عربي
يرصد مدير مركز دراسات الصراعات في لندن، كير غايلز، أن الصراع الراهن في الشرق الأوسط يكشف عن حجم هشاشة المجتمعات، خصوصاً في ما يتعلق بتفاصيل العيش اليومي المتزامن مع التصعيد العسكري، ما يطرح أسئلة مهمة حول قدرة المجتمعات على الصمود، ومعنى الاستعداد الفعلي لمواجهة الأزمات.
ويقول غايلز، وهو الزميل الاستشاري السابق في برنامج روسيا وأوراسيا لدى معهد تشاتام هاوس، في مقابلة مع "العربي الجديد": "تختلف ظروف المدنيين في هذه الأوقات جذرياً بحسب المكان الذي يوجدون فيه، وهوية الطرف المعتدي، وطبيعة نيّاته، إضافة إلى مستوى الحماية المدنية المتوفرة. لكن الأزمات ليست نموذجاً واحداً قابلاً للتعميم، فلكل حالة خصوصيتها".
ويضيف: "ثمّة مبدأ واحد يمكن التعامل معه، هو الاستعداد المسبق، سواء لدى المدنيين أفراداً، أو داخل المجتمعات التي يعيشون فيها، وغياب هذا الاستعداد يشكّل التحدي الأكبر أمام القدرة على التعامل مع الأزمة عندما تتفجر، أو تتفاقم. في اللحظات الأولى من التصعيد لا يكون الخطر الأساسي هو الهجوم بحد ذاته، بقدر ما يكون هشاشة الجهوزية وعدم وجود تصور واضح لكيفية التصرّف. نشهد اليوم ما يجري في دول الخليج بسبب المخاوف الأمنية، وهذه مدن كانت تُعدّ آمنة عالمياً".
ويشير غايلز إلى أنه "في كل الأزمات تقريباً، تظهر انتقادات مجتمعية لاستجابة الحكومات، ويعود ذلك إلى افتراض شائع لدى المواطنين الموجودين في الخارج بأنهم مستحقّون للدعم الحكومي في جميع الظروف. صحيح أن هناك سوابق عديدة قامت فيها الحكومات بعمليات إجلاء واسعة من مناطق الصراع أو الخطر، لكن هذا ليس أمراً مضموناً، ولا يمكن التعويل عليه في كل الحالات. التوقّع الأساسي أن يكون الأفراد قد اتخذوا ترتيباتهم الخاصة متى كان ذلك ممكناً، ولا يُنتظر تدخل حكوماتهم إلا عندما تفشل ترتيباتهم، أو يصبح تنفيذها مستحيلاً".
ويضيف: "عادة لا تدرج المدن التي تفترض أنها آمنة سيناريوهات الطوارئ ضمن تخطيطها، فلا تبني ملاجئ، ولا تجهز مسارات إجلاء، ولا تُنشئ بنى مخصّصة للتعامل مع الأزمات المفاجئة. وهذه مشكلة خطيرة. الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر اعتماداً على الأنظمة الحكومية، وهي التي تتلقّى الصدمة الأولى عندما تبدأ تلك الأنظمة بالتفكّك، وقد شهدنا مراراً كيف تُستخدم معاناة الفئات الأضعف أداةً لزيادة البؤس من خلال استهداف نقاط توزيع المياه والغذاء، والمرافق الصحية، والمدارس. هناك أمثلة متكرّرة توضّح كيف تتحوّل الفئات الأكثر عجزاً في المجتمعات إلى أهداف مغرية لمن يسعون إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من المعاناة".
ويستطرد: "تختلف الحكومات في مقارباتها، ليس فقط في إدارة الأزمات، بل في كيفية التواصل خلالها أيضاً. لذا ينبغي النظر إلى سلوك كل حكومة على حدة. لكن إذا أمكن استخلاص مبدأ عام، فسيكون تقديم المعلومات، فأي معلومات أفضل من ترك فراغ معلوماتي، حتى لو اقتصر الأمر على قول: لا نعرف بعد. غياب المعلومات يفتح المجال أمام الشائعات ونظريات المؤامرة والنصائح الخاطئة، وهي عوامل تكون في الغالب أكثر ضرراً.
وحول تحوّل النزاعات البعيدة إلى تهديدات قريبة. يقول غايلز: "ما يستهدف أولاً أمر يعتمد على أهداف الطرف المهاجم، وعلى المكان الذي يرى فيه أعلى عائد ممكن. لذا لا يمكن التنبؤ بذلك مسبقاً، لكن هذه السيناريوهات تتطلب جاهزية وصموداً. في حالة المملكة المتحدة، يكاد هذا الصمود يكون معدوماً، إذ لا يوجد نظام دفاع مدني، ولا برنامج دفاع داخلي، رغم الوعود الواردة في استراتيجية الأمن القومي، كما لا توجد آلية واضحة للحكومة للدفاع عن الداخل، رغم المخاطر القائمة. وهناك تحذير حكومي صدر العام الماضي، وجاء فيه حرفياً: للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، علينا أن نستعد بشكل فعلي لاحتمال تعرّض الأراضي البريطانية لتهديد مباشر، وربما في سياق حرب".
ويرى أن مصطلح "الصمود" يُستخدم كثيراً في الخطاب الرسمي، وبينما للصمود أوجه متعددة، لكن جوهره العملي يتمثل في إبقاء الناس على قيد الحياة، وضمان استمرار عمل المجتمع والاقتصاد. ويضيف: "يمكن لهذا الصمود أن يتخذ أشكالاً مختلفة، من بينها أنظمة دفاع مدني توفّر وسائل مباشرة للبقاء، مثل الملاجئ ومسارات الإجلاء، وقد يكون صموداً نفسياً أيضاً، فالسويد، على سبيل المثال، أنشأت وكالة للدفاع النفسي بهدف حماية الفضاء المعلوماتي وعمليات اتخاذ القرار عندما تتعرض لهجمات من الخارج".
ويؤكد غايلز أن جوهر المسألة هو أن الاستعداد خلال الأيام الأولى لأي تصعيد لا يُقاس بسرعة ردّ الفعل، بل بما هو قائم مسبقاً على الأرض. ويقول: "الإرشادات الرسمية تبقى محدودة الجدوى في حال عدم وجود منظومة متكاملة للدفاع المدني وإدارة الطوارئ. المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات، بل في غياب البنية التي تجعل هذه الإرشادات قابلة للتنفيذ عند الحاجة، وفي اللحظات التي يتقدّم فيها التصعيد بشكل أسرع من القرار، يتحوّل هذا الغياب بحد ذاته إلى أحد أخطر أشكال الهشاشة التي يواجهها المدنيون".
