محسن المهداوي لـ"العربي الجديد": قضيتي اختبار للدستور الأميركي
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
توصف قضايا ترحيل طلاب الجامعات في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم الباحثون الفلسطينيون، مثل محسن المهداوي ومحمود خليل من جامعة كولومبيا، اللذين يمتلكان إقامة دائمة بالولايات المتحدة (غرين كارد)، بأنها أكبر اختبار للحريات في البلاد خلال آخر 50 عاماً، وذلك لما تحمله هذه القضايا من انعكاسات على غير المواطنين داخل الولايات المتحدة، وعلى حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك إمكانية استهداف أشخاص بسبب آرائهم وتظاهرات يشاركون فيها. "العربي الجديد" التقت الباحث الفلسطيني محسن المهداوي الذي ولد في مخيم للاجئين بالضفة الغربية المحتلة، وانتقل إلى الولايات المتحدة منذ نحو 10 سنوات، وهو طالب في جامعة كولومبيا في نيويورك، وحاصل على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة (غرين كارد). تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإلغاء إقامة المهداوي وترحيله خارج البلاد، حيث اعتُقل قبل عام، بسبب مشاركته في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، وذلك من مبنى فيدرالي لدى وصوله لإجراء مقابلة تخصّ طلبه للحصول على الجنسية الأميركية، في إبريل/ نيسان 2025. في ذلك الوقت صدر أمر يمنع إدارة ترامب من ترحيل المهداوي أو نقله خارج ولاية فيرمونت. وبعد احتجازه لمدة أسبوعين، خرج المهداوي من المحكمة الفيدرالية في بيرلنغتون بولاية فيرمونت، بأمر من قاضي المحكمة الجزئية الأميركية جيفري كروفورد، الذي اعتبر أن احتجاز المهداوي لمدة أسبوعين يسبب "ضرراً بالغاً لشخص لم يتهم بارتكاب أي جريمة". سرد المهداوي في الحوار الذي استمر لنحو ساعة كاملة ظروف نشأته في المخيم وكيف أثر على نظرته للحياة وصولاً إلى دراسته في جامعة كولومبيا وقضية ترحيله. كما وصف تأثير القضية الفلسطينية على نظرته في الحياة وكيف يقاوم من خلال مواجهة ترحيله، إلى جانب تأثير الحراك من أجل غزة على مستقبل القضية الفلسطينية. وأكد أنه لا يخشى الترحيل، لأن قضيته عادلة، متحدثاً بمرارة عن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون في الداخل والخارج. وقال إن محاولة ترحيله منحته صوتاً أقوى مما كان لديه، وإنه يواصل النضال من أجل قضيته. كما شدد على أنه يرى أملاً كبيراً لأن "مستقبل القضية الفلسطينية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل أميركا ومستقبل الإنسانية".  *ما هو الموقف الآن في القضايا التي حرّكتها إدارة ترامب لترحيلك؟ لدي قضيتان، أصدرت قاضية الهجرة نينا فرويس في واحدة منها قراراً بإنهاء الإجراءات بترحيلي لأن إدارة ترامب لم تتبع الإجراءات الصحيحة، بعدما خلصت إلى أن وزارة الأمن الداخلي لم تقدم ما يكفي لإثبات أنه يجب ترحيلي، واعتمدت في ذلك على مستند غير موثق وقعه وزير الخارجية ماركو روبيو. ولكن إدارة ترامب استأنفت على القرار والآن القضية أمام هيئة الاستئناف في قضايا الهجرة، ومن المتوقع أن تصدر قرارها خلال شهر. المفارقة أن إدارة ترامب فصلتها (فرويس وكذلك قاضية الهجرة روبال باتيل، الشهر الحالي، إثر رفضهما قضايا ترحيل) بسبب اتباعها الإجراءات القانونية الصحيحة، ضمن آخرين. ويمكنها أيضاً فصل أعضاء هيئة الاستئناف لأنهم معيّنون من وزارة العدل. حال اتخاذ قرار ضد ذلك، سنطعن عليه أمام الدائرة الأولى في بوسطن بولاية ماساتشوستس، وهي محكمة فيدرالية، وتعتبر من أكثر الدوائر ليبراليةً، ولا يتوقع أن يكون قضاتها منحازين لإدارة ترامب، لذا أنا متفائل على المدى البعيد بالمسار الذي قد تسلكه قضيتي. القضية الثانية أمام الدائرة الثانية في نيويورك، وتتعلق بالاستئناف الذي طلبته الحكومة من أجل سجني وهل يحق لهم أن يسجنوني إذا كان هناك أمر ترحيل ضدي، ونؤكد فيه أن محاولة احتجازي تعتبر إجراءً انتقامياً بسبب نشاطي الداعم للقضية الفلسطينية، وأنه لا يحق للحكومة اعتقال شخص ووضعه في السجن إذا لم يكن يشكل خطراً حقيقياً على المجتمع. والقضاة الثلاثة الذين استمعوا إلى قضيتي معينون من الجمهوريين: اثنان منهم عينهم دونالد ترامب، وواحد عينه جورج بوش الابن، وجاؤوا (وصلوا إلى مناصبهم) بالقرعة. القضية لا تزال معلقة، ولا نعرف متى سيصدر القرار، لكنني متفائل على المدى الطويل عندما تتحرك إلى المستوى القضائي الأعلى. *يقول خبراء قانون في الولايات المتحدة إن قضيتك ومحمود خليل وآخرين ربما تمثل أكثر قضايا حرية الرأي والتعبير أهمية خلال آخر 50 عاماً. إلى أي مدى ترى تأثيرها فيك وفي المجتمع المحيط بك؟ قضايانا ستؤثر في 13 مليوناً من حاملي بطاقة الإقامة الدائمة في أميركا، وستؤثر أيضاً في حاملي التأشيرات، كما ستؤدي إلى تقييد الحريات، وقد تمهد بالفعل لإقامة نظام ذي مستويين من الحريات في الولايات المتحدة: مستوى للمواطنين، ومستوى أقل لغير المواطنين.  إدارة ترامب استخدمت الحراك الفلسطيني كحصان طروادة لفرض سيطرتها على الجامعات الليبرالية  رؤية ترامب والإدارة تعود إلى ما ورد في مشروع 2025 (Project 2025)، وهو خطة وضعتها مؤسسة هيرتيج المحافظة لإعادة هيكلة الحكومة الفيدرالية الأميركية في حال فوز ترامب قبل انتخابات 2024، الذي يتعمد خلق طبقات مختلفة من الحقوق، وهو أمر يتعارض مع الفلسفة الدستورية الأميركية. كانوا ناقمين على الجامعات الليبرالية، ويهدفون، حتى قبل أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)، (عبر) مخطط، لضرب هذه الجامعات. وكان الحراك الفلسطيني بالنسبة لهم بمثابة حصان طروادة الذي يمكّنهم من التغلغل، وساعدهم في ذلك النفوذ الصهيوني الموجود في الجامعات، والمتجذر خصوصاً من خلال المتبرعين والتمويل. وبمجرد أن بدأ الحراك الفلسطيني في الجامعات (2024)، حاولوا تصويره على أنه معاد للسامية. كل انتقاد لإسرائيل بدأوا يصنفونه على أنه معاداة للسامية.  بالنسبة لإدارة ترامب، هناك هدفان رئيسيان: الأول خلق طبقتين من الحقوق، بحيث لا يتمتع الجميع بحقوق أميركية كاملة. وبالمناسبة، التعديل الأول (في الدستور الأميركي الذي يتضمن الحريات الأساسية: حرية الدين، والتعبير، والصحافة، والتجمع السلمي، وحق تقديم التماس للحكومة، وذلك عام 1791)، لا يحمي المواطنين فقط، بل يحمي أي شخص موجود على الأراضي الأميركية، لأنه يحمي الكلام لا المتكلم، ويحمي الحرية لا الممارس، والصحافة لا الصحافي، وهذه نقطة دقيقة غير واضحة للكثيرين، والهدف الثاني هو فلسفة التفوق Supremacy. أما ثالثاً، فهناك وجود تحالفات قوية جداً مع الصهاينة بسبب القوة المالية التي يمتلكونها، بالإضافة إلى المصالح المشتركة. *كيف ترد على هذه الاتهامات الموجهة إليك من إدارة ترامب؟ بدأوا باتهامي بأن أنشطتي معادية للسامية، ثم جاء اتهام بأنني إرهابي في مرحلة لاحقة عندما رأوا أن هناك دعماً كبيراً من المجتمعات اليهودية الأميركية ومن إسرائيليين مناصرين للسلام، خرجوا في مسيرات وأصدروا بيانات. وقع مئات منهم على بيانات لدعمي، وكتبوا مذكرة للمحكمة يؤكدون فيها أنني أدعو للسلام ولا أدعم العنف، ولذلك حاولوا (الحكومة) بعد ذلك اختلاق أكاذيب وتشويه صورتي. أمتلك قضية عادلة وإدارة ترامب اتهمتني بمعاداة السامية ثم حاولت تشويه صورتي واتهامي بالإرهاب لكنني أمتلك قضية عادلة. أنا أدعو إلى الحريات المتساوية للفلسطينيين، وأنا ملتزم تماماً بمبدأ عدم العنف. هذا جزء أساسي من فلسفتي، أنني لا أؤمن بالحروب، ولا أدعو إلى أي شكل من أشكال العنف. كما أن قصتي هي قصة لاجئ ولد وترعرع في مخيم اللاجئين وأهلي لا يزالون يعيشون في المخيم تحت ظروف لا إنسانية. عندما كنت طفلاً عانيت الأمرين من الفقدان والخوف والتروما (الصدمة النفسية) والحرب.  *كيف أثرت حياتك بالمخيم في حياتك وتوجهاتك؟ العيش في المخيم جعلني أشعر بآلام الآخرين بعمق، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو خلفيتهم. أرى الإنسانية في كل الناس. كذلك شكّل لديّ طاقة لا يمكن أن يوقفها أي شيء، لأنها جزء من الذكرى الموجودة معي والتي أعيشها. طاقة تولد كلما تذكرت ما عشته وتتحول إلى دافع لتحقيق العدالة ومنع الظلم. هذه قصتي لا أمر أقرأه في كتب أو أشاهده في أفلام، بل عشته بكل تفاصيله. عشت في المخيم حتى سن الـ18، ثم درست في جامعة بيرزيت (في محافظة رام الله)، وكنت أعود إلى المخيم حتى سن الـ23 والـ24. عائلتي عانت كثيراً ولا تزال تعاني، فعمّي استشهد وأنا في الـ11 من العمر، واثنان من أولاد خالتي استشهدوا في الانتفاضة الثانية (2000-2005)، وأربعة من أبناء أخوالي وخالاتي استشهدوا بعد السابع من أكتوبر (2023). كما أن جثمانَي ابن عمي وابن خالتي ما زالا محتجزين لدى الإسرائيليين حتى اليوم. المسألة لا تزال تعيش معي. كذلك القضية أرتني أسوأ ما يمكن للبشرية أن تفعل. رأيت ظلم وظلمة الاحتلال الإسرائيلي، وهي أسوأ شيء رأيته في حياتي يمكن أن يفعله بشر تجاه بشر آخرين. لذلك أقدّر الحياة الإنسانية وأرى الإنسانية في كل من يتعاملون معي لأنني رأيت أسوأ ما في الإنسانية ورأيت أيضاً أحسنها. *عودة إلى محاولات ترحيلك. كيف ترى استهداف إدارة ترامب لك؟ الفكرة السياسية الحالية التي أدت إلى القبض والهجوم عليّ لا تتعلق بمسألة الحريات فقط وإنما تتجاوزها، لأن حرية التعبير هي أساس من أسس الديمقراطية، وإذا فكرت في أي نظام ديمقراطي، فإن أول حرية يضمنها هي حرية التعبير. وعندما ننظر إلى الدستور الأميركي، الذي تأسس منذ أكثر من 250 سنة، نجد أن التعديل الأول جاء أولاً. وذلك لأن الفلاسفة أدركوا أنه من دون هذا التعديل لن تكون هناك ديمقراطية حقيقية، وهو عبارة عن 45 كلمة بالضبط. يضمن حرية ممارسة الدين أو عدم ممارسته، وحرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية الصحافة. من دون هذه الحريات لا تكون هناك ديمقراطية. الفكرة الآن هي محاولة الإدارة خلق طبقتين من الحقوق، واحدة تطبق على المواطنين وأخرى على المقيمين. لكن ما يجعل أميركا أميركا فعلاً، من حيث المبادئ والممارسة، هو أنها أمة ديمقراطية من حيث المبادئ، ولكن هذه المبادئ تفشل في التطبيق في الكثير من الأحيان، وهذا المبدأ يفشل إذا لم يطبق. لهذا نرى ظهور هذه الحركات مثل حركات الحقوق المدنية، وحركة معارضة حرب فيتنام، وحركة مناهضة الفصل العنصري، وحركة مي تو وحركة المثليين، وحركة حياة السود مهمة. كل هذه الحركات مرتبطة بجوهر تطبيق المبادئ الدستورية. ما حدث فعلياً عقب السابع من أكتوبر مباشرة (أنه) طرحت رؤية لتشكيل تحالف ضخم للقضية الفلسطينية وللقضية الإنسانية بشكل عام. كانت تهدف إلى: استعادة حقوق الإنسان وإصلاح القانون الدولي من خلال حركة شبابية تمتد عبر الولايات المتحدة والعالم. وعندما بدأنا بناء هذه الحركة وأصبحت قوية جداً استهدفونا باتهامات معاداة السامية. وكل هذا كذب وافتراء، لأنني شخصياً دافعت عن اليهود في أكثر من واقعة، ومنها واقعة علنية حينما دان شخص ما اليهود بشكل عام أمام نحو 400 شخص. قلت حينها إنني أنبذ معاداة السامية ومعاداة اليهود، لأنها في جوهرها جزء من الظلم، ونحن إذا نبذنا الظلم فإننا ننبذه بكل أشكاله، لا بشكل واحد فقط. الحراك الفلسطيني الذي أسسناه في جامعة كولومبيا أصبح نموذجاً في سائر الجامعات، وبمجرد أن تولى ترامب الرئاسة في يناير/ كانون الثاني (2025)، أعلن أنه سيعتقل أو يطرد الطلاب الذين شاركوا في التظاهرات المؤيدة لفلسطين. وكل ذلك كان تحت ضغط صهيوني، لدرجة أن مليارديراً (أميركياً) مثل بيل أكمان وجماعته استهدفونا، وكان لديهم محادثات موثقة في مقالات صحافية توضح كيف كانوا يستهدفون أشخاصاً بعينهم، ومنهم أنا. وشن الصهاينة، ومنهم حركة بيتار وكاناري ميشن، حملة شعواء ضدي في 30 يناير 2025. * كيف واجهت محاولات استهدافك؟  في تلك الفترة كنت آخذ حيطتي الكاملة، وأعطي الفضل في ذلك للاحتلال الإسرائيلي، لأنه من علمني حقيقة معنى نظام القمع والتمييز المنهجي والتفوق، فتجربتي في الضفة الغربية ساعدتني هنا على أن أكون حذراً للغاية. لذلك التقيت عدداً من المحامين، واستشرتهم ليشرحوا لي بالضبط الثغرات القانونية التي قد يهاجمونني من خلالها. كنت أعرف قبل اعتقالي أن هناك احتمالية أن تهاجمني الحكومة الأميركية أو تعتقلني على أسس غير عادلة، من خلال التلاعب بالقانون.  عندما اعتقلوا أول باحث، وهو محمود خليل، استندوا إلى قانون الهجرة والجنسية، ولكن لم يكن لديهم علم أنه لديه بطاقة إقامة خضراء. وبناء عليه، أصدر وزير الخارجية ماركو روبيو مذكرة اعتبر فيها أن نشاطه في الجامعة يشكل تهديداً للسياسة الخارجية أو الأمن القومي، وذلك فقط لأنها تظاهرات سلمية تطالب بالعدالة للفلسطينيين ووقف الحرب. ولم يكن ذلك كل شيء، كانت لدينا مطالب عادلة، وهي الإفصاح عن الاستثمارات ثم سحبها من الجامعة التي تربطها علاقات وثيقة مع إسرائيل.  منذ الشهر الأول من عام 2025، اتخذت احتياطاتي. لم أكن أخرج وأعود في أوقات ثابتة، ولم أذهب إلى أماكن عامة، وكنت أخرج متنكراً بحيث لا يمكن التعرف عليّ بسهولة. كما اتخذت احتياطات إلكترونية صارمة باستخدام أجهزة لا تسمح بالتتبع. في الثامن من مارس/آذار (2025)، تم اعتقال محمود خليل (أفرج عنه لاحقاً ثم ألغي قرار الإفراج دون أن يدخل حيز التنفيذ، بينما تدرس الحكومة ترحيله). وعند اعتقاله كانوا يظنون أنه (يملك) تأشيرة، ثم اكتشفوا أنه يحمل البطاقة الخضراء ثم نقلوه مباشرة إلى لويزيانا. حبست نفسي في شقة صغيرة لمدة 21 يوماً احتياطاً لعدم اعتقالي وكنت أمشي داخلها يومياً 10 آلاف خطوة تعلمت من تجربة القبض على محمود خليل، فحبست نفسي في مكان واحد دون أن أخرج منه لمدة 21 يوماً، وأقمت في شقة صغيرة طولها حوالي 25 قدماً وعرضها ضيق، فكنت أؤدي تماريني اليومية بالمشي ذهاباً وإياباً داخل الشقة حتى أصل إلى 10 آلاف خطوة يومياً، وأجري مكالماتي واجتماعاتي وأنا أمشي. من خلال هذه التجربة عرفت بالضبط ما حدث مع محمود، وأعددت مع المحامين كل المسودات والأوامر القضائية تحسباً لاعتقالي. خلال هذه الـ21 يوماً كانوا يبحثون عني، وجاؤوا إلى منزلي أكثر من مرة، وفي ذلك الوقت لم يكن لديهم القدرة على اقتحام المنازل دون أمر قضائي. كانت لحظات رهيبة عندما أراهم أمام الباب. وأقمت (في المنزل) حتى وصلني إشعار مقابلة الجنسية لأنني كنت مؤهلاً للحصول عليها، وكنت قد قدّمت طلباً قبلها بنحو عام، وعندما رأيته شعرت أنهم ينصبون لي فخاً. في البداية لم يصدقني المحامون، لكنني أصررت على التخطيط لأسوأ سيناريو. لم أحضّر للمقابلة فقط، بل نظمت عملية التنقل بحيث لا أستخدم سيارة واحدة، بل عدة سيارات، لتجنب أي تتبع محتمل. كان ذلك أول وآخر مرة أذهب فيها إلى المقابلة قبل احتجازي. خلال تلك الفترة أجريت مقابلات (مع) شبكة سي بي أس ووكالة أسوشييتد برس، ومع صحافية محلية من ولاية فيرمونت، على شرط ألا تُنشر إلا إذا تم اعتقالي. كما تواصلت مع أعضاء مجلس الشيوخ عن فيرمونت والنائبة في الكونغرس بيكا بالينت، وأرسلت لهم ملفاً واقعياً مع روابط ليعرفوا من أنا وما قصتي. هكذا ذهبت إلى مقابلة الجنسية في 14 إبريل (2025). كان عملاء قوات إنفاذ قوانين الهجرة مختبئين داخل المبنى. سارت المقابلة كاملة حتى النهاية، ثم سئلت: هل أنت مستعد لأداء قسم الولاء؟ قلت: نعم. وفور أن قلت ذلك، دخل عملاء ICE (وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية) إلى المكتب وقالوا لي: أنت رهن الاعتقال. كنت آخر طالب يُعتقل آنذاك، وبسبب هذه الاحتياطات لم يتمكنوا من ترحيلي إلى لويزيانا. وكنت أول من يطلق سراحه، ثم أطلق سراح الآخرين بعد ذلك، لأننا أرسينا سابقة قضائية في المحكمة التي كنت فيها. *كانت هناك محاولات سابقة في الثمانينيات لاستهداف فلسطينيين لديهم البطاقة الخضراء. كيف ترى استمرار استهداف الفلسطينيين في أميركا؟ أولاً: لدي شعور عميق بالظلم الذي أراه امتداداً للظلم الإسرائيلي الذي تمت ممارسته عليّ وعلى أهلي وعلى شعبنا الفلسطيني، ويطبق اليوم عليّ بأياد أميركية. هذا الشعور نابع من إدراكي أنه لم يعد هناك فرق يذكر بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية في تطبيق الظلم على الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو في غزة أو حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. ما يزيد هذا الشعور لدي هو وعيي بأن ما يجري يعكس فلسفة تؤمن بالتفوق وأن هناك استثناء خاصاً بفلسطين حيث يعامل الفلسطينيون كأنهم أقل من البشر، حتى في الحقوق التي يفترض أنها مضمونة لنا هنا في أميركا. ثانياً: استهدافي أنا ومحمود خليل وآخرين، وحرصهم على جعلنا مثلاً لمجرد ممارستنا حقنا المشروع في حرية الرأي والتعبير، وحرية الاحتجاج والتجمع، أعطاني قوة وإيماناً بأن النضال من أجل الحقوق هنا في أميركا هو نضال متصل بالنضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني. وبصراحة، هذه البلاد عزيزة جداً على قلبي، ففي حياتي كلها لم أعرف معنى الحرية ولا معنى الأمان إلا بعد أن جئت إلى هنا. والشعب الأميركي شعب طيب ومعطاء، حيث تعاملت مع كثير من الأميركيين من مختلف الخلفيات، ليبراليون وسود وديمقراطيون وجمهوريون وغيرهم. وعندما تقدمت للحصول على الجنسية الأميركية، لم يكن بحثاً عن مكان أعيش فيه، بل لأنني شعرت بانتماء حقيقي إلى هذا الشعب الذي عشت بينه وتعرفت عليه عن قرب. وعندما استهدفتني الإدارة، أعطتني هذه المواجهة صوتاً ومنصة أقوى مما كان لدي من قبل، وبالتالي أراها فرصة ومسؤولية في وقت واحد. ولهذا سأظل ثابتاً على مبادئي، وسأستمر في النضال الذي بدأته، وإذا نجحوا في استهدافي وترحيلي، فهذا لن يكون اختباراً لي وحدي، وإنما اختبار للدستور الأميركي ولحرية التعبير في هذا البلد. إنها ليست قضيتي الشخصية فقط، بل هي قضية جميع الأميركيين، وقضية الدستور الأميركي، وقضية حرية التعبير في هذا البلد. * هل ترى تغييراً حقيقياً داخل المجتمع الأميركي في نظرته إلى الفلسطينيين؟ وهل تتوقع تغيراً في السياسة الأميركية تجاه حقوق الفلسطينيين؟ أرى أملاً كبيراً وضخماً، لأن مستقبل القضية الفلسطينية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل أميركا ومستقبل الإنسانية، وهذا أمر لا شك فيه بالنسبة لي. كما أن هناك موجة وعي متزايدة على (عند) اليسار واليمين على حد سواء. حتى نصف اليمين منقسم الآن على (بموضوع) إسرائيل. والاستطلاعات الأخيرة تظهر أن التعاطف الأميركي مع القضية الفلسطينية وصل إلى أعلى مستوياته في التاريخ، متجاوزاً التعاطف مع إسرائيل لأول مرة منذ 25 عاماً. بالإضافة إلى ذلك، بدأ الكشف عن مدى التأثير الصهيوني والتلاعب بالسياسات الأميركية. الناس وصلوا إلى مرحلة لا عودة عنها. حتى لو سيطرت بعض القوى على الإعلام، فإن الوعي الجديد عميق ومتجذر بشكل كبير حالياً. أنا متفائل بالمستقبل، لكن هذا الأمل يعتمد على وحدة إنسانية ووطنية حقيقية داخل أميركا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية