عربي
وصف تقرير لمراقب الدولة الإسرائيلي متنياهو أنجلمان، نُشر مساء اليوم الثلاثاء، حالة من "فقدان السيطرة" المستمر وغياب الحوكمة في منطقة النقب. إلا أن اللافت في التقرير، من بين عدة قضايا، تخصيص فصل لتعدد الزوجات في المجتمع العربي الفلسطيني في الجنوب، واعتباره "تهديدا استراتيجيا" يُقرّب ويعزز صلة البدو، ولا سيما الشباب منهم، بسكان الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، وبالتالي بالهوية الفلسطينية، على حساب الهوية الإسرائيلية، ويدفعهم، وفق مزاعم المراقب، إلى "القيام بأعمال ضد إسرائيل".
ويرى أهالٍ من النقب، بحسب ما رصده "العربي الجديد"، أن مثل هذا التقرير قد يؤدي إلى تصعيد الاعتداءات التي يتعرض لها النقب في مختلف المجالات، بما في ذلك زيادة وتيرة الهدم والمصادرة. ووفقاً للتقرير، سُجّل أيضا ارتفاع في ظواهر مثل فرض الإتاوة (الخوة) تحت التهديد، وتآكل الأمن الشخصي للسكان. وبعد مرور خمس سنوات على التقرير السابق، أشار التقرير الحالي إلى أنه "لم يطرأ تقدم جوهري في معالجة مشكلة فرض سيادة القانون في النقب، بل حدث تفاقم يتّسم، من بين أمور أخرى، بانتشار بعض هذه الظواهر إلى مناطق أخرى في البلاد".
يشير التقرير إلى استمرار اتّساع ظاهرة تعدد الزوجات بشكل ملحوظ، رغم حظرها قانونا. وبحسب المعطيات الرسمية، فإن 16.256 امرأة داخل الخط الأخضر يعشن حالياً ضمن أطر أسرية قائمة على تعدد الزوجات، ما يمثل زيادة بنحو 16% خلال السنوات الأخيرة، كما ارتفع عدد الرجال متعددي الزوجات بنسبة مشابهة ليصل إلى 7.159. إلا أنّ تطبيق القانون، وفق التقرير، يكاد يكون هامشياً، إذ فُتح 113 ملف تحقيق فقط بين عامي 2022 و2024، ولم تُقدَّم لوائح اتهام إلا في ثلاثة منها، وذلك رغم تعديلات السياسات وإقامة وحدات متخصّصة للتعامل مع هذه الظاهرة.
ويُبرز التقرير ما وصفه بـ"الآثار الاجتماعية العميقة لتعدد الزوجات"، ومن بينها "الإضرار الاقتصادي بالأسرة، والأذى النفسي، والصراعات داخل العائلة، والمساس بكرامة المرأة ومكانتها، والعنف ضد النساء، والإضرار بالأطفال، وإنتاج فتيان وفتيات على هامش المجتمع وغيرها من التداعيات". ويشير التقرير إلى أنّ الضحايا الرئيسيين لهذه الظاهرة هم النساء والأطفال.
"تهديد استراتيجي في النقب"
خصّص التقرير فصلاً كاملاً لما وصفه بظاهرة "الفلسطنة" المتنامية بين السكان البدو في النقب، لا سيما في أوساط الشباب. وتوصف الظاهرة، التي جرى فحصها لأول مرة لصالح التقرير الجديد، باعتبارها عملية تعزّز الارتباط بالسكان الفلسطينيين نتيجة الزواج من نساء فلسطينيات (من الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة)، وعدم إتقان اللغة العبرية، وضعف الارتباط بمؤسسات الدولة (الإسرائيلية)، والتعرّض لتحريض ضد الدولة ولأحداث عنف مختلفة. ووفقاً لجهات أمنية، فإنّ "أكثر من 80 ألف شخص في النقب لديهم صلات عائلية بالضفة الغربية أو غزة، ومركز حياة الكثيرين منهم موجود في الضفة الغربية".
ويشير تقرير المراقب أيضاً إلى تقديرات جهاز الأمن العام (الشاباك)، التي تفيد بأن "التهديد طويل الأمد يكمن في أنه كلما ازداد عدد هؤلاء السكان، سيصبح مكوّن الهوية الفلسطينية هو المهيمن مقارنة بالهوية البدوية أو الإسرائيلية". كما يشدد التقرير على أن الجيل الشاب "يتأثر بغياب سلطة القانون، ويعاني من توق شديد إلى الشعور بالانتماء، ولم يعد يخضع لسلطة الوالدين كما كان في السابق".
ويزعم التقرير أنّ "هذا المسار، مقترناً بضعف الحوكمة، يقود إلى التماهي والمشاركة في أحداث عنف وإرهاب ضد دولة إسرائيل"، معتبرا ذلك "تهديدا استراتيجيا يستوجب معالجة من مختلف الجهات الحكومية". وفي هذا السياق، يدّعي التقرير رصد تورط متزايد من قبل الشباب البدو في التحريض والعنف والأنشطة القومية ضد إسرائيل ورموزها، وصولاً إلى زيادة الانخراط في "الإرهاب".
تحريض
وعلّق عضو لجنة التوجيه العليا لعرب النقب جمعة الزبارقة، في حديث لـ"العربي الجديد"، بأن "الادّعاءات الإسرائيلية بشأن اعتبار تعدد الزوجات خطراً على أمن إسرائيل ليست جديدة، لكن الحقيقة أنّ مشكلتهم لا تتعلق بالجوانب الاجتماعية للموضوع بقدر ما تتصل بالجوانب الديمغرافية، فيما يتعرض النقب لمخططات اقتلاع وتهجير مستمرة وهدم يومي لمنازل العرب".
وأوضح الزبارقة أن "قضية القرى غير المعترف بها والتضييق على أهالي النقب ترتبط أيضاً بهذا الموضوع، إذ إن تعدد الزوجات، وفق منظور المؤسسة الإسرائيلية، يعني معدّلات ولادة أعلى وزيادة بالسكان، بالتالي حاجة أكبر إلى الأراضي والمساكن والموارد الكثيرة. وعليه، فإن هذه القضية مرتبطة بشكل مباشر بقضايا الأرض، علماً أن عدد عرب النقب يصل اليوم إلى نحو 370 ألف شخص، وأن أي زيادة سكانية ستترتب عنها حاجتهم لمساحات أكبر".
ولفت الزبارقة إلى أن التقرير يتناول بدو النقب وكأنهم ليسوا جزءاً من الفلسطينيين، معتبرا أن الإشارة إلى هذه الزيجات على أنها تعزز ارتباطهم أكثر بالهوية الفلسطينية "يندرج ضمن خطاب التحريض"، وأشار إلى أن "التحريض لا يقتصر على التقرير، بل يمتد أيضاً إلى تصريحات عدد من السياسيين والمسؤولين الإسرائيليين، من أبرزهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب آخرين".
وذكر الزبارقة من بينها تصريحات للمرشح للكنيست نفتالي بينت، رئيس الوزراء الأسبق، الذي قال في مستوطنة عومر في الجنوب، قبل فترة، إن إسرائيل مقبلة على "7 أكتوبر" آخر سيكون من النقب، بسبب زواج أهل النقب من فلسطينيات من مناطق أخرى. وهذا التحريض برأي الزبارقة "ممنهج ومستمر من قبل عدة مسؤولين، لتهيئة الرأي العام لتوجيه ضربة قاسية للنقب". ويعتبر المتحدث ذاته أن هذه التصريحات "تندرج ضمن سياق أوسع من التصعيد السياسي والإعلامي تجاه المنطقة وسكانها"، ويرى مثل آخرين في النقب أن "مراقب الدولة يُفترض أن يكون شخصاً مهنياً وموضوعياً، لكن مثل هذا التقرير قد يؤدي إلى تصعيد الهجمة الإسرائيلية على النقب، من قبل بن غفير وأمثاله".
