة أطول للزواج والإنجاب.
ويبيّن محادين كذلك أنّ البيانات تشير إلى تراجع الإقبال على الزواج في الأردن بصورة عامة، إلى جانب ارتفاع معدلات الطلاق، خصوصاً في العامَين الأوّلَين من الزواج. ويعزو ذلك إلى بروز القيم الفردية وتعاظم النزعة نحو الاستقلالية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الزواج، بما في ذلك المهور وسائر النفقات، في ظلّ تزايد معدلات البطالة وغلاء المعيشة.
ويلفت الأكاديمي إلى دور التكنولوجيا في إحداث تحوّلات في طبيعة العلاقات الاجتماعية، إذ أتاحت منصات التواصل فرصاً متعدّدة لبناء علاقات في خارج الأطر التقليدية، الأمر الذي أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية، بما فيها العلاقة الزوجية وظهور أنماط من العلاقات العابرة. ويتابع أنّ كلّ العوامل المذكورة مجتمعة تعكس تحوّلاً في سلوك الفرد الأردني.
