عربي
مع عرض أنمي "روستر فايتر" (Rooster Fighter)، بدا كأن الفكرة نفسها تكفي لتفسير ما أثير من نقاشات حوله: ديك يؤدي دور بطل مقاتل، يواجه وحوشاً متحوّرة ضمن قالب مألوف من المواجهات والتصعيد. للوهلة الأولى، يمكن التعامل مع هذا الأنمي بوصفه كوميديا عادية، لكنه في الحقيقة موجه إلى الكبار، ويقدم شخصية ديك يقضي ليالي عابرة مع دجاجات.
هذا يصنع كوميديا ذات عيار ثقيل، بسبب جدية الإنتاج والقتالات والأداء الصوتي، لكنه يثير التساؤل حول: لماذا؟ لا سيما أنه لم يكن الأنمي الأول الذي يضع بطولة حيوانية في أنمي للكبار، وفي الآونة الأخيرة ظهرت أعمال مثله، ولم تكن كوميدية.
هذا التحول لا يمكن عزله عن طريقة إنتاج العمل. فـ"روستر فايتر" لم ينطلق من مجلة شونين ورقية تقليدية، بل من فضاء الويب مانغا، إذ يمكن لفكرة غريبة وجديدة وغير نمطية أن تختبر نفسها مباشرة أمام جمهور كبير بعيداً عن المحررين. في هذه الوسائط الحرة تعمل الفكرة نفسها بوصفها مدخلاً: ديك يقاتل هي عبارة قابلة للانتشار، يمكن فهمها في لحظة واحدة، وتدفع المتلقي إلى التوقف. هذا النوع من الأفكار يعتمد على الصدمة الأولى، وعلى القدرة على تحويلها إلى تجربة.
لكن هذا لا يعني أن العمل يبقى عند مستوى الفكرة. ما يثير الاهتمام هو أن القالب الذي يتحرك داخله يظل مألوفاً إلى حد كبير. هناك خصوم، ومواجهات، وتصعيد، ولحظات تحدٍّ، وكل ما نتوقعه من عمل موجه إلى جمهور مراهق أو شاب.
الاختلاف يكمن في الجسد الذي يحمل هذه الوظائف. وهذا التفصيل، رغم بساطته الظاهرة، هو ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر: إذا كان بالإمكان نقل هذه العناصر إلى كائن غير بشري من دون أن تفقد فعاليتها، فما الذي كان يربطها بالإنسان في الأصل؟ ربما مع الحضور المتزايد للأنمي في العقدين الآخرين عالمياً، صارت شخصيات الأنمي البشرية بشرية فعلاً للعين وواقعية بطريقتها وضمن عالمها.
قبل "روستر فايتر"، أثار "حياتي كلبَ إينوكاي-سان" (My Life as Inukai-san’s Dog) سجالاً كبيراً، لكنه ينطلق من النقطة نفسها: الحيوان غير البريء، لكن هذه المرة كان مزعجاً. العمل، كما يُقدم رسمياً، يقوم على ما يشبه منظور الواقع الافتراضي، إذ تُرى الأحداث من زاوية منخفضة وقريبة.
ببساطة، يتحدث الأنمي عن شاب تحول إلى كلب، وترعاه حبيبته، لكنه يتلصص بفجاجة وجنسانية. لم يكن ذلك مريحاً للجمهور رغم وجود أعداد هائلة من أعمال الأنمي ذات الطابع الجنسي ومنها المبالغ فيه. هذه المرة، المزعج كان وجود الكلب شخصيةً هنا. ما يجمع بين العملين هذا الانزياح: الحيوان لم يعد يظهر بوصفه عنصراً تفصيلياً، أو مخصصاً للطفولة.
وإذا وسّعنا الدائرة قليلاً، فسنجد أن هذا الحضور لا يقتصر على هذه الأمثلة. في "بيستارز" (Beastars)، مثلاً، يُبنى العالم كاملاً على شخصيات حيوانية، لكن الصراعات التي يحملها حول الهوية والرغبة والمكانة، تظل مفهومة ضمن أفق مراهق أو شاب. الحيوان هنا يعمل بوصفه إطاراً يسمح بطرح هذه الأسئلة (الهوية والرغبة والمكانة) بطريقة غير مباشرة، ربما يسهل قبول هذه الأسئلة بعيداً عن قوالب عرقية أو ثقافية بشرية، فيسمح المظهر الحيواني بتجريد الأفكار من هذه الزوائد ليكون عالمياً أكثر.
الحيوانات موجودة في بداية تاريخ الرسوم المتحركة مع ميكي ماوس، لكن مع الأنمي الحديث الموجه إلى الكبار، كانت هناك شخصيات خيالية مختلفة، إلا أنها ليست دجاجاً أو كلاباً. الحيوانات بطلة رئيسية في الأنمي المخصص للأطفال مثل "همتارو"، لكن ما يتغيّر في الأعمال التي نتحدث هو موقع حضور هذه الكائنات؛ إذ أمست شرطاً.
في "روستر فايتر"، يصبح الديك هو البطل نفسه، من دون أن يتغير القالب الذي يعرّف من خلاله هذا الدور. بهذا، حين تُنقل الأدوار إلى كائن غير بشري، تبدو غير مخصصة للإنسان وحسب، وقابلة لأن تُفهم بوصفها صيغة قابلة للتكرار مع وسيط مختلف مُأنسن.
في المقابل، يذهب "حياتي كلبَ إينوكاي-سان" في اتجاه مختلف، لكنه يكشف عن الشيء نفسه من زاوية أخرى؛ فالتحول إلى كلب يمثّل شرط بصرياً وسردياً: زاوية النظر المنخفضة، والقرب الجسدي، وطبيعة الملاحظة.
وفي "بيستارز"، يأخذ التحول شكلاً ثالثاً؛ يتعلق الأمر بعالم كامل تُبنى شخصياته على أساس حيواني. ومع ذلك، تظل الصراعات مفهومة ضمن أفق بشري: التوتر بين الرغبة والضبط، وبين الفرد والمجتمع، وبين القوة والضعف. والحيوان هنا مجرد قناع مثل الأقنعة المسرحية غير التنكرية.
هذه الحالات الثلاث تكشف شيئاً مشتركاً: عناصر أساسية في النوع من السرد، لم تتغير البنية، وإنما الوسيط. البنية الناجحة للشونين أو الشوجو مكررة بما يضمن النجاح، لكن مع تغريب يحاول الخروج عن المألوف بفجاجة، بدلاً من تقديم أعمال تحتاج إلى قصص كبرى وإنتاج خارق يتوقعه الجمهور.
تُبنى الشخصيات الحيوانية حول توترات مثل المكانة والضبط الاجتماعي
وهذا ما يفسر لماذا لا تبدو هذه الأعمال، رغم غرابتها الظاهرة، كأنها تخرج بالكامل عن الشونين. الحيوان يحل محل الإنسان ليكشف أن بعض ما نعدّه "إنسانياً" في هذه القصص كالقتال أو التوتر أو الرغبة، يمكن أن يفهم ويقدم خارج الجسد البشري، من دون أن يفقد تأثيره.
هذه الشخصيات الجديدة جاءت من تجارب في الويب مانغا، وليست مغامرات إنتاجية. ومعها يمكن استهداف الجمهور الذي يبحث عن ارتباط سريع بالعمل عند قراءة الحكاية من الإعلان. في النموذج التقليدي للمجلات الشونينية، كان العمل يحتاج إلى مدخل واضح: بطل يمكن التعاطف معه بسرعة، ومسار يمكن أن يمتد على حلقات طويلة، وقابلية للاستمرار ضمن إيقاع أسبوعي.
هذا لا يعني أن التجريب كان مستحيلاً، لكنه كان مقيداً بحدود معينة، مثل نجاح أول عشرة فصول منشورة في مجلة كبرى. في المقابل، مع صعود المنصات الرقمية والويب مانغا، أصبح من الممكن أن تبدأ الفكرة من نقطة مختلفة: فكرة مركزة، قابلة للاختزال في جملة واحدة، يمكن أن تلتقط الانتباه فوراً.
هنا تكتسب صيغة مثل ديك مقاتل ولديه مغامرات نسائية أو علاقة بين كلب وفتاة بشرية معناها الكامل. هي مداخل إنتاجية يمكن تقديمها وتداولها واختبارها بسرعة، من دون الحاجة إلى تمهيد طويل. هذا يمنحها فرصة للظهور.
وإذا وجدت استجابة، يمكن أن تنتقل من مستوى ضيق إلى إنتاج أوسع، كما حدث مع "روستر فايتر"، الذي بدأ ويب مانغا قبل أن يتحول إلى أنمي يُعرض عالمياً. الحيوان هنا، يعمل اختصاراً بصرياً وفكرياً في آن. يمكن إدراكه فوراً وفي الوقت نفسه يحمل إمكانية إعادة تركيب القالب الذي يوضع فيه.
مع ذلك، لا يكفي أن تكون الفكرة لافتة. ما يحدد بقاء واستمرارية هذه الأعمال هو قدرتها على تجاوز لحظة الجذب الأولى. هنا يعود دور السرد. في "روستر فايتر" تُستثمر الفكرة داخل قالب قتالي كامل، ما يسمح لها بالاستمرار.
وفي "حياتي كلبَ إينوكاي-سان"، كانت المغامرة مثيرة للسجال لعدم تقبل الجمهور هذا النوع من الإيتشي (الأنمي ذو الإيحاءات الجنسية البسيطة) لأنه يؤذي العلاقة اللطيفة بين الإنسان والكلب. مع ذلك، لم تكن التجربة بعيدة بالكامل عن عالم الأنمي بسبب أعمال كوميدية مثل قط عملاق يرعى صاحبته الموظفة ويطبخ لها، أي أن هناك ألفة مسبقة.
هذا التفاعل بين الإنتاج والسرد هو ما يمنح هذه الأعمال موقعها الحالي؛ حيث هناك بيئة تسمح بظهور هذه الأفكار، تمتزج بقالب قادر على استيعابها من دون أن يتفكك.

أخبار ذات صلة.
ديمبيلي: سنذهب إلى ميونيخ من أجل الفوز
الشرق الأوسط
منذ 26 دقيقة
مالي... البرميل إذ ينفجر
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة