عربي
لعلّ ردّة الفعل الأولى، إثر مُشاهدة "السيد لا أحد ضد بوتين" (2025، أوسكار أفضل وثائقي بالنسخة الـ98، 15 مارس/آذار 2026)، مناقشة مدى أهمية إدانته الإمبريالية، الشبيهة بالفاشية في عصرنا، التي تمارسها روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. ونظراً إلى فداحة سوء حالة حرية التعبير في روسيا، يجدر الذهاب إلى الأبعد، للإشادة بشجاعة الحصول على اللقطات التي شكّلت الوثائقي، في مواجهة مخاطر شخصية جسيمة. مع ذلك، لا يمكن، وينبغي عدم تجاهل قصر نظر ما في منهجه.
يُروى الوثائقي من منظور بافل "باشا" تالانكين، مُعلّم روسي ومنسّق أنشطة طلابية في مدرسة ابتدائية بكاراباش، المدينة الصناعية النائية جنوب غربي روسيا. في البداية، كان تالانكين شغوفاً بعمله وفخوراً به: إدارة أنشطة متنوّعة لبناء مجتمع المدرسة، وتوثيقها بالفيديو. لكن كلّ شيء تغيّر جذرياً، مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022.
فجأة، فرض نظام بوتين منهجاً صارماً في المدارس، تضمّن أنشطة ودروساً مُصمّمة لترسيخ النزعة القومية والخطاب العدائي، ليس لتبرير غزو أوكرانيا فقط، بل لتلقين الأطفال ودفعهم نحو "الواجب"، أي جعلهم وقوداً للمدافع. بسبب إحباطه مما آل إليه منصبه، استقال تالانكين، ثم تراجع عن قراره عندما تواصل معه مخرج أفلام في أوروبا يُدعى ديفيد بورنشتاين، المُشارك لاحقاً في إخراج الوثائقي، طالباً منه استغلال منصبه الفريد في المدرسة لتوثيق ما يجري في هذه الجبهة الفريدة للدعاية الروسية. مهمة ازدادت خطورة مع بدء النظام بمعاقبة مَن يعتبرهم خونة، أو "عملاء أجانب".
نظراً إلى طبيعة فكرته، تتّسم المادة المُصوّرة، التي تمثّل منظور حامل الكاميرا/المعلّم، بحميمية وعفوية وواقعية شديدة. هذه العلاقة الوثيقة مع المجتمع المدرسي بالغة التأثير، إذ يكشف تالانكين عن علاقاته الشخصية مع طلاب حاليين وسابقين، ما يسمح له برؤية التداعيات الملموسة والفردية والإنسانية للدعاية الروسية. مثلاً: تخفي فتاة استياءها من تجنيد أخيها، وإرساله إلى الحرب. في حفلة وداعه، يبدو على الصبي خوفه من إرساله إلى الجبهة لأداء خدمته العسكرية.
في هذا السياق، يُعدّ وثائقي تالانكين وبورنشتاين عملاً لافتاً للانتباه في كشف آلة دعائية حكومية قومية، مولعة بالحرب والتحشيد، إذْ يتيح أن نشهد، في ثلاث سنوات تقريباً، كيف يُفسَد مجتمع صغير، ويُفتّت ويتمّ تحريفه، ليُغذّي بالإرهاب والأرواح البشرية براثن الحرب والسياسة، باسم شعور زائف بالواجب والشرف، في مواجهة عدو (أوكرانيا) مُجرّد من إنسانيته بالأكاذيب والتضليل. يكشف الفيلم استراتيجيات القمع السياسي، بإظهار تأثيرها على مواطنين يعيشون ببساطة في مدينة صناعية، وُصفت سابقاً بأنها "أكثر المدن تلوّثاً في العالم"، ما جعلها للغرابة وجهة سياحية شهيرة.
إلا أنّ المنظور الفردي للفيلم يفضي إلى ضيق أفق، وهذا تأثير كان يُمكن لبورنشتاين، وريبيكا لونكفيست ونيكولاي مونبيرغ (المُولِّفان)، التخفيف منه، بمزيد من الدقة التوليفية. أحياناً، يبدو أنهم يُصرّون على جعل حياة تالانكين الجانب الأهمّ في هذه القصة، وهذا ليس غير منطقي نظرياً، لأنه، في نهاية المطاف، بوّابتنا إلى هذا العالم. مع ذلك، يختار الوثائقي أحياناً تقديم شخصيات، أو خيوطاً سردية ضعيفة في أحسن الأحوال، أو غير مكتملة في أسوأها، بهدف بناء سردية حول التضحية التي يقدّمها تالانكين في مهمّته، وبالتالي استدرار التعاطف مع ألمه الشخصي. في مواضع عدّة، يتفاعل مع والدته، لكنها تفاعلات بعيدة ومختصرة، وتبقى من دون حلّ، فلا تفعل سوى إضاعة الوقت، وتشتيت ما يهمّ حقاً، بدلاً من المساعدة على التعاطف معه ومع ظروفه.
مهمّ ملاحظة أن العزلة الشخصية للبطل ليست محكمة البناء، سردياً وتوليفياً، إذ تصبح نقطة تناقض حادّة، بل مُشتّتة، لحقيقة أنها تمثّل تحديداً منظوراً شخصياً عميقاً لمشكلة واسعة النطاق، وطويلة الأمد.
هناك حالات يقدّم فيها سرد تالانكين نفسه الأحداث كما لو أن التعليم في روسيا تحوّل فجأة إلى الدعاية القومية، وكما لو أن عبادة شخصية بوتين لم تُبنَ على أسس منهجية منذ نحو 20 عاماً. هكذا، بصفته حلقة الوصل بين الجمهور والأحداث، يمثّل تالانكين شخصية داود، التي يمكن التعاطف معها تحت راية بذل كلّ منا ما بوسعه لمواجهة جبابرة العالم، وكشف حقيقة مجتمعاتنا.
لكن، يجب عدم إغفال أنه مدخل إلى قصّة أوسع بكثير. ينبغي ألا يحجب تفصيلٌ صغير الصورة الكاملة، بل علينا إدراك أن هذا التفصيل الصغير يتيح فهم الصورة الكاملة.
