الإنترنت في إيران... من حقّ عام إلى امتياز طبقي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد مرور أكثر من 60 يوماً على الانقطاع الواسع للإنترنت في إيران، لم يعد النقاش محصوراً في مسألة الحجب أو بطء الشبكة، وتحوّل السؤال من "لماذا انقطعت الإنترنت؟" إلى "من يستطيع الوصول إليها؟". فالشبكة التي كانت تُعدّ حقّاً عاماً وبنية أساسية للحياة الحديثة، صارت وفق المنتقدين امتيازاً يُمنح لفئات محددة تحت مسمّيات مثل "الإنترنت البيضاء" أو "الإنترنت المستقرة" أو "إنترنت برو" التي تُعرف شعبياً بـ"الإنترنت الطبقية". فرضت طهران في البداية حجباً على الإنترنت في الثامن من يناير/ كانون الثاني 2026 وسط الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي شهدتها البلاد، ثم أعادت الاتصالات تدريجياً إلى طبيعتها في فبراير/ شباط الماضي، قبل أن تبدأ حجباً جديداً عقب بدء الغارات الأميركية والإسرائيلية في نهاية الشهر نفسه. صحيح أن الشبكة المحلية بقيت متاحة لجميع المستخدمين خلال هذه الفترة، لكنّها لا تُتيح سوى الوصول إلى المنصات ووسائل الإعلام الداخلية، من دون إمكانية فتح المواقع الخارجية أو شبكات التواصل الاجتماعي الأجنبية. وهذا ما دفع بعض المستخدمين إلى شراء روابط أو اشتراكات اتصال بديلة عبر الإنترنت الفضائية ستارلينك، تتيح لهم الوصول إلى الإنترنت الدولية مقابل مبالغ كبيرة. وقال الخبير التقني الإيراني محمد جواد متبحّر، لـ"العربي الجديد"، إنّ خدمة الإنترنت الدولية لا تزال مغلقة أمام عامة الناس بعد مرور شهرين على حجبها، موضحاً أنّ هذا الانقطاع الذي فرضته الحكومة لأسباب أمنية يحمل وجوهاً متعددة، إذ لا يقتصر على منع وصول "عناصر عميلة" في الداخل، بل يشمل كذلك السيطرة على الفضاء النفسي للمجتمع. وأضاف أنّ جزءاً مهماً من المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل يتمثّل في الحرب الإعلامية والحرب النفسية، مشيراً إلى قدرات الطرفين الأميركي والإسرائيلي في المجال الإعلامي وسيطرتهم على الفضاء الرقمي، وما يمكن أن تسبّبه الحملات المكثّفة وصناعة الروايات على منصات التواصل من تأثير على الرأي العام. وعن الفئات التي تحصل حالياً على الإنترنت الدولية في إيران، أوضح متبحّر أنّه، باستثناء الجهات الأمنية، يجري منذ نحو شهر فتح الإنترنت طبقياً وانتقائياً لبعض القطاعات المهنية مثل وسائل الإعلام والصحافيين. وأكّد أنّ هذا الوصول ليس عاماً، بل يتم حصراً عبر المؤسسات المهنية الرسمية. وبحسب متبحّر، فإن الفئات التي يمكنها التقدّم بطلبات رسمية عبر نقاباتها تشمل شركات الملاحة والشحن، والشركات التجارية، والمؤسسات الإلكترونية، والجهات التي تعتمد أعمالها على البنية الرقمية. وتقوم هذه النقابات بدورها بتقديم طلبات فتح الإنترنت لعددٍ محدّد من العاملين الحاصلين على تراخيص رسمية. ورأى متبحّر أنّ بقاء الوضع الحالي "غير مرجّح" على المدى الطويل، لكنّه أشار إلى أنّ العودة إلى الوضع السابق قد تستغرق وقتاً أيضاً. كذلك أشار الخبير التقني إلى أنّ طريقة تفعيل الإنترنت الدولية بصيغتها الحالية "قد تكون جذّابة" لبعض مزوّدي الخدمة، مثل شركة همراه أول لاتصالات الهاتف المحمول، بسبب الرسوم الكبيرة التي تُحصَّل مقابل هذه الخدمة، ما يجعل احتمال استمرار النموذج الحالي ممكناً، ولو بنسبة ضئيلة. وتوقّع أن تشهد الخدمة توسعاً تدريجياً بحيث تُتاح لشرائح أوسع من المستخدمين، لكن "بالآلية والتكلفة نفسها"، رغم تأكيده أنّ هذا الاحتمال ليس الأقوى أيضاً. تدخل قضائي بعد ظهور سوق سوداء للإنترنت والحديث عن عمليات فساد مرتبطة به، أمر رئيس السلطة القضائية في إيران غلام حسين محسني إيجئي، الاثنين الماضي، النيابة العامة ومنظمة التفتيش العام بالبت بشكل جاد في ملف التقارير التي تتحدث عن وقوع فساد وتمييز في منح ما يُعرف بـ"الإنترنت ذات الخطوط البيضاء" و"الإنترنت برو". ونقل التلفزيون الإيراني عن محسني إيجئي قوله إن "التقارير الواردة تشير إلى أنّه في القضية المعروفة بالإنترنت ذات الخطوط البيضاء والإنترنت برو وقعت أحداث تستدعي تدخّل النيابة العامة ومنظمة التفتيش العام بجدية للتحقيق فيها"، وأضاف أنه "لن يكون مقبولاً أن يستغل أشخاص غير مؤهلين أو عناصر انتهازية هذا المجال لتحقيق مكاسب مالية أو سوء استخدام"، مؤكداً أن السلطة القضائية "ستتدخل في هذا الملف في إطار حماية الحقوق العامة". وأشار رئيس السلطة القضائية الإيرانية إلى أن البلاد تمرّ بظروف حرب، وهو ما يفرض أولويات ومتطلبات خاصة، لكنّه شدّد في الوقت نفسه على أن السلطة القضائية، إلى جانب متابعتها الحازمة ملفات العناصر التي تُصنّفها على أنها مهدّدة للأمن، لن تغفل أولوياتها الأساسية الأخرى. وأكّد أن من بين هذه الأولويات "إحياء الحقوق العامة"، مشيراً إلى أن متابعة هذا الملف تأتي في هذا الإطار. بداية "إنترنت برو" في خضم هذه التطورات، برز مشروع "إنترنت برو" (Internet Pro) الحكومي كآلية لتوفير اتصال أكثر استقراراً لفئات توصف بـ"المهن الحيوية"، مثل أساتذة الجامعات والصحافيين وبعض الشركات التقنية. وكان قطع الإنترنت لنحو 20 يوماً عقب احتجاجات في يناير/ كانون الثاني الماضي، وما كبده من خسائر لقطاعات واسعة في إيران، قد أدى لظهور فكرة "الإنترنت المستقرة" أو "الإنترنت برو"، بحسب صحيفة شرق الإيرانية الإصلاحية، التي قالت إنها طُرحت كمخرج لمنع تعطّل كامل، لكنّها صارت محور جدلٍ واسعٍ اليوم. ونقلت الصحيفة عن أحمد مرادي الذي يدير شركة ناشئة في الأمن السيبراني قوله إن ما حصل عليه "إنترنت محدودة"، موضحاً: "لدينا وصول إلى خدمات محدّدة فقط، ولا يمكن استخدام الشبكات الاجتماعية المحجوبة. السقف اليومي خمسة غيغابايت، وإذا تجاوزناه يُقطع الاتصال"، مضيفاً أن الخدمة "لا تشبه إطلاقاً الإنترنت العامة". وذكرت "شرق" أن الحصول على "إنترنت برو" يتطلب تقديم طلب رسمي عبر المؤسسات المعنية، وإدراج بيانات المستخدمين في قوائم تُرفع إلى لجنة مختصة تضمّ وزارة الاتصالات ومركزاً وطنياً. وبيّنت شهادات نقلتها الصحيفة إلى أن الخدمة نفسها ليست موحّدة، ففي حين قال مرادي إن الاتصال محدود، أفاد أستاذ جامعي بأنه يتمتع بوصول شبه كامل إلى مختلف الخدمات، ما يعكس تفاوتاً حتى داخل الفئات المستفيدة. ونقلت وكالة فارس الإيرانية المحافظة، الاثنين الماضي، عن مسؤول قوله إن القيود المفروضة جاءت لأسباب أمنية، بهدف منع تكرار هجمات سيبرانية استهدفت بنى تحتية حيوية، من بينها خدمات مصرفية. وأكّد أن "إنترنت برو" ليست موجّهة لعامة الناس، بل صُمّمت لضمان استمرارية الخدمات في أوقات الأزمات، نافياً وجود سياسة "إنترنت طبقية"، ومشيراً إلى أن توجيه استهلاك البيانات نحو المنصات المحلية يُعدّ خياراً استراتيجياً لدعم البنية الرقمية الوطنية. شهادات من الشارع حول قطع الإنترنت أثار مشروع "إنترنت برو" في إيران جدلاً متزايداً خلال الفترة الأخيرة بين المواطنين والمهنيين في قطاعات مختلفة، في ظل مخاوف من ترسيخ ما بات يُعرف بـ"الإنترنت الطبقية". بالنسبة للمنتقدين فإن هذه الخطوة تؤدي إلى توسيع الفجوة الرقمية داخل المجتمع، بعدما سبق الحديث في السنوات الماضية عن "بطاقات اتصال بيضاء" تمنح وصولاً أقلّ قيوداً لفئات محددة. في مقابلات مع "العربي الجديد"، انتقد مواطنون إيرانيون بشدّة استمرار قطع الإنترنت في البلاد، وعبروا عن استيائهم مما يعتبرونه "تمييزاً طبقياً" في الوصول إلى الإنترنت مع شكاوى من فقدانهم أعمالهم الرقمية بسبب استمرار القطع. وقالت المصمّمة الغرافيكية، مريم رضائي، التي تعمل بشكل مستقل في طهران إن قطع الإنترنت أفقدها عملها. وأضافت: "معظم زبائني من خارج إيران، وعندما تتباطأ الإنترنت أو تنقطع أفقد القدرة على التواصل معهم أو إرسال الملفات. إذا أصبح الوصول السريع متاحاً فقط لفئة معيّنة أو بأسعار مرتفعة، فهذا يعني أن كثيرين مثلنا سيُقصَون من سوق العمل". من جانبه، رأى الطالب في مجال هندسة الحاسوب، علي كاظمي، أن الإنترنت يجب أن تكون متاحة للجميع على قدم المساواة. وقال لـ"العربي الجديد": "الوصول الحر إلى الإنترنت ليس ترفاً، بل ضرورة للتعليم والبحث"، مضيفاً: "عندما تصبح الإنترنت الجيدة امتيازاً، فهذا يخلق فجوة بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع، ويؤثر على فرص التعليم والعمل". أما طالبة الدراسات العليا سهيلا فقالت إن الوصول إلى قواعد البيانات والمصادر العلمية الدولية أصبح أكثر صعوبة، وتابعت: "بعض الأساتذة لديهم اتصال مستقر، لكنّ الطلبة يواجهون عراقيل يومية. ندفع مبالغ كبيرة لبرامج غير مضمونة فقط لنتمكن من تحميل بحث أو حضور ندوة افتراضية". بدوره، عبّر صحافي إيراني، فضّل عدم الكشف عن اسمه، عن اعتقاده بأن منح بعض الفئات وصولاً خاصاً قد يضعهم في موقف حساس. وأوضح: "إذا مُنح الصحافيون إنترنت أقلّ تقييداً باعتبارها امتيازاً، فذلك يعني أيضاً أنه يمكن سحبها. هذا قد يدفع بعض الصحافيين إلى توخي حذر أكبر في ما يكتبونه حتى لا يفقدوا هذا الامتياز". من جهته، قال رضا محمدي، الذي يملك متجراً إلكترونياً صغيراً، إن أي انقطاع في الإنترنت ينعكس فوراً على دخله، مضيفاً: "عملي يعتمد على الشبكة. عندما تُقطع الإنترنت تتوقف الطلبات والدفع الإلكتروني. إذا أصبحت الإنترنت السريعة حكراً على فئة معينة فسيكون من الصعب على أصحاب الأعمال الصغيرة الاستمرار". ورأى منتقدون أن هذا النموذج يُحوّل الإنترنت من حق طبيعي إلى امتياز مشروط، ويعيد إنتاج منطق التمييز والريع. وكتب الصحافي الإيراني ياشار سلطاني على منصة إكس: "الإنترنت الحرة حق عام، لا امتياز للبيع. إنترنت برو تعني طبقية حق عام". كما نشر موقع خبر أونلاين تحليلاً اعتبر فيه أن الإنترنت الطبقية تتجاوز كونها إجراءً تقنياً، لتصبح أداة لإعادة تشكيل الفوارق الاجتماعية عبر "ريع معلوماتي" يفاقم التباينات الاقتصادية، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة خدمات كسر الحجب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية