عربي
في وقتٍ تتصاعد فيه أسعار النفط العالمية إلى عتبة 120 دولاراً للبرميل، تجد تونس نفسها أمام اختبار مالي صعب، بسبب اتساع الفجوة بين تقديرات الموازنة وواقع الأسعار التي تهدد بتعميق عجز الموازنة في بلد يعاني من هشاشة مالية وهيكلية. وهذا العام اعتمدت الحكومة التونسية في إعداد موازنة 2026 سعراً مرجعياً في حدود 63 دولاراً للبرميل، بهدف التحكم في نفقات الدعم وتوقعات الواردات الطاقية غير أن السيناريو الحالي، مع إمكانية بلوغ الأسعار 120 دولاراً، يعني عملياً تضاعف السعر المرجعي تقريباً، وهو ما يُسقط أهم فرضيات التوازن المالي. ووفق بيانات سابقة كشفت عنها وزارة المالية سابقاً يكلف كل دولار إضافي في سعر النفط الميزانية حوالي 160 مليون دينار، ما يعني أن الفارق الذي يتجاوز 60 دولاراً قد يضيف أكثر من تسعة مليارات دينار (3.1 مليارات دولار) إلى الأعباء العمومية، وهي أرقام تضع المالية العمومية أمام ضغط غير مسبوق.
خيارات محدودة
يقول الخبير المالي آرام بالحاج إن أول التداعيات المباشرة تتمثل في تضخم فاتورة دعم المحروقات. وأكد بالحاج في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "الزيادة في أسعار النفط في السوق العالمية تؤدي حتماً إلى ارتفاع كلفة التوريد الطاقي بشكل كبير، وزيادة العجز التجاري ويضغط على احتياطي العملة الصعبة، خاصة أن تونس مستورد صافٍ للطاقة وتعتمد بشكل كبير على الخارج لتغطية حاجياتها وفق قوله". وسجل العجز التجاري في تونس خلال الربع الأول من عام 2026 ارتفاعاً طفيفاً ليبلغ حوالي 5.23 مليارات دينار، أي ما يعادل 1.8 مليار دولار مدفوعاً بشكل رئيسي بعجز قطاع الطاقة رغم تحسن الصادرات. ويرى بالحاج أن "حكومة تونس لا تملك هوامش مناورة كبيرة لتفادي عجز الموازنة"، مشيراً إلى أن ترميم العجز والمخاوف من انفجار التضخم قد يدفعان البنك المركزي التونسي إلى تشديد سياساته النقدية والرجوع إلى آلية رفع نسبة الفائدة. وأضاف: "سينعكس ارتفاع كلفة التوريد على التضخم، ما قد يخلق حلقة تضخمية يصعب التحكم فيها".
وبحسب المتحدث لا يقتصر تأثير صدمة النفط على الميزانية فقط، بل يمتد إلى كامل الاقتصاد، فارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة كلفة الإنتاج الصناعي والفلاحي لارتفاع أسعار النقل والخدمات، وفق قوله. وأشار في سياق متصل إلى أن تونس مطالبة بتشغيل محركات الاستثمار لتحسين مؤشرات النمو الاقتصادي ورفع الناتج المحلي الإجمالي. وتابع: "يجب أن تعمل الحكومة على المدى المتوسط على تحسين كل المؤشرات، من ذلك اعتماد آليات التحوط، مثل شراء النفط بعقود آجلة لتثبيت الأسعار وتحسين مناخ الاستثمار والدخول في شراكات مثمرة مع دول الجوار. وبحسب بالحاج، تبدو الخيارات المتاحة أمام الحكومة محدودة ومعقدة، مرجحاً أن تضطر هذه الأخيرة إلى إعداد قانون مالية تكميلي لتعبئة موارد إضافية وتعديل الفرضيات، وهو خيار تقليدي في حالات الصدمات الكبرى.
تمرير الزيادة للمستهلك
وكانت حكومة تونس تستهدف ضمن ميزانية 2026 ترشيد دعم المحروقات والكهرباء إلى نحو 4.9 مليارات دينار (1.7 مليار دولار)، بعد أن كان في حدود 5.7 مليارات دينار (مليارا دولار) سنة 2025، أي توفير نحو 726 مليون دينار نتيجة تحسين أداء المؤسسات والتحكم في الاستهلاك. لكن الخبير المالي لا يستبعد أن تضطر الحكومة إلى تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلك عبر آلية التعديل الآلي، ما يخفف الضغط على الميزانية لكنه يفاقم التضخم ويؤثر اجتماعياً وفق قوله. منذ عام 2022 تقريباً لم تشهد أسعار المحروقات في تونس زيادات كبيرة رغم التقلبات العالمية، وهو ما اعتُبر سياسة غير معلنة لتخفيف الضغط الاجتماعي في ظل تراجع القدرة الشرائية. وبسبب الضغوط الطاقية تسعى سلطات تونس إلى تسريع الانتقال الطاقي والاستثمار في الطاقات المتجددة لتقليص التبعية للخارج وتنويع مصادر التزود لتقليل المخاطر الجيوسياسية حيث صادق البرلمان مؤخراً على خمسة مشاريع قوانين تتعلق باتفاقيات لزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية بقيمة استثمارية تصل إلى 1.64 مليار دينار وقدرة إنتاجية للمحطات الخمس تصل إلى حوالي 598 ميغاواط.
وتعاني تونس منذ سنوات من اختلال هيكلي في منظومتها الطاقية، يتجلى في تراجع الإنتاج المحلي مقابل ارتفاع الطلب، إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الاستقلالية الطاقية لم تتجاوز 35% سنة 2025، بعد أن كانت في حدود 41% قبل سنوات، مما يعكس تزايد الارتهان للخارج. ورغم ثقل فاتورة الواردات، لا تزال خطة الانتقال الطاقي تواجه عراقيل عديدة، أبرزها بطء الإجراءات الإدارية وتعقيد منظومة التراخيص. وخلال السنوات الماضية، عانت تونس من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ما أدى إلى توسّع عجز الموازنة وزيادة حاجيات البلاد إلى الاستدانة الداخلية والخارجية لتأمين واردات المواد الأساسي. وتوقع البنك الدولي أن تشهد أسعار الطاقة قفزة بنسبة 24% خلال عام 2026، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا قبل أربع سنوات، في حال انتهاء أشد الاضطرابات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط خلال الشهر المقبل.

أخبار ذات صلة.
داليدا... حضور يتجدّد رغم الغياب
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة
وقف إطلاق النار من جانب واحد
العربي الجديد
منذ 41 دقيقة