هاني شاكر... تأويلات لآلام الحب المستحيل
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
في الذاكرة العربية، ظلّ المطرب المصري هاني شاكر (1952 - 2026)، الذي رحل الأحد الماضي، مقترناً بميلانكوليا المرارة والحسرة، حتى بات الاقتران بمثابة كليشيه، تداوله جيلا الثمانينيات والتسعينيات، واستدعاه كلّما لزمت الإشارة إلى حتميّة تلازم الحب مع الأحزان، كما عبّرت عنه كثيرٌ من أغانيه. توازياً، وحتى تقاطعاً، اقترن هاني شاكر أيضاً بالأيقونة المصرية الراحل عبد الحليم حافظ (1929 - 1977)، وظلّ ضمن قائمة الأسماء الغنائية المرشّحة ليُطوّب خليفةً له. وإذا ما جمعت بينهما الوسامة، والتأهيل الموسيقي الرفيع في معاهد القاهرة الموسيقية، وتبنّي الرومانسيّة علامةً فنيّة، شكلاً للأداء ومضموناً للأغاني، فإن اختلاف الحقبة والفارق العمري بينهما، الذي امتد جيلاً ونصف جيل، كفيلان بأن جعلا لكلٍّ من العندليب وأمير الغناء العربي مساراً مختلفاً، مع تشابه الإرث إلى حدّ كبير، حتى بات يُنظر إليه بمثابة سيرورة واحدة متّصلة. كان للإذاعة في مصر، مطلع الخمسينيات، الدور الأبرز في إخراج اسم عبد الحليم شبانة من العتمة إلى الضوء. لفت أداؤه المتفرّد انتباه المطرب والملحّن محمد عبد الوهاب، الذي شاءت المصادفة أن كان حاضراً خلال أحد البرامج الإذاعية سنة 1953، فاستمع إلى الشاب، ابن الـ26 عاماً، يُؤدّي أغنيةً من ألحان محمد الموجي بعنوان "صافيني مرة"، ليفتح موسيقار الأجيال له أبواب الإنتاج الفني المصري، الغنائي والسينمائي. كان هاني عبد العزيز شاكر حينئذ ما زال رضيعاً بعمر عامٍ واحد. حينما يكبر، سيغدو التلفزيون المصري المؤسسة التي تلعب دور منصّة الإطلاق، عن طريق سلسلة من البرامج الترفيهية لاكتشاف المواهب. سيقف، وعمره تسع سنين، خلف العندليب الأسمر ليُردّد ضمن جوقة خلال تسجيل أغنية "بالأحضان" سنة 1961، وسيكون الموجي، هذه المرّة، من سيحتضن الشاب ذا الـ20 عاماً، فيهبه أغنيةً من ألحانه بعنوان "حلوة يا دنيا"، التي ما إن سمعها الناس لأول مرة على الأثير، ضمن بثّ أمسيةٍ فنيّةٍ سنة 1972، حتى حسبوا أنهم يسمعون عبد الحليم، يُقدّم جديده. وقد أسهم الأخير في تحديد المسار الأدائي والخطابي للغناء الرومانسي، ليس في مصر فقط، بل في عموم المنطقة الناطقة بالعربية: فما اعتُبرت في السابق نواقصَ، مثل ضعف خامة الصوت وارتفاعه، وعدم القدرة على الإمساك بأبعاد وبُعيدات المقام، حوّلها حافظ إلى ذخيرة تجديد، جعلت من الغناء أكثر انسجاماً مع روح العصر، المحليّة والعالميّة، بأن حاد به عن التقاليد الطربية، وقاده نحو الأدائيّة والتعبيريّة. وعلى الرغم من أن شاكر كان مُطرباً مُتمكّناً من أدواته، قد سارع بالانتساب، حتمياً، إلى التيار التعبيري الجديد، مُشدّداً، أسوةً بالعندليب، على أولوية التعبير على التطريب. بيد أن تقدّم التعبير الأدائي على الالتزام بالنواظم والكوابح الطربيّة في بيئة ثقافية مشرقيّة، تميل بطبيعتها إلى الميلودراما، قد ترتّب عليه أن أصبحت العاطفيّة المُفرطة العلامة المُميّزة للأغنية الرومانسية المصرية. ولئن مثَّل هاني شاكر استمرارية النهج الذي بدأه عبد الحليم حافظ في الخمسينيات، فإن فوارق حقبويّة وطبقيّة، تتعلق بتبدّل الأوضاع السياسية والبنى الاجتماعية، جعلت من الحليميّة بصوت أمير الغناء العربي، خلال الثمانينيات والتسعينيات، أثقل وأشدّ وطأة على أمزجة كثير من المستمعين. تزامن صعود عبد الحليم حافظ، إبان السنين الأولى للثورة المصرية عام 1953، مع صعود نجم الزعيم الكاريزميّ جمال عبد الناصر. من شأن ذلك التقاطع التاريخي أن أكسب مسعاه الغنائي التجديدي زخماً وانطلاقةً بين عموم أبناء الطبقة الوسطى الناشئة والتقدّميّة. تغيّر الزمن فبدت رومانسية هاني شاكر أثقل على مسامع الذائقة الجديدة لذا، فحين كان يُعبّر بأغانيه عن وجع الحب المستحيل وألم الفراق المحتوم، كان صداها يتردّد ضمن فسحة من التفاؤل واليوتوبيا، ما أثّر إيجاباً على استجابة المستمع، بأن تأوّله ألماً وجوديّاً ناتجاً عن مقارعة المصري لواقعه، أملاً في تغييره، مثلما قارع الشاب الأسمر النحيل الفقر والمرض لكي يصل إلى الصدارة، ويتمكّن من صياغة الذائقة الفنّية في البلد الوليد من رحم الثورة. وحين مضى هاني شاكر قُدماً في النهج الذي خطّه عبد الحليم حافظ منذ الخمسينيات، كان العالم العربي ومصر قد تغيّرا. تعثّر المشروع الناصري بعد أن مُني بهزيمة 1967 ورحيل قائده. شهدت البلاد من بعده تحوّلات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، غيّرت من الثقافة السائدة والذائقة العامة، ولا سيما بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد سنة 1979، وتحوّل الاقتصاد منذ عقد الثمانينيات إلى نمطٍ هجينٍ قائم على رأسمالية الدولة والخصخصة. برز الهمّ الفردي والمعيشي، وضمر الهمّ الجماعي والوطني. تراجع الاهتمام بالشأن العام، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. كما أخذت الهوّة الاقتصادية تتّسع ما بين النُّخب والقاع. انحسرت الطبقة الوسطى التي ظلّت الحامل الجمالي والثقافي لأغاني عبد الحليم، ومن سار على نهجه. طغى الاستهلاك وضاق أفق التغيير السياسي. بدت الحياة رتيبةً إذا ما قورنت بالحيوية الفكرية والمجتمعية في منتصف القرن العشرين. حلّت أشرطة الكاسيت محلّ الحفلات الجماهيرية، وأمست إطلالة الفنان في الفضاء العام صوراً فوتوغرافية داخل علبٍ بلاستيكية كأقفاص، تُعرض خلف واجهات المحال وعلى أرصفة الطرقات، بعد أن تألّقت الإطلالات في الماضي عناوينَ رئيسيةً في كبريات الصحف المصرية والعربية. لم تكن أغاني هاني شاكر مُفرطةً في الميلانكوليا بقدر ما كانت مُغتربةً عن روح العصر لذا، لم تكن أغاني هاني شاكر، سواء لجهة المغنى أو المعنى، مُفرطةً في الميلانكوليا بقدر ما كانت مُغتربةً عن روح العصر، كما لو أن جمهورها لم يعد قابلاً للتفاعل معها، مثلما سبق له أن تفاعل مع أغاني العندليب الأسمر، محوّلاً الميلودراما والميلانكوليا إلى شحنة موجبة بدفع اليوتوبيا. ومن هنا، يحمل العداء الذي ناصبه أمير الغناء العربي لما يُعرف مصرياً بغناء المهرجانات، إبان تولّيه منصب نقيب الفنانين، رمزيةً خاصة، إذ بدا وكأنه يُدافع عن إرثٍ تمثّل به وأخلص له، أمام مطرقة البوب وسندان البلدي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية