مرضى غزة العالقون في الضفة الغربية.. مآسٍ في انتظار الفرج
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لم يحظَ الطفل الغزّي جميل غنيم بفرصة لقاء والديه ولو لمرة واحدة منذ ولادته، إذ وجد نفسه على بُعد مسافة من عائلته قبل أن يعي العالم من حوله. فقبل أسبوع واحد فقط من اندلاع الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، غادر الرضيع، الذي لم يتجاوز عمره آنذاك عشرة أيام، برفقة جدّته إلى الضفة الغربية لتلقي العلاج في المستشفى الأهلي بمدينة الخليل، إثر إصابته بانسداد في الشرايين المغذية للقلب، وهي حالة كادت تودي بحياته. تستعيد جدّته، أم محمود فرحات (54 عاماً)، تفاصيل الرحلة التي بدأت كأنها سباق مع الزمن لإنقاذ حياته، بعد حصوله على تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع. تقول الجدة في حديث لـ"العربي الجديد"، إنها اضطرت إلى مرافقته وحدها، في ظل عجز والدته عن السفر بسبب وضعها الصحي، واقتصار الموافقة الإسرائيلية على اسمها فقط. وما إن بدأ الطفل رحلته العلاجية داخل المستشفى حتى تبدّل المشهد بالكامل، إذ اندلعت الحرب في قطاع غزّة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تزال تداعياتها مستمرّة حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين، بقيت الجدّة عالقة مع حفيدها في الخليل، ترعاه وحدها بعد أن تركت خلفها أبناءها وزوجها المريض، الذي يعاني السكري وجلطة في القلب. وتقول الجدة إن قرارها لم يكن خياراً بقدر ما كان ضرورة لإنقاذ حياة الطفل في ظل وضع صحي حرج استدعى تدخلاً عاجلاً. تحوّلت رحلة العلاج المؤقّتة إلى غياب قسري للطفل عن والديه، فيما زاد المشهد قلقاً وخوفاً حجم العدوان على قطاع غزة وما رافقه من نزوح العائلات وانقطاع الاتصالات، ما وضع أم محمود في حالة من الضيق والخوف. تقول بأسى: "الطفل الذي نشأ بعيداً عن والدته لا يتعرّف عليها حتى عبر الهاتف، بل يرفض أحياناً الحديث معها، وحتى الآن لا يعرف معنى كلمة (ماما).. منذ وعيه على الدنيا جدّته هي الشخص الوحيد الحاضر في حياته". تروي الجدة أن حفيدها جميل يبلغ اليوم عامين وسبعة أشهر، وقد تحسنت حالته الصحية بعد تلقيه العلاج، غير أن رحلته لم تنتهِ بعد، إذ ما يزال محروماً من العودة إلى حضن والديه. وتنتظر أم محمود السماح لها ولحفيدها بالعودة إلى قطاع غزة، وسط مماطلة إسرائيلية في الاستجابة لطلبات العودة، رغم تأكيد الجهات الفلسطينية المختصة رفع اسميهما ضمن قوائم التنسيق للمنتظرين عودتهم إلى القطاع. وتقيم أم محمود مع حفيدها في سكن تابع للمستشفى الأهلي بمدينة الخليل، حيث تتكفّل إدارة المستشفى بتأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وعلاج، إلى جانب عدد آخر من المرضى وذويهم. أما المصاريف اليومية التي تغطّي الحدّ الأدنى من تكاليف حياتهما، فتأتي من تبرعات "أهل الخير"، والتي تقول إنها غالباً ما تعيد توجيهها إلى عائلتها في غزة، التي تعيش ظروفاً قاسية داخل خيام في مخيم الشاطئ حالياً، بعد أن كانت قد عاشت سابقاً موجات نزوح متكرّرة في مختلف مناطق القطاع. ترافق أم محمود في سكن المستشفى 21 امرأة أخريات مع ذويهن من الأطفال أو المرضى من الرجال والنساء، يعيشون في غرف محدودة المساحة. ففي غرفتها مثلاً، تقيم ثلاث نساء مسنّات وفتاة وطفلان، من بينهم جميل، الذي ينام إلى جانبها على السرير نفسه بسبب نقص الأسرّة. تؤكد أم محمود أن المستشفى يبذل طاقة تفوق إمكانياته سعياً لاستمرار عمله وتوفير العلاج لجميع المراجعين، بما في ذلك مرضى غزّة، إلا أن ذلك لا يغني عن الاستقرار الطبيعي بين أسرهم في القطاع، رغم صعوبة الأوضاع فيه. وما يزيد الحال تعاسة، وفق أم محمود، هو البيئة التي يعيش فيها الطفل منذ ولادته بين مرافق المستشفى، وتقول: "نعيش كأننا في سجن مفتوح، هنا لا يحظى جميل بحرّيته كباقي الأطفال، ولا يملك مساحة للحركة واللعب، ولا يعرف والديه". ولا تقتصر معاناة أم محمود وحفيدها على قصتهما وحدهما، بل تمتد لتشمل مئات الغزيين العالقين في الضفة الغربية منذ ما قبل اندلاع الحرب، إذ يمكث جميعهم هناك منذ ما قبل الحرب على غزة، ويزيد عددهم عن 880 مريضاً ومرافقاً، من دون أفق واضح للعودة أو المغادرة. ويروي عبد الله بركة (26 عاماً)، وهو أحد العالقين في الضفة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، تفاصيل وصوله إلى مدينة الخليل لتلقي العلاج قبل اندلاع الحرب بيوم واحد فقط، حيث خضع لعملية جراحية في الأمعاء، قبل أن يجد نفسه عالقاً هناك منذ ذلك الحين من دون مرافق. يقول بركة: "أتلقى العلاج البيولوجي كلّ 15 يوماً، وهو غير متوفر في غزة، ومنذ 11 سنة أعاني أمراضاً مزمنة في المعدة، وأتمنى العودة إلى القطاع، لكنّ الظروف لا تسمح لي الآن". ويتابع: "منذ سنتين ونصف وأنا محروم من أهلي، وخلال الحرب كان القلق عليهم قاتلاً"، مشيراً إلى أن عائلته في دير البلح فقدت العشرات من أقاربها، بينهم أعمام وأبناء عمومة. ويشير بركة إلى أن بعض الغزيين العالقين في الضفة الغربية من المرضى وذويهم حاولوا السفر عبر الأردن، ولا سيما من لديهم عائلات في الخارج، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، مشيراً إلى أن التبرير الذي يصلهم يرتبط بمخاوف من ترسيخ التهجير. يوضح بركة أن الغزيين في الضفة الغربية موزعون بين مساكن وفّرتها جهات رسمية وأخرى تابعة لمستشفيات خاصة، مضيفا: "لكن في كل الحالات، نحن نعيش دون استقرار حقيقي، ومعتمدون على مساعدات محدودة وبعض فرص العمل الشحيحة". ويفيد بركة أن وزارة العمل الفلسطينية توفّر لهم مخصصاً مالياً يُصرف كل أربعة أشهر تقريبا، بقيمة تصل إلى نحو 220 دولاراً، مضيفاً: "المبلغ لا يكفي لأبسط متطلبات الحياة، ونتمنى أن يكون هذا الدعم منتظماً". ويؤكد أن قصص العالقين لا تخلو من المآسي، مستشهداً بحالة امرأة توفيت في الضفة الغربية بينما كان أبناؤها في غزة، بعد أن بقيت لفترة طويلة تناشد العودة من دون أن يتحقق ذلك. وبحسب بركة، يقيم حالياً نحو ألف مريض ومرافق لهم في مستشفيات الضفة الغربية، و"جميعهم يناشدون إيجاد حل عاجل لقضيتهم"، في ظل استمرار المعاناة الإنسانية وتدهور الأوضاع المعيشية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية