بسبب الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار الذي ضاعفت معاناة الأسر اليمنية بات تبادل ملابس الأقارب عادة منتشرة خصوصا في المناطق الريفية، غير أن هذا التعاون الذي يقوي الروابط الأسرية ويخفف من الفقر، يواجه مخاطر صحية تتطلب الحذر لمنع انتقال الأمراض الجلدية.
تحكي أحلام، شابة عشرينية من ريف المواسط بتعز في حديثها لـ “ريف اليمن”، واقع الكثير من الأسر الريفية إذ تعتمد بشكل شبه كلي على ما يرسله أشقاؤها من العاصمة صنعاء لتأمين كسوة أطفالها، سواء خلال المواسم والأعياد أو غيرها.
بالنسبة لأحلام، فإن الملابس تتجاوز كونها مجرد قطع قماش لسد الحاجة، لتصبح جسرا عاطفيا يربطها بعائلتها، ويمنحها شعوراً دافئاً بحضورهم في تفاصيل حياتها اليومية رغم المسافات الكبيرة بينهم.
وتوضح أن التبادل لا يهدف فقط لتخفيف حمل المصاريف الثقيلة، بل هو دليل على قوة الروابط الأسرية؛ حيث يمنحها وصول هذه الملابس شعوراً بالتقدير والأمان، ويؤكد لها أن عائلتها تقف بجانبها في مواجهة ظروف الحياة الصعبة.
مواضيع مقترحة
- سُقيا العابرين.. عادة اجتماعية تروي العاطشين
- حقين الأبقار في الريف.. تكافل اجتماعي وغذاء مجاني
- كَرَم الأرياف..حفاوة أصيلة وبيوت لا تُغلق
وتشهد أسواق الملابس ارتفاعا كبيرا في الأسعار، خاصة خلال مواسم الأعياد، حيث وصلت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة بسبب انهيار العملة المحلية، واعتماد بعض التجار على العملات الأجنبية، ما جعل شراء الملابس عبئا ثقيلا على الأسر اليمنية.
تكافل اجتماعي
تؤكد أحلام أن زياراتها أو زيارات شقيقاتها إلى صنعاء، والتي تكون في الغالب لأغراض علاجية، تنتهي عادةً بالعودة وهي محملة بالملابس والمستلزمات التي تكفيها وتكفي أطفالها لفترات طويلة، وهو ما تعتبره دعماً عملياً ومعنوياً ملموساً في آن واحد.
وتشير إلى أن غياب هذا النوع من المساندة يترك أثراً نفسياً واضحاً في وجدانها؛ حيث تبين لـ “ريف اليمن” أنها تشعر بمرارة الحزن حين تعود إحدى شقيقاتها دون أن تجلب لها أو لأطفالها شيئاً، خاصة عند مقارنة ذلك بما يحصل عليه بقية أفراد الأسرة، بينما يمنحها وصول تلك الملابس شعوراً بالتقدير والاهتمام، ويخفف عنها الكثير من وطأة الظروف المعيشية القاسية.
ويبرز تداول الملابس القديمة بين المدن والأرياف كونه سلوكاً اجتماعياً متجذراً، لا سيما في نطاق الأقارب، وتقول الكاتبة والباحثة في النوع الاجتماعي والتنمية، إيناس عبده الزوار، لـ “ريف اليمن”، إن مشاركة الملابس المستعملة أضحت ظاهرة جليّة خلال السنوات الأخيرة، وهي ترتبط بتفاوت مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة المتصاعد.
وتؤكد الزوار أن استمرار الروابط الأسرية الممتدة بين الحضر والريف أسهم بشكل فعال في تحويل عملية إعادة توزيع الملابس غير المستخدمة إلى سلوك اجتماعي شائع ومقبول، تسانده العادات والتقاليد وقيم التكافل المتأصلة، باعتباره فعلاً محبذاً داخل نسيج الأسرة والمجتمع.
إيناس:لهذه الممارسة أبعاداً إيجابية جوهرية؛ إذ تسهم في تعزيز التضامن الأسري وتخفف الأعباء المالية عن كاهل الأسر الأقل دخلاً
وتشير إلى أن لهذه الممارسة أبعاداً إيجابية جوهرية؛ إذ تسهم في تعزيز التضامن الأسري وتقوية أواصر القربى، علاوة على دورها في تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الأسر الأقل دخلاً، ولا سيما في المناطق الريفية.
وتؤكد الزوار أن هذه الظاهرة تعكس قيم التعاون والتراحم الاجتماعي، وتعزز من روح المسؤولية المشتركة داخل الأسرة الواحدة، مما يسهم بشكل مباشر في الحد من مظاهر العوز والحاجة وتفادي انكسار الأسر أمام متطلبات الحياة.
مخاطر صحية
على الرغم من البعد الإنساني والاجتماعي العميق لظاهرة تبادل الملابس، إلا أن هذه الممارسة قد تتحول إلى مصدر خطر صحي وشيك إذا ما تمت بمعزل عن الضوابط الصحية اللازمة، خاصة إذا كان من يرتدون تلك الملابس مصابون بأمراض جلدية.
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة أفراح زيد الكحلاني، أخصائي أمراض جلدية وتجميلية أن الملابس المستخدمة وغير المعقمة تعمل كوسط ناقل للعديد من الأمراض الجلدية المعدية، وفي مقدمتها الفطريات، وقمل الرأس، والجرب، بالإضافة إلى الدمامل والفيروسات الجلدية المختلفة.
وتؤكد الكحلاني لـ “ريف اليمن”، أن تداول الملابس لا يكون صحياً وآمناً إلا بعد غسلها جيداً بالماء والصابون واستخدام المعقمات، مع ضرورة كيّها بدرجات حرارة عالية لضمان القضاء على المسببات المرضية.
منوهة أن هذه العادة تتحول إلى ممارسة خاطئة وخطيرة عند تداول الملابس دون غسل أو تعقيم مسبق، أو في حال مشاركة الملابس الداخلية وملابس الأطفال الرضع بشكل مباشر.
د. الكحلاني: يجب غسل الملابس جيداً وتعقيمها مع ضرورة كيّها بدرجات حرارة عالية لضمان القضاء على المسببات المرضية.
وشددت الكحلاني على الأهمية القصوى لتشجيع قوالب التكافل المنظم عبر الجمعيات والمبادرات المجتمعية التي تتبنى آلية فرز وتعقيم الملابس قبل توزيعها، كبديل آمن عن “التكافل العشوائي”، مع ضرورة العمل على رفع مستوى الوعي الصحي بين الأسر اليمنية لتجنب التبعات المرضية لهذه الممارسات.
فئات هشة
وبحسب ما أوضحته الدكتورة الكحلاني لـ “ريف اليمن”، فإن هناك فئات معينة تُعد الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجلدية الناتجة عن تداول الملابس غير المعقمة، وفي مقدمتهم الأطفال؛ وذلك نظراً لضعف مناعتهم وكثرة استخدامهم للملابس والمناشف المشتركة.
كما تشمل القائمة الرياضيين بسبب زيادة التعرق والاحتكاك الجلدي، بالإضافة إلى مرضى السكري وأمراض الكبد، والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة أو الذين يتناولون أدوية مثبطة للمناعة مثل “الكورتيزون” (Cortisone)، فضلاً عن القاطنين في أماكن مزدحمة كالسجون ودور السكن الجماعي.
وتلخص شهادات الخبراء وتجارب الأسر لـ “ريف اليمن” إلى أن تداول الملابس، وإن كان يمثل ظاهرة إنسانية واجتماعية هامة، إلا أنه يستوجب وعياً صحياً وتنظيماً دقيقاً لتجنب مخاطره؛ إذ لا بد من غسل الملابس وتعقيمها جيداً قبل إعادة الاستخدام، والمنع القطعي لتداول الملابس الداخلية وملابس الرضع بشكل مباشر.
وتبرز الحاجة الملحة لتشجيع أنماط التكافل المنظم عبر الجمعيات والمبادرات المجتمعية، بالتوازي مع رفع مستوى التوعية الصحية لدى الأسر حول المخاطر الكامنة في التكافل العشوائي، لضمان استمرار هذه الروابط الاجتماعية دون المساس بالسلامة العامة.
أخبار ذات صلة.