تُثير طريقة تعاطي سفير اليمن في بريطانيا ياسين سعيد نعمان مع جريمة مقتل مدير مدارس النورس الأهلية الدكتور عبدالرحمن الشاعر في عدن السبت الماضي، في منشور نشره على صفحته على فيسبوك، تساؤلات مشروعة حول حدود الموقف الأخلاقي والسياسي المطلوب في لحظة إدانة جريمة بهذا الحجم. فبدلاً من موقف واضح وحاسم يضع الجريمة في إطارها الإنساني والقانوني، جاء منشوره حريصاً على استدعاء تاريخ جرائم الاغتيالات بعد الوحدة التي طالت كوادر جنوبية وشمالية في الحزب الاشتراكي، وكأن دم الضحية الحالية يُعاد إدخاله في متاهة الماضي، لا بوصفه جريمة تستحق الإدانة الواضحة، بل حلقة في سردية طويلة قد تخدم الفعل الإجرامي بدل أن تُدينه ومرتكبيه.
واضح أن السفير لم يُدن الجريمة بوضوح ولا مباشرة، ولكنه راح يفتح موضوع جرائم الاغتيالات التي طالت كوادر الحزب بعد الوحدة، والتي كان وراءها تنظيم الجهاد اليمني بزعامة أسامة بن لادن، بشهادة صريحة من الخبير في جماعات الجهاد والقاعدة سعيد عبيد الجحمي في كتابه تنظيم القاعدة في اليمن، والذي أصبح بعد سقوط صالح أحد أبرز الوجوه في تيار الانفصال، وبرز كأحد قادة المجلس الانتقالي الجنوبي ومنظّريه في القنوات الفضائية الداعمة له، ثم تولّى رئاسة مركز دعم القرار التابع للمجلس قبل أن يستقيل بسبب ضعف التمويل، مع استمرار تبنيه لموقف داعم لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي ودعمه لفكرة إعادة تأسيس “الدولة الجنوبية”، وذلك كما ورد في نص استقالته، ليُعيَّن لاحقاً مستشاراً لمحافظ عدن الجديد.
وسعادة السفير ياسين سعيد نعمان يعلم أن إدانة الجريمة الجديدة مقدّمة على استدعاء جرائم الاغتيالات القديمة التي مرّ عليها أكثر من ثلاثين عاماً، والتي أعقبتها حرب أهلية مدمرة سبقتها أزمة سياسية طاحنة أنهكت اليمن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وصولاً إلى الحرب الأهلية الأخيرة التي بدأت بزحف مليشيا الحوثيين وأنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح من صعدة إلى عمران ثم صنعاء، وصولاً إلى تعز وعدن وشبوة وأبين وغيرها، تحت شعار تخليص اليمن من القوى التقليدية والقبلية.
إن عدم إدانة الجريمة الجديدة في عدن ليس موقفاً جديداً لسعادة السفير ولا للتيار الذي يمثله، فقد سبق لهم السكوت عن عشرات جرائم الاغتيالات التي حدثت في عدن عقب تحريرها من الغزاة الحوثيين والصالحيين، وهي الاغتيالات التي طالت كثيرين، بدءاً بمحافظ عدن جعفر سعد ومرافقيه، وعشرات من الكوادر الجنوبية من حزب الإصلاح والسلفيين وأئمة المساجد والدعاة والتربويين والناشطين، وكلهم جنوبيون مثل العقيد ماجد مرشد، حيث تم قتلهم جهاراً نهاراً في شوارع عدن. والمتهم الحصري في تلك الوقائع هو مليشيات دعاة الانفصال من مناطق مخزون جيش دولة الحزب الاشتراكي السابقة، وكوادر الحزب فرع الجنوب، إضافة إلى مجموعات من المخابراتيين والسلفيين الذين تم تأطيرهم لاحقاً في المجلس الانتقالي الجنوبي، برعاية ودعم دولة الإمارات العربية المتحدة، ضمن تشكيلات مسلحة متعددة مثل الحزام الأمني وما يسمى بالقوات الجنوبية المسلحة وغيرها.
ولأن سعادة السفير لم يُدن الجريمة بوضوح ولا حتى تلميحاً، ولم يقدم تحليلاً يماثل تحليلاته لمباريات كرة القدم العالمية، فليس تجاوزاً القول إنه أتاح بمنشوره لمن يريد تبرير الجريمة الجديدة، تماماً كما برر سابقاً عمليات العنف والاعتداء على الجنوبيين وإحراق بعض مقرات حزب الإصلاح في حضرموت وعدن أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لانتخاب الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، حيث جرى تبرير تلك الأحداث باعتبارها ردود فعل على استفزاز الحراكيين المطالبين بالانفصال.
ما يتجاهله ياسين سعيد نعمان أن تبرير أي جريمة أو السكوت عن القتلة هو ذات الداء الذي ابتُليت به اليمن جنوباً وشمالاً خلال زمن الثورات والجمهوريات. ولعل ياسين يتذكر أن اغتيال القيادي الماركسي عبدالله عبدالمجيد السلفي في عدن في 28 نيسان (أبريل) 1966 كان رد فعل لاغتيال الزعيم النقابي البعثي علي حسين القاضي على يد عناصر بارزة من الجبهة القومية، ثم انفرطت سلسلة الاغتيالات شمالاً وجنوباً حتى اليوم، ودخلت البلاد في النفق المظلم بحسب تعبيره الشهير.
وفي السياق التاريخي، لا بأس أن نذكر سعادة السفير أن اغتيال مشايخ خولان في شبوة وتفجير معسكر ضيافتهم على أيدي عناصر من نظام الجبهة القومية الحاكم في عدن كان من أبرز أسباب حرب 1972 بين الشطرين، وأن اغتيال الغشمي كان من أبرز أسباب حرب 1979.
وفي سياق هذه المرحلة، لا يمكن إغفال سلسلة من الاغتيالات التي طالت شخصيات سياسية ووطنية بارزة، يُشار إليها باعتبارها عمليات منسوبة إلى أجهزة استخبارات نظام الحزب الحاكم في جنوب الوطن، وعبر ما وُصف بعناصره وعملائه داخل البلاد وخارجها، ومن ذلك اغتيال عضو المجلس الجمهوري الشيخ محمد علي عثمان في مايو 1973 عقب صلاة الفجر وسط مدينة تعز، واغتيال المناضل الناصري محمد علي الشعيبي في لبنان انتقاماً من كتابه اليمن الجنوبية وراء الستار الحديدي الذي وثّق فيه جرائم القتل والاغتيالات والإخفاء والسحل بالاسم والتاريخ في جنوب الوطن، وكذلك جريمة اغتيال وزير الخارجية السابق المناضل الكبير محمد أحمد نعمان في يونيو 1974 في بيروت، إضافة إلى اغتيال القاضي عبدالله الحجري في العاصمة البريطانية لندن عام 1977، ومحاولتي اغتيال فاشلتين للمناضل محمد علي هيثم في القاهرة، وهي وقائع وُجهت فيها أصابع الاتهام إلى جهاز أمن الدولة الجنوبي وشبكاته داخل الوطن وخارجه.
كما أن كثيرين من أفراد الحفنة والزمرة المعارضين لنظام الحزب في عدن، وأفراد الجبهة الوطنية وأنصار الرئيس إبراهيم الحمدي المعارضين لنظام صنعاء، مارسوا كلهم أفعالاً انتقامية لما لحق بهم من اغتيالات وإقصاءات من قبل الحكام. ومن ثم فإن فتح ملفات الماضي لتبرير أو التخفيف من بشاعتها أو صرف الأنظار عن المجرمين هو مشاركة مؤسفة في الجريمة، بل أسوأ أخلاقياً من فعل القتلة، خاصة عندما يصدر من شخص بحجم سفير اليمن في بريطانيا ورئيس البرلمان الأول بعد الوحدة والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي. فالتبرير سلاح ذو حدين، يرتد على صاحبه، وكما برر البعض جرائم الانفصاليين الجديدة المستمرة منذ 2015، فإن غيرهم سيبررون جرائمهم القديمة ضد الاشتراكيين، ولا عزاء للطرفين، إذ إن الضحايا في النهاية يمنيون.
The post جريمة عدن ومنطق استدعاء الماضي في خطاب ياسين سعيد نعمان appeared first on يمن مونيتور.