عربي
برزت إسبانيا خلال العامين الأخيرين بوصفها أحد أبرز المستفيدين من اضطرابات سلاسل الإمداد، لتتحول موانئها تدريجياً إلى ما يشبه "رصيف أوروبا" الأول، وقد ازدادت أهمية هذه الموانئ مع مطلع العالم الحالي، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد رسم خرائط التجارة العالمية وآخرها الحرب على إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز.
وتشير التقارير إلى أن إغلاق الملاحة أو تهديدها في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، يشكل صدمة مباشرة للتجارة الدولية، ليس فقط بسبب الطاقة، بل أيضاً بسبب تأثيره على كلفة النقل البحري والتأمين. ومع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب، اضطرت شركات الشحن الكبرى إلى إعادة توجيه سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 15 يوماً، وارتفاع تكاليف الشحن بنسبة تراوح بين 30% و50% وفق تقديرات شركات لوجستية. في هذا السياق، اكتسبت الموانئ الإسبانية أهمية متزايدة، بوصفها نقاط إعادة توزيع داخل القارة الأوروبية، خصوصاً مع تزايد الحاجة إلى موانئ قادرة على استقبال السفن العملاقة وتقديم خدمات لوجستية متكاملة في بيئة مستقرة نسبياً.
وتبرز موانئ مثل فالنسيا، والجزيرة الخضراء (الجزيراس)، وبرشلونة، وألمرية، ضمن أكثر الموانئ نشاطاً في أوروبا. ويشير موقع "إل إيكونوميستا" إلى أن شركات الشحن العالمية بدأت تعيد تقييم استراتيجياتها اللوجستية، مع زيادة الاعتماد على موانئ غرب المتوسط، وعلى رأسها الموانئ الإسبانية، لتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات الشرقية. كما استفادت إسبانيا من "إعادة تموضع" سلاسل التوريد العالمية، حيث تسعى الشركات الأوروبية إلى تقليل الاعتماد على المسارات الطويلة والمعرضة للمخاطر، من خلال تقصير سلاسل الإمداد وتعزيز الإنتاج القريب، وهو ما يعزز دور الموانئ الإسبانية بوصفها نقاط توزيع رئيسية.
ووفق بيانات هيئة الموانئ الإسبانية الصادرة مطلع العام الحالي، تجاوز إجمالي حركة البضائع في الموانئ الإسبانية 560 مليون طن سنوياً في السنوات الأخيرة، مع تسجيل نمو ملحوظ في حركة الحاويات (TEU)، خاصة في موانئ المتوسط. ويعد ميناء الجزيرة الخضراء من بين الأكثر أهمية على مستوى أوروبا في عمليات "الترانزيت" (إعادة الشحن)، مستفيداً من قربه من مضيق جبل طارق، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، حيث يمر عبره أكثر من 100 ألف سفينة سنوياً.
ضخت إسبانيا مليارات اليوروهات خلال العقد الأخير لتحديث موانئها، بما يشمل توسيع الأرصفة، وتعميق الممرات البحرية، وتطوير أنظمة رقمية لإدارة العمليات اللوجستية. ففي ميناء فالنسيا، على سبيل المثال، تنفذ مشاريع توسعة لزيادة قدرته الاستيعابية إلى أكثر من 12 مليون حاوية سنوياً، ما يجعله أحد أكبر موانئ الحاويات في أوروبا.
رغم هذا الزخم، تواجه الموانئ الإسبانية تحديات كبيرة، أبرزها المنافسة مع موانئ أخرى في البحر المتوسط مثل طنجة المتوسط في المغرب، الذي يشهد نمواً سريعاً ويجذب جزءاً متزايداً من حركة الترانزيت. كما تفرض التحولات البيئية تحديات إضافية، إذ يتعين على الموانئ الاستثمار في تقنيات خفض الانبعاثات والتحول إلى الطاقة النظيفة، ما يزيد من التكاليف التشغيلية.
وتشير تقارير إلى أن إزالة الكربون من القطاع البحري قد تتطلب استثمارات بمليارات اليوروهات خلال العقد المقبل. إضافة إلى ذلك، يظل عدم الاستقرار الجيوسياسي عاملاً يصعب التنبؤ به، حيث يمكن لأي انفراجة في الممرات البحرية التقليدية أن تعيد توزيع حركة الشحن بشكل مختلف، ما يفرض على إسبانيا الحفاظ على تنافسيتها على المدى الطويل، وليس فقط الاستفادة من الأزمات المؤقتة.
