عربي
يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي أنماط إخفاء دولة الاحتلال لأسرى غزة، بينما تتلاعب بذويهم روايات مضللة، توازياً مع تعليق الزيارات وتقييد وصول المحامين والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية إلى السجون.
- بدأت رحلة البحث عن الفتى الفلسطيني أكرم محمد ناصر أبو طيور منذ 12 يوليو/ تموز 2024، إذ اختفى بالقرب من معبر رفح، بعدما أوقفته دبابة إسرائيلية أثناء سيره مع أبناء عمومته، وهم آخر من رأوه قبل أن ينقطع أثره.
منذ ذاك اليوم، لم تتلق العائلة أي معلومة رسمية حاسمة عن مصيره، فيما نفت سلطات الاحتلال وجوده في سجلات الأسرى، في نمط تكرر مع عائلات غزية منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، بالتوازي مع تعليق زيارات الأسرى وتقييد وصول المحامين والعائلات إلى السجون ومراكز الاحتجاز. وفي ظل تلك الانتهاكات تلاعبت بالأهالي روايات إسرائيلية متبدلة بشأن مصير أبنائهم. في بعض الحالات جرى نفي الاعتقال، أو الإبلاغ عن الإفراج، ثم لاحقاً الاعتراف بأن المخفيين قسراً قضوا داخل الاحتجاز.
عبر فحص 23 ملفاً لحالات أسرى ومفقودين من قطاع غزة، توصل تحقيق "العربي الجديد" إلى أن تضارب الردود لا يعود إلى عراقيل إدارية، كما ينعكس مباشرة على قدرة العائلات والمؤسسات الحقوقية على الوصول إلى معلومات موثوقة عن مصير الأسرى والمفقودين، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على التحقق المستقل من قبل المؤسسات الدولية أو المحلية، وما يرافق ذلك من إنكار وتناقض وحجب لمعلومات حاسمة تتعلق بمصير المخفيين.
رحلات بحث بلا نهاية
من بين هذه الحالات، خليل أحمد خليل هنية، البالغ من العمر 35 عاماً، واعتُقل في 21 ديسمبر/ كانون الأول 2023 من مدرسة عبد الله الدحيان في حي الشيخ رضوان، شمالي قطاع غزة، وفق ما تؤكد زوجته فاطمة محمد لـ"العربي الجديد"، إذ تقول إنها شاهدته يُقتاد حياً على يد الجنود، برفقة آخرين من المكان. ومن وقتها، بدأت العائلة رحلة بحث طويلة عن مصيره، من خلال متابعة متواصلة مع مؤسسات حقوقية، من بينها هيئة شؤون الأسرى والمحررين (حكومية).
بعد معاناة تلقت العائلة والجهات المتابعة روايات إسرائيلية عديدة ومتبدلة بشأن مصيره. ففي المرحلة الأولى، أفاد رد رسمي من الاحتلال الإسرائيلي بأن خليل "غير موجود في السجلات"، قبل أن يؤكد رد لاحق أنه محتجز في سجن النقب.
بينما أظهر بريد إلكتروني رسمي تلقته المؤسسات الحقوقية في مارس/آذار 2025، أن الإفراج عن خليل سُجل بتاريخ 25 ديسمبر 2024، غير أن عائلته نفت الأمر، ما دفع المؤسسات الحقوقية إلى إعادة مخاطبة الجانب الإسرائيلي، تقول فاطمة: "في إبريل/ نيسان 2025 جاء رد جديد يفيد بأن خليل قضى داخل السجن في 25 ديسمبر 2024، وهو التاريخ نفسه الذي سُجل سابقاً باعتباره تاريخ الإفراج عنه".
ولا يقتصر التناقض الموثق على تبدل الردود بين النفي والاحتجاز والإفراج، بل يمتد إلى الفجوة الزمنية في إبلاغ عائلة خليل بوفاته. فبحسب زوجته، لم تعرف الأسرة رسمياً أنه قضى داخل الاحتجاز إلا في العاشر من إبريل 2025، أي بعد نحو أربعة أشهر من التاريخ الذي قيل لاحقاً إنه تاريخ وفاته، كما لم تُسلم العائلة جثمانه، ولم تتلق أي توضيح بشأن ظروف وفاته أو مكان احتجاز الجثمان، مشيرة إلى أن خليل كان يعاني من الصرع، ويتلقى علاجاً منتظماً، ما جعل احتجازه من دون رعاية طبية خطراً مباشراً على حياته.
وتقول إن أسيرين محررين، هما محمد أبو سمرة من مخيم الشاطئ، وشادي أبو ناجي من بيت لاهيا، أبلغا العائلة، قبل أشهر من وصول الرد الرسمي، بأن خليل سقط داخل سجن النقب وارتطم رأسه بالأرض، وكان بحاجة إلى خياطة جرحه بنحو ثماني غرز، لكنه لم يتلق العلاج وترك ينزف حتى استشهد.
ووثقت مؤسسة الضمير (حقوقية تعنى بالأسرى) سبع حالات بالنمط نفسه حتى إبريل المنصرم، من بينها ملف الأسير إبراهيم عدنان عاشور المعتقل في 14 فبراير/شباط 2024، والذي أبلغت سلطات الاحتلال في أغسطس/آب 2024، المؤسسات الحقوقية التي تتابع ملفه، أنه موجود في سجن عوفر، وتقول مؤسسة الضمير لـ"العربي الجديد" إن طلبات زيارته تكررت، مع ورود ردود تفيد بإمكانية تنسيق الأمر، كان آخرها في 30 سبتمبر/أيلول 2024، إلا أنه لم يُسمح للمحامين بلقائه من دون تقديم تفسير.
وفي الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تلقى المحامون الذين يتابعون ملفَّه، رداً مفاده بأنه لم يعد موجوداً في سجن عوفر، وأنه يخضع للتحقيق في جهة أخرى، من دون تقديم معلومات إضافية عن مكان وجوده أو وضعه. لاحقاً، في ردود صدرت في ديسمبر 2024، ثم بتاريخ 20 يناير/كانون الثاني 2025، أبلغت الجهات الإسرائيلية المؤسسات الحقوقية بأنه قضى في 23 يونيو/حزيران 2024، أي قبل أشهر من الردود التي أكدت وجوده في سجن عوفر، واستمرار تقديم طلبات زيارته.
وأوردت الضمير عبر ورقتها البحثية "عنف السجون"، التي نشرتها ضمن سلسلة ترصد انتهاكات حقوق الأسيرات والأسرى خلال عام 2024، أسماء عدد من الضحايا تكرر معهم النمط ذاته، منهم كمال راضي وعرفات الخواجا وفرج حسين وحسين أبو عبيدة، ومحمد العسلي الذي تقول المؤسسة إنها تلقت في أغسطس 2024 رداً يؤكد وجوده في سجن عسقلان، قبل أن تصل إليها ردود لاحقة، آخرها في يناير 2025، تفيد بأنه قضى في مايو/أيار 2024، أي في تاريخ سابق لأول طلب فحص قُدم بشأنه. وفي جميع الحالات، صدرت الروايتان عن الجهة نفسها، من دون تقديم توضيحات بشأن ظروف الوفاة أو نتائج التحقيقات التي أعلن جيش الاحتلال فتحها.
أين عوض؟
عبر الردود الإسرائيلية يتضح نمط آخر تمثل في الإبلاغ رسمياً بالإفراج عن أسرى، رغم بقائهم رهن الاحتجاز، كما في حالة عوض مصطفى شاهين، المعتقل في السادس من نوفمبر 2024 أثناء مروره مع شقيقه عبر "الممر الآمن" في طريق صلاح الدين، جنوبي قطاع غزة. وتقول عائلته إن شقيقه كان معه لحظة الاعتقال، وإن جنود الاحتلال احتجزوهما معاً لساعات، قبل أن يفرجوا عن أخيه، بينما أبقوا عوض معتقلاً. بعد نحو أربعة أشهر، تلقت هيئة شؤون الأسرى والمحررين رداً رسمياً يفيد بأنه "أُفرج عنه في 23 مارس 2025"، غير أن العائلة نفت ذلك، كما لم يظهر اسمه ضمن قوائم المفرج عنهم.
خلال الأسابيع التالية، نقل أسرى محررون، من بينهم خليل نعمان شاهين وحسن خليل الدبس، شهادات متطابقة تؤكد وجوده داخل سجن النقب مقيّداً. وقالا إنه كان من المفترض الإفراج عنه ضمن إحدى صفقات التبادل، قبل أن يتبين بعد خروجهما أن اسمه لم يكن ضمن القوائم. وأفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين بأنها أعادت الاستفسار مراراً، لتتلقى لاحقاً ردوداً أخرى تؤكد استمرار احتجازه، أولاً في معسكر سدي تيمان، ثم في سجن النقب. وتفيد العائلة، على لسان ابنته جنى، بأنها أُبلغت في 23 مارس 2025 بالإفراج عنه، إلا أن ذلك لم يحدث. كما تواصلت الأسرة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكانت تتلقى إفادات تفيد بوجوده في سدي تيمان، قبل أن تشير متابعات لاحقة إلى نقله لسجن النقب، من دون أن تحصل حتى الآن على معلومة موثوقة عن وضعه أو ظروف احتجازه.
يبرز ضمن النمط نفسه ملف الأسير فارس تيسير كمال أبو عبدو، إذ أبلغت الجهات الإسرائيلية المحامي المتابع لملفه، باعتقاله خلال "نشاط للقوات في قطاع غزة"، قبل أن تفيد لاحقاً بأنه أُفرج عنه وأُعيد إلى قطاع غزة بتاريخ الثامن من يونيو 2025. لكن عائلته لم تتلق أي إشارة إلى الإفراج عنه، كما لم يظهر اسمه ضمن قوائم المفرج عنهم، ولا تتوفر حتى الآن مؤشرات إلى خروجه من الأسر.
إنكار ممنهج
تمثل حالة أدهم محمد جميل صيام مثالاً واضحاً على إنكار وجود الأسرى، لكنه كان أكثر حظا من غيره، فقد اعتقلته قوات الاحتلال من حاجز مدينة حمد في خانيونس خلال الاجتياح البري للمدينة في الثالث من مارس 2024، وعلى مدى نحو عام وسبعة أشهر، اقتصرت الردود الواردة إلى الجهات الحقوقية التي تابعت ملفه على صيغة تفيد بأنه غير موجود في السجلات، وبقيت عائلته عاجزة عن الحصول على معلومة حاسمة، وفي حالة بين اليقين والشك في حقيقة مصيره. وفي الوقت عينه، تلقت العائلة إفادات من أسرى محررين أكدوا وجود أدهم داخل معسكر سدي تيمان، بحسب إفادة شقيقه أمجد لـ "العربي الجديد".
لم ينقشع الغبار، إلا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقتها ظهر اسم أدهم ضمن قوائم تبادل الأسرى، قبل أن يُفرج عنه في 13 أكتوبر 2025. وفي شهادته لـ"العربي الجديد"، قال الأسير المحرر إنه اعتُقل عصر الثالث من مارس 2024 من حاجز مدينة حمد في خانيونس، قبل أن يُلقى مع ثلاثة شبان آخرين في حفرة حتى ساعات الليل، ثم نقلوا إلى موقع احتجاز أولي تعرضوا فيه للضرب والتعذيب، قبل ترحيله إلى داخل منطقة غلاف غزة، ثم إلى معسكر سدي تيمان، وُوضع في ما يُعرف بـ"بركس الجحيم"، إذ يُجبر فيه الأسرى على البقاء ساعات طويلة مقيدين ومعصوبي الأعين مع اقتحامات متكررة واعتداءات مستمرة، يقول: "كنا نقعد فيه من 5 الفجر لحد أحياناً 11 و12 بالليل، ويا دوب تنام كم ساعة وترجع لنفس النظام".
طوال هذه المدة، بقي صيام معزولاً عن العالم الخارجي، ومُنع من مقابلة أي محام أو تلقي أي خبر عن عائلته التي كانت تحاول الوصول إلى أي معلومة عنه عبر المحامين والجهات المتابعة، لكن الرد الذي كانت تتلقاه أنه "لا توجد معلومات". ويروي صيام أن السجانين أبلغوه بعد أكثر من عام ونصف عام من العزل بالاستعداد للخروج، فاعتقد أنه سيلتقي محامياً للمرة الأولى، قبل أن يُبلغ لاحقاً بأنه "ممنوع" من الزيارة، مشيراً إلى إن تلك اللحظة كانت الأصعب نفسياً عليه، لكنها شكلت أول إشارة، بالنسبة إليه، إلى أن عائلته تحاول الوصول إليه. وبحسب صيام، كان بعض الأسرى الذين تتاح لهم الزيارة يحاولون نقل أسماء الأسرى المعزولين وأوضاعهم إلى الخارج، في محاولة لكسر حالة الإخفاء القسري المفروضة عليهم.
ولم يقتصر التعذيب المادي والنفسي على الحرمان من التواصل مع المحامين أو إبلاغ الأهل بحقيقة مصير الأسير، فقد استهدف السجانون المعتقلين عبر حرمانهم من النظافة والتقييد طويل الأمد ومنعهم العلاج ناهيك عن تجويعهم، كما يقول صيام موضحا أن وزنه انخفض من 120 كيلوغراماً عند اعتقاله إلى 75 كيلوغراماً لدى الإفراج عنه.
علاوة على ما سبق، يصف صيام التنقل بين مواقع الاحتجاز بأنه كان شكلاً من أشكال التعذيب قائلاً: "أكثر إشي كنا نخاف منه التنقلات، لأنهم بتوحشوا فيها بالضرب والتعذيب"، بخاصة الصعق بالكهرباء ولا يزال يعاني حتى اليوم من آثارها، من بينها إصابة في كتفه اليسرى وخدران مستمر.
هكذا فإن صيام لا يعد حالة فردية، إذ وثقت مقاطع نشرتها وسائل إعلام وصحافيون ظهور أسرى من المخفيين قسراً في سجون الاحتلال ضمن قوائم المفرج عنهم من غزة بعد فترات من الغياب والانقطاع التام للأخبار، بينما كانت عائلاتهم تعتقد أنهم استشهدوا، ومن بينهم نجلا علياء إسماعيل البحطيطي، التي قالت في إفادة لـ"العربي الجديد" إن ابنيها محمد رضوان البحطيطي وخليل رضوان البحطيطي اختفيا بعدما توجها لجلب الطحين والمساعدات، وإنها اعتقدت طوال فترة غيابهما أنهما استشهدا ودُفنا في المكان، وقد حاولت الاستفسار عن مصيرهما عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر دون أن تصل إلى أي معلومات، وبقيت 62 يوماً تجهل أنهما على قيد الحياة، إلى أن أبلغها أسير محرر، قبل الإفراج عنهما بنحو عشرة أيام، بأنه شاهدهما داخل السجن، ولاحقاً ظهر اسماهما ضمن صفقة تبادل الأسرى، واستقبلتهما في 13 أكتوبر 2025".
معلومات مضللة
تفيد المحامية دعاء أبو عين، من دائرة العلاقات الدولية في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، والمتابعة لملف أسرى غزة، لـ"العربي الجديد"، بأنها وثقت تسع حالات قدم فيها الاحتلال معلومات مضللة بشأن الإفراج خلال المتابعة القانونية، رغم أن الأسرى لم يفرج عنهم فعلياً، بحسب ما أكدته عائلاتهم.
وتقول إن تكرار النمط يؤكد إدارة الملفات خارج الأطر القانونية، في ظل تلاعب الاحتلال بعملية التوثيق والإخطار بما يراعي المعايير الحقوقية الدولية، ويعرقل العمل القانوني، ويُبقي العائلات في حالة مستمرة من القلق لعدم معرفة مصير أبنائها أو القدرة إلى الوصول لحقيقة تحسم وضعهم.
وفي إفادة خاصة لـ"العربي الجديد"، بينت مؤسسة الضمير أنها وثقت ست حالات زعمت فيها سلطات الاحتلال بأن الأسرى أُفرج عنهم، قبل أن يتبين في حالتين أنهم فارقوا الحياة، بينما لم تتوفر معلومات حاسمة عن الحالات الأخرى، رغم تأكيد عائلاتهم على استمرار إخفائهم، وعائلات هذه الحالات كما تقول أبو عين تعاني من الادعاءات المضللة كما أن الجهات الحقوقية تقف عاجزة هي الأخرى وغير قادرة على تفعيل إجراءات المتابعة القانونية.
وحتى فبراير/شباط 2026، أحصت الهيئة 691 مفقوداً لا يوجد أي مؤشر رسمي على اعتقالهم، رغم تأكيد عائلاتهم أنهم داخل السجون الإسرائيلية، إضافة إلى 2662 شخصاً صنفتهم السلطات الإسرائيلية ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين".
وفي السياق ذاته، تتابع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، 476 حالة إخفاء قسري لا تتوفر عنها معلومات منذ أشهر، مع تقديرها أن العدد الإجمالي للمفقودين قد يتجاوز 10 آلاف، بحسب منسق الشكاوى والتحقيقات في الهيئة المحامي بكر التركماني، الذي يقول لـ"العربي الجديد" إن المؤسسات تتلقى ردوداً إسرائيلية تنفي وجود بعض الأشخاص في السجون، قبل أن ترد لاحقاً إفادات من أسرى محررين تؤكد مشاهدتهم داخل أماكن الاحتجاز.
لهذا يزداد الملف تعقيداً ليس فقط أمام المنظمات المحلية وإنما الدولية كذلك في ظل غياب آلية مستقلة وفعالة للتحقق من مصير الأسرى وأماكن احتجازهم، ويتضح الأمر عبر إفادة المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر سارة دافيس التي كشفت في رد على أسئلة معدة التحقيق، عن تلقي 18 ألفاً و300 طلب تتبع من عائلات تبحث عن أقارب مفقودين من غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم، أغلقت منها 5900 ملف بعد التوصل إلى معلومات، فيما لا تزال آلاف الحالات مفتوحة من دون حسم.
وتوقفت زيارة اللجنة للمعتقلين الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، بحسب دافيس التي قالت إنها لم تعد قادرة بشكل منتظم على التحقق من المعلومات المتعلقة بالمعتقلين، باستثناء ما يرد ضمن الاتفاقيات بين الأطراف في إطار وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن اللجنة لا تملك حالياً إمكانية الوصول إلى الأسرى الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية، وأنها دعت مراراً وعلناً إلى إبلاغها بوجود المعتقلين الفلسطينيين والسماح لها بزيارتهم.
من هنا يرتبط تعدد التقديرات الخاصة بحالات الاخفاء القسري للأسرى بالقيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات والسجون، واختلاف معايير التوثيق بين الجهات، إلى جانب تقييد وصول المحامين والمؤسسات الحقوقية إلى مئات الأسرى من قطاع غزة، وغياب آلية مستقلة وملزمة للتحقق من مصيرهم.
أطفال مخفيون قسرياً
يبرز إنكار وجود أسرى، رغم ورود شهادات متطابقة عن احتجازهم، بوصفه أحد أكثر الأنماط تكراراً في الملفات التي جرى تتبعها. وشمل المسار بالغين وفتياناً بقيت عائلاتهم تكابد غياب معلومات حاسمة عن مصيرهم، رغم إفادات ميدانية وشهادات لأسرى محررين أكدت وجودهم داخل سجون الاحتلال، ويتجلى ذلك في ثلاث من الحالات التي يوثقها التحقيق، وتشير هيئة شؤون الأسرى والمحررين ومؤسسة الضمير إلى أن إنكار وجود الأسرى من أكثر الأنماط تكراراً في متابعتهما لملفات معتقلي غزة.
من بين الحالات التي تندرج ضمن النمط هذا، الفتى أكرم أبو طيور، البالغ من العمر 17 عاماً، وتقول والدته فلسطين أبو طيور لـ"العربي الجديد"، إن العائلة لم تتلق منذ لحظة اعتقاله أي معلومة حاسمة عن مصيره، رغم متابعتها المستمرة مع مؤسسات عدة، من بينها هيئة شؤون الأسرى والمحررين ومركز "هموكيد" (حقوقي إسرائيلي). وتضيف: "كل يوم بحاول أتابع مع كل المؤسسات، وبطلبوا رقم هويته عشان يسألوا عنه، وبيرجعوا يحكولنا مش موجود، طيب كيف مش موجود، والأسرى بحكولنا إنهم شافوه بالسجن؟".
وبينما يتمسك الجانب الإسرائيلي في رده الرسمي بإنكار احتجاز أبو طيور حتى الآن ويكتفي بالرد "غير موجود"، نقل أسرى محررون شهادات تؤكد وجوده في معسكر سدي تيمان، منهم محمد جربوع الذي اعتقل في الأول من يونيو 2024 وأُفرج عنه في 15 يناير 2025، ونقل إلى عائلة أبو طيور أنه التقى أكرم في القسم نفسه، وأبلغهم سلامه، مدللاً على ذلك بذكر تفاصيل شخصية رواها أكرم له مثل "أن والده يربي حصاناً".
ويقول جربوع لـ"العربي الجديد" إنه تعرف على أكرم عبر نداءات السجانين على أسماء الأسرى قبل أن يقابله لاحقاً ويتحدث معه ويتعرف على تفاصيل حياته وعائلته وسكنه، مشيراً إلى أن الأسرى المحررين يحرصون بعد خروجهم على إبلاغ العائلات بشأن من التقوا أبنائهم داخل السجن، خصوصاً الحالات التي تنكر سلطات الاحتلال وجود الأسير أو تمتنع عن تقديم معلومات عنه.
وفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين، لم يصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي بشأن حالة أكرم، رغم إدراج اسمه ضمن قوائمها استناداً إلى شهادات أسرى محررين.
وتتشابه تفاصيل حالة أكرم مع وقائع ما جرى لخميس رمضان موسى متربيعي، الذي اختفى في الرابع من ديسمبر 2023 في حي اللبابيدي بمدينة خانيونس أثناء توجهه لتفقد منزل العائلة، وفيما جاءت الردود الرسمية الإسرائيلية بعدم توفر مؤشر على اعتقاله، أفاد أسرى محررون بأنهم سمعوا اسمه داخل موقع احتجاز ميداني يدعى "الديسكو"، إشارة إلى غرف تحقيق تُستخدم فيها الموسيقى الصاخبة لتعذيب الأسرى.
ورغم تلقي العائلة إفادات من أسرى محررين بسماع اسم خميس محتجزاً، بحسب ابنته آلاء، إلا أنها كما تقول لـ"العربي الجديد" ليست لديها معلومة حاسمة عن مصيره، وتضيف: "لحد الآن ما بنعرف عنه ولا إشي، لا إذا كان معتقلاً ولا إذا قضى ولا حتى إذا كان لا يزال على قيد الحياة. كل المؤسسات اللي بنتواصل معها، مثل هيئة شؤون الأسرى ومركز هموكيد، كل ما يفحصوا عن اسمه برجعوا يحكولنا: لا توجد معلومات".
وتتابع هيئة شؤون الأسرى والمحررين حالة خميس، كما أدرج المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً اسمه ضمن قوائم المفقودين الذين لم تقدم سلطات الاحتلال معلومات حاسمة بشأنهم.
الأمر ذاته يتكرر في حالة الطفل مؤمن محمود محمد أبو جزر (16 عاماً)، الذي فُقد في السابع من أكتوبر الأول 2024 في مدينة رفح خلال توغل عسكري إسرائيلي في المنطقة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتلق العائلة أي معلومة حاسمة عن مصيره، رغم متابعتها القضية عبر جهات عدة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومؤسسة الضمير، ومركز "هموكيد"، وهيئة شؤون الأسرى والمحررين. وفي كل مرة، تأتي الردود الرسمية الإسرائيلية بصيغة تفيد بعدم وجود مؤشر على اعتقاله، بينما تلقت العائلة إفادات من ثلاثة أسرى محررين بوجوده داخل سجن عوفر. وآخر من شاهد مؤمن خارج الاحتجاز، بحسب شقيقه شادي، قال إنه رآه قرب مفترق كف مراد، الفاصل بين رفح وخانيونس، قبل ساعات من اختفائه، في وقت كانت المنطقة تشهد وجوداً عسكرياً إسرائيلياً كثيفاً وحملة اعتقالات.
ولم تكتف العائلة، وفقاً لشادي، بالمتابعة مع المؤسسات، بل راجعت صوراً لمعتقلين التقطت في اليوم نفسه، ورجحت أن أحد الأشخاص الظاهرين فيها قد يكون مؤمن، كما تعقبت إفادات أسرى محررين على أمل الوصول إلى أي خيط يوضح مصيره، ويقول: "سألناهم، مع إن حالتهم الصحية والنفسية كانت صعبة جداً، بس الواحد بصير متعلق بأي أمل". وآخر من أبلغ عائلة مؤمن برؤيته داخل السجن هو الأسير المحرر هشام نصر من رفح، إذ قال لهم إنه سمعه يؤم المصلين، وإن "صوته حلو بالقرآن".
ويقول شادي إن الغياب المستمر لأي معلومة مؤكدة ترك أثراً بالغاً على العائلة، خصوصاً الوالدين اللذين يعيشان حالة صعبة منذ اختفائه، ويضيف: "بدنا أي معلومة عنه، إذا كان معتقلاً أو بخير أو شو صار فيه. بس نعرف". وتتابع عائلة مؤمن، كغيرها من عائلات الأسرى، مع عدة مؤسسات في الوقت نفسه لعلها تصل إلى أي معلومة حاسمة عنه.
وكان اسم مؤمن قد ورد ضمن قائمة بأسماء معتقلي غزة، تضمنت ردوداً من جيش الاحتلال ووصلت إلى هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير في ديسمبر 2024، إلا أن الملاحظة الواردة مقابل اسمه كانت :"عدم توفر معلومات". وتؤكد هيئة شؤون الأسرى والمحررين لـ"العربي الجديد" أنها فحصت ملف مؤمن أكثر من خمس مرات، فيما بقي الرد الإسرائيلي على حاله، رغم إفادات ثلاثة أسرى محررين على الأقل بوجوده داخل سجن عوفر.
11 ألف مفقود
تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى وجود أكثر من 11 ألف مفقود في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب، بينهم آلاف الأطفال والنساء، ويشمل الرقم المفقودين عموماً، ومن بينهم حالات الإخفاء القسري.
وفي حديثها إلى "العربي الجديد"، قدرت ندى نبيل، مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً (أهلي)، عدد المفقودين، بمن فيهم من هم تحت الأنقاض ومن يحتمل تعرضهم للإخفاء القسري، بما بين سبعة آلاف وثمانية آلاف.
وأوضحت أن العائلة، ما دامت لم تتسلم جثمان قريبها ولم تتأكد من مصيره، تبقيه ضمن قوائم المفقودين لدى المركز، ووفق معطيات المركز بلغ عدد الحالات الموثقة لمن أبلغت عائلاتهم عن اعتقالهم ويحتمل تعرضهم للإخفاء القسري نحو 700 شخص، مع التأكيد أن الرقم غير نهائي، وأن عملية التوثيق ما زالت شديدة التعقيد.
تشير نبيل إلى أن خطورة المسألة تمتد إلى أثرها الإنساني على العائلات نفسها، فعندما تتلقى رداً بأن الأسير "غير موجود"، ثم تظهر لاحقاً معطيات تناقض ذلك، أو حين يبقى المصير مجهولاً أشهراً طويلة دون أي إخطار رسمي، تدخل الأسرة في حالة انتظار قاس لا يتيح لها الحداد ولا المتابعة القانونية ولا حتى اليقين الأدنى بشأن ما إذا كان ابنها لا يزال حياً أو استشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من العائلات التي تتابعها المؤسسات تعيش بين أخبار متضاربة، وشهادات غير مكتملة، وردود مقتضبة، ما يحول الغموض من نتيجة جانبية إلى عبء يومي مستمر يعمق المعاناة النفسية ويترك الأسر معلقة بين الأمل والفاجعة، وتضيف :" العائلات تعيش على الأمل يوماً بيوم".
وتؤكد إفادات المؤسسات الحقوقية أن الإخفاء القسري اتخذ بعد السابع من أكتوبر 2023 طابعاً أوسع وأكثر وضوحاً، فقد أفادت مؤسسة الضمير "العربي الجديد" بأنها لم تتمكن من البدء بتوثيق منهجي لحالات أسرى غزة إلا بعد مايو 2024، حين سُمح لعدد محدود من المؤسسات بمراسلة جهة عسكرية إسرائيلية عبر البريد الإلكتروني الرسمي للاستفسار عن أسماء الأسرى. وبحسب معطياتها، بلغ عدد الحالات التي وثقتها حتى الآن 570 حالة، مع اعتقادها أن العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير.
وتندرج قضية منير الفقعاوي ونجله ياسين، من حي الأمل في خانيونس، ضمن مسار الردود الإسرائيلية المتضاربة بشأن أسرى غزة، إذ اعتقلت قوات الاحتلال الأب ونجله من منزل العائلة خلال العملية العسكرية في خانيونس في مارس 2024، بعد استجوابهما أمام أفراد الأسرة.
وعقب اعتقالهما، بدأت العائلة محاولات متكررة لمعرفة مصيرهما، معتقدة أنهما نُقلا إلى أحد مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، غير أن الجهة العسكرية الإسرائيلية المختصة أبلغتها، في يوليو 2024، بأنه لا توجد أي مؤشرات على اعتقالهما أو احتجازهما، ما يعني عملياً إنكار وجودهما ضمن الأسرى. ومع استمرار الإنكار، قدم مركز "هموكيد"، التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالكشف عن مصيرهما، ليتبين عبر المسار القضائي أن منير وياسين استشهدا بعد اعتقالهما، إذ أبلغ الجيش الاسرائيلي المحكمة أن الشرطة العسكرية فتحت تحقيقاً حول وفاتهما منذ إبريل 2024، لكن خلا الرد من إرفاق تقارير طبية توضح ظروف استشهادهما أو تسليم الجثمانين إلى العائلة، كما لم تقدم تفسيرات حول غياب معلومة استشهادهما عن السجلات الرسمية، رغم الإشارة إلى وجود تحقيق مفتوح منذ أشهر، بل ونفيها في ردودها السابقة للمؤسسات الحقوقية وجود أي مؤشر على اعتقالهما.
وبحسب أوراق القضية المسجلة لدى المحكمة العليا الإسرائيلية في نوفمبر 2024، فإن العائلة أُبلغت سابقاً بعدم وجود أي مؤشر على اعتقالهما أو احتجازهما لدى الجيش، وبعد ذلك ثبت أنهما استشهدا، كما أن الشرطة العسكرية كانت تحقق في شبهة بأن الاثنين استشهدا بعد الاعتقال، وأن المحكمة، رغم شطب الالتماس، اكتفت بتوجيه انتقاد إلى الجهات العسكرية بسبب الخطأ في المعلومات المقدمة والفجوة بين الرد المقدم للعائلة في يوليو والرد اللاحق المقدم في إطار الالتماس.
ماسبق، يؤكد أن اللجوء إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ليس مساراً ناجعاً أو منتظماً في قضايا المفقودين والمختفين قسراً، وإن الحالات التي أسفر فيها الالتماس عن كشف معلومات بقيت محدودة واستثنائية، بحسب ممثلة مؤسسة الضمير، التي أضافت أن المحكمة متواطئة فعلياً ولم تبد استجابة فعلية في الملفات، ولم تعد ترد على الالتماسات، وباتت تتعامل معها على أنها خارج نطاق اختصاصها، كما أشارت إلى أن بعض الملتمسين تكبدوا تكاليف إجراءات قضائية لا قبل لهم بها، وأن محدودية المسار وغياب نتائجه دفعا حتى المراكز الحقوقية الإسرائيلية مثل هموكيد إلى التراجع عن استخدامه في عدد من الملفات، في ظل غياب أي مسار قانوني فعال للكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسراً.
وتبرز معطيات أخرى تدعم ما خلص إليه التحقيق من وجود تناقضات وتضليل في المعلومات المتعلقة بمصير أسرى غزة، ففي 16 نوفمبر 2025، أعلن مكتب إعلام الأسرى أن فصائل المقاومة الفلسطينية تسلمت، عبر وسطاء وفي إطار اتفاق وقف إطلاق النار وصفقة التبادل، قائمة تضم 1468 اسماً من أسرى قطاع غزة، وبحسب المكتب، جرى التحقق من أوضاع معظم الأسماء، باستثناء 11 اسماً بقيت قيد البحث والتحري، بعد أن تراجع الاحتلال عنها من دون تقديم توضيح.
وفي مراجعة لهذه الأسماء، قالت مؤسسة الضمير لـ"العربي الجديد" إن ثلاثة من الأسماء الـ11 التي تراجع عنها الاحتلال كانت ضمن حالات تابعتها المؤسسة سابقاً، وكانت الردود الإسرائيلية بشأنها تفيد بعدم وجود أصحابها أو بعدم توفر معلومات عنهم، قبل أن يظهروا لاحقاً ضمن قائمة الأسرى المسلمة رسمياً، وهم: عيد علاء عيد حمد، وإسماعيل السيد إسماعيل أبو سخيل، ومحمود ياسر محمود رضوان.
وترى المؤسسة أن ورود الأسماء الثلاثة كاملة مرفقة بأرقام هوياتها ضمن قائمة الأسرى يشكل إقراراً بوجود أصحابها في السجون الإسرائيلية، قبل أن يتراجع الاحتلال عنها لاحقاً من دون تفسير، وتضيف أن ذلك يعزز الشكوك بشأن مصير عدد من الحالات التي عوملت سابقاً بوصفها مفقودة أو مجهولة المصير، رغم أن الردود الرسمية على استفسارات المؤسسة كانت تنص على أنه "لا يوجد مؤشر على اعتقالهم".
لا مهلة زمنية واضحة
لا توجد آلية تلزم سلطات الاحتلال بالرد على استفسارات الجهات الفلسطينية أو الحقوقية، كما لا توجد مهلة زمنية محددة لتقديم معلومات عن مكان الأسير أو وضعه، وفق ما توصلت إليه معد التحقيق عبر تتبع حالات الأسرى وإفادات المؤسسات الحقوقية والمحامين المتابعين للملف، وتشير الحالات التي راجعها التحقيق إلى أن الرد الأولي قد يصدر، في بعض الملفات، خلال مدة تتراوح بين خمسة أيام ونحو أسبوع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن يكون دقيقاً أو كافياً، ويقتصر غالباً على إجابة مقتضبة من قبيل "موجود" أو "غير موجود"، دون تفاصيل تتيح للمحامين أو المؤسسات سلوك مسار قانوني فعّال.
وجراء ذلك تقول مؤسسة الضمير إن الملف تجاوز قدرة المؤسسات والمحامين على متابعته عبر جهود متفرقة، وبات يحتاج إلى تحرك قانوني وسياسي ودولي منظم، وإلى جهة مركزية تتولى جمع الملفات ومتابعتها بصورة موحدة.
وتضيف أن التجربة الفلسطينية لم تشهد سابقاً ملفاً بهذا الحجم والوضوح من حيث الإخفاء القسري، كما جرى بعد الحرب الأخيرة على غزة، وهو ما يفرض، وفق تقديرها، دوراً أكبر على السلطة الفلسطينية واللجنة الدولية للصليب الأحمر في كشف مصير المختفين قسراً، والإجابة عن الأسئلة التي لا تزال معلقة لدى آلاف العائلات: أين هم؟ هل ما زالوا أحياء؟ وإن استشهدوا، فأين جثامينهم، وكيف استشهدوا؟
تقنين التجاوزات
تتجاوز الردود الإسرائيلية المضللة بشأن مصير أسرى غزة ومفقوديها حجب المعلومات إلى تكريس الإخفاء القسري، في مخالفة لالتزامات يفرضها القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها تسجيل المحتجزين، ونقل المعلومات المتعلقة بهم، وتمكين عائلاتهم من معرفة مصيرهم وأماكن وجودهم.
وبحسب المحامية أبو عين، لا يمكن فصل إنكار الاحتجاز أو حجب مصير الشخص أو إخفاء مكانه عن تعريف الإخفاء القسري في القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيما حين يأخذ الأمر طابعًا واسعاً أو ممنهجاً. ولا يقتصر الإشكال على غياب المعلومة، بل يمتد إلى أثر قانوني مباشر، إذ يؤدي إلى تعطيل الطعن، وإضعاف إمكان التوثيق، وعرقلة الوصول إلى آليات الحماية القانونية والدولية.
ويستند توصيف الاختفاء القسري إلى "اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري" والالتزامات القائمة بموجب اتفاقيات جنيف والقواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا سيما ما يتصل بحظر الاعتقال التعسفي، والحق في الحياة، والاعتراف بالشخص أمام القانون.
وفي السياق ذاته، يبرز تصنيف "المقاتل غير الشرعي" بوصفه أحد المسارات التي استغلها الاحتلال الإسرائيلي بعد الحرب الأخيرة على غزة لتوسيع سلطته على أسرى غزة وتقليص الضمانات القانونية الممنوحة لهم.
فالقانون المنظم لهذا التصنيف سن عام 2002، ثم عُدل عام 2008، قبل أن يجري الاحتلال الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر 2023 تعديلات وإجراءات طارئة عليه، وسعت فترات الاحتجاز وأخرت عرض المحتجزين على القضاء ومددت إمكان منعهم من لقاء محاميهم، ما وسع استخدامه بحق الفلسطينيين وتقييد الضمانات القانونية المقررة للأسرى، وتمديد احتجازهم دون لائحة اتهام. وبحسب أبو عين، أعفى القانون سلطة الاحتجاز من التزاماتها الأساسية، وفي مقدمتها حظر الإخفاء القسري ووجوب المعاملة الإنسانية والكشف عن المصير ومكان الاحتجاز.
ولا تقتصر جريمة الإخفاء القسري والتضليل في المعلومات المتعلقة بمصير الأسرى والمفقودين على قطاع غزة أو على سياق الحرب الأخيرة، وإن برزت بصورة واضحة ومتكررة خلالها، بل تكشف حالات موثقة امتداد هذه المنهجية إلى ما قبل الحرب وإلى الضفة الغربية، مثل قضية عبد الناصر البوز الذي اختفى في أغسطس 1989 بعد محاولته السفر سراً إلى الأردن عبر منطقة الأغوار، وبقيت العائلة أكثر من 23 عاماً من دون إجابة حاسمة، إلى أن فوجئت في مايو 2012 بطلب تسلم جثمان من مقابر الأرقام نُسب إليه، دون إخطار مسبق بأنه قضى.
وعقب تسلم الجثمان، لاحظت العائلة مؤشرات أثارت شكوكها بشأن الهوية، من بينها عدم تطابق الحجم والملابس ووجود سن ذهبية في الفك السفلي، ما دفعها إلى المطالبة بإجراء فحص للحمض النووي قبل الدفن. وأظهر الفحص، الذي أُجري في مختبرات الأمن العام الأردني، عدم تطابق الرفات مع عينات العائلة، ورغم تسليم النتائج إلى الجهات الرسمية الفلسطينية، لم تحصل العائلة حتى اليوم على معلومات حاسمة عن مصيره، ليبقى ملفه مفتوحاً بعد عقود على اختفائه.
وفي السياق، تشير الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، في إفادة لـ"العربي الجديد"، إلى توثيق نحو 76 حالة مرتبطة بالمفقودين والإخفاء القسري في الضفة الغربية، في إطار متابعتها ملف الجثامين المحتجزة. ويقول منسق الحملة حسين شجاعية إن متابعة الملف تكشف أن حالات الإخفاء القسري والتضليل في المعلومات لا ترتبط بالحرب على غزة فقط، بل تمثل امتداداً لسياسة إسرائيلية استخدمت في الضفة الغربية ومناطق أخرى خلال اجتياحات سابقة، عبر تغييب المصير أو التلاعب بالمعلومات لفترات طويلة.

أخبار ذات صلة.
حملة مصرية لمواجهة «كيانات الحج الوهمية»
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق