من أسلحة النصر: مأسسة الدولة
كتابات
منذ ساعتين
مشاركة

حين تتقدم أدوات التنظيم المؤسسي مثل "البصمة الحيوية" على غيرها من الاعتبارات، ويُعاد ضبط الأداء الأمني وفق معايير واضحة، ويتحول التنسيق مع وزارة الداخلية إلى مسار مباشر ومنظم، فإننا لا نكون أمام خطوات إجرائية تقليدية، بل أمام ملامح رؤية تسعى لإعادة تشكيل مفهوم الأمن على أسس الدولة لا الفوضى.

في المشهد الحالي شديد التعقيد، حيث تتداخل القوى والولاءات وتتوزع مراكز النفوذ، يبرز نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الفريق طارق صالح، في توجه واضح لإعادة تعريف دور القائد: من موقع القوة الشخصية إلى موقع المؤسسة.. وما تكشفه تحركاته واجتماعاته يعكس اتجاهًا يقوم على ترسيخ فكرة أن الشرعية لا تفرض فقط، بل تبنى عبر مؤسسات فاعلة وخدمات منضبطة.

في هذا السياق، يكتسب الحديث عن "البصمة الحيوية" دلالة تتجاوز الجانب التقني، فالإجراء في جوهره يعيد ضبط العلاقة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية عبر تثبيت الحضور والانضباط، وربط الحقوق بالواجبات.. إنه توجه نحو مؤسسة أكثر تنظيمًا، تدار بمنطق الدولة لا بمنطق التداخلات غير المنضبطة.. كما أن التركيز على برامج التدريب وتأهيل الكوادر يعكس رؤية تجعل الكفاءة أساسًا للدفاع والحماية، لا الولاءات الضيقة.

وهذه العقلية المؤسسية التي يبنيها الفريق طارق صالح اليوم في الساحل الغربي ليست مجرد إدارة للواقع، بل هي تحضير لمرحلة قادمة لا محالة: مرحلة هزيمة المليشيات الحوثية وتحرير صنعاء.. فتحرير العاصمة لا يحتاج فقط إلى جيوش تزحف، بل إلى دولة قادرة على استلام المفاتيح وإدارة التفاصيل.. ما يبنيه اليوم في الإصلاحيات والبصمة والتنسيق الأمني هو البنية التحتية لصنعاء ما بعد التحرير.

ويتعمق هذا التوجه أكثر في ربط الأمن بالمسار التنموي والخدمي، حيث لا يقتصر الدور على الانتشار العسكري أو حفظ التوازنات، بل يمتد إلى توفير بيئة مستقرة تسمح للمؤسسات المدنية بالعمل وللمشاريع الخدمية بالاستمرار.. وفي هذا الإطار، يصبح تطوير الإصلاحيات والسجون وفق معايير حديثة جزءًا من تصور أوسع للدولة، يقوم على تحويل أدوات الضبط إلى أدوات إصلاح في إطار القانون.

في المحصلة، يمكن قراءة هذه التحركات باعتبارها تعبيرًا عن توجه راسخ لدى طارق صالح- ابن الدولة الذي تربى في بنيتها- نحو ترسيخ نموذج إداري وأمني أكثر انضباطًا في الساحل الغربي، يقوم على تقوية المؤسسات، وربط الأمن بالخدمة العامة، وإعلاء منطق الدولة على ما سواه.. إنه يؤسس اليوم لدولة ما بعد النصر، يعلم أن هزيمة المليشيات الحوثية وتحرير صنعاء ستأتي حتمًا، لكن السؤال الأهم: من يدير العاصمة بعد تحريرها؟ طارق صالح يريد أن تكون الإجابة: المؤسسة التي بُنيت اليوم، وليس الارتجال الذي ينهار غدًا.. في يمن بالغ التعقيد، يقدم هذا المسار تصورًا مختلفًا لمستقبل الدور الأمني، قوامه بناء الدولة وتعزيز حضورها، لا الاكتفاء بإدارة الصراع أو إعادة إنتاجه.. إنه سلاح النصر الحقيقي: مأسسة الدولة قبل أن تحتاج إليها في لحظة الحسم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية