عربي
حتى نفهم كيف يُعاد تعريف قواعد اللعبة على الساحة الدولية، وكيف تتحكّم القوى بإدارة الجغرافيا السياسية للطاقة، إحدى أهم أدوات إعادة تشكيل ميزان القوّة العالمي الجديد، علينا أن ننتقل من دائرة تحليل التنافس بين الولايات المتحدة والصين في سياق الخلاف التجاري المحدود إلى فضاء الصراع البنيوي على شكل النظام الدولي القادم، فالعالم يقف اليوم أمام لحظة انتقال تاريخية تتعلّق برسم التوازنات الإقليمية والعالمية.
فقد عبّر الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بوضوح عن هذا الإدراك عندما تحدّث عن عالم يتغيّر بعد قرن من الهيمنة الغربية، في إشارة ضمنية إلى أنّ النظام الذي تأسّس بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد ثابتاً. هذا النظام، الذي تكرّس عبر مؤسسات مثل مؤتمر بريتون وودز، قام على ثلاث ركائز: الدولار، والأسواق المفتوحة، والتفوّق العسكري الأميركي، غير أنّ هذه الركائز بدأت تتعرّض لتحديات غير مسبوقة مع صعود الصين.
على مدى عقود، التزمت بكين بسياسة التدرّج والاندماج في النظام الدولي من دون تحديه مباشرة، لكن مرحلة الرئيس الحالي شي جين بينغ تمثّل انتقالاً من "الصبر الاستراتيجي" إلى "المبادرة الاستراتيجية"، فالصين لم تعد تكتفي بالاستفادة من النظام العالمي، بل بدأت تسعى لإعادة صياغته.
يقف العالم اليوم أمام لحظة انتقال تاريخية تتعلّق برسم التوازنات الإقليمية والعالمية
مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعندما تحوّلت المنافسة إلى حرب اقتصادية مفتوحة، فرضت واشنطن تعريفات جمركية وقيوداً تكنولوجية على الصين، وسعت إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بعيداً عن الصين. لكن النتائج جاءت مُعقّدة؛ فبدلاً من إضعاف بكين، دفعتها هذه الضغوط إلى تسريع استقلالها الصناعي والتكنولوجي، وإعادة هندسة طرق وصولها إلى الأسواق العالمية عبر شركاء ووسطاء، فاستمرّت السلع الصينية في التدفّق إلى السوق الأميركي، ولو عبر مسارات غير مباشرة، ما كشف حدود القدرة الأميركية على فكّ الارتباط الاقتصادي الكامل.
الركيزة الأهم في الهيمنة الأميركية لم تكن عسكرية فقط، بل مالية أيضاً. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبح الدولار العمود الفقري للتجارة العالمية، وهو ما منح واشنطن نفوذاً غير مسبوق على الاقتصاد الدولي من خلال نظام الدفع الأميركي العالمي (SWIFT).
لم تعد الصين تكتفي بالاستفادة من النظام العالمي، بل بدأت تسعى لإعادة صياغته
بيد أن بكين شقت طريقاً مُستقّلاً عن هذا النظام قبل عقد مضى، عبر بناء نظام مالي موازٍ يتيح التسويات التجارية خارج منظومة الهيمنة الغربية، فقد طوّرت في عام 2015 نظام الدفع المالي الخاص بها بين البنوك والتجارة الدولية المسمّى بـ(CIPS). ومع توسّع استخدام اليوان في التجارة الثنائية، وخصوصاً مع دول تخضع لعقوبات غربية، ظهرت ملامح تصدّع بطيء في الاحتكار المالي الذي استمرّ لعقود، وهذا التحدي يشير إلى اتجاه طويل الأمد نحو نظام نقدي مُتعدّد، ما يعني أنّ النفوذ الأميركي قد يتحوّل، قريباً، من الهيمنة إلى المشاركة.
وإذا كانت الولايات المتحدة تملك القدرة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، فإنّ الصين تسيطر على المعادن النادرة وأجزاء حيوية من سلاسل التصنيع، فضلاّ عن مكوّنات رئيسية في الصناعات التكنولوجية. وهذا التداخل خلق حالة من "الاعتماد المتبادل التنافسي"، حيث لا يستطيع أيّ طرف إلحاق ضرر استراتيجي بالآخر من دون أن يتحمّل كلفة مماثلة.
رغم تاريخية التنافس بين الصين وروسيا، فإن الشعور المشترك بالتهديد الأميركي، دفعهما للتحالف الاستراتيجي بحكم الضرورة أكثر من الأيديولوجيا
وبينما يبدو الصراع في ظاهره نزاعاً حول الملفات الاقتصادية والتكنولوجيا، إلا أنّ تطوّراته الأخيرة (خاصة في فنزويلا وإيران) تشير إلى انتقاله نحو مستوى أكثر عمقاً، حيث تحوّلت مناطق الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية إلى ساحات ضغط غير مباشر ضمن المواجهة الكبرى بين واشنطن وبكين.
ورغم تاريخية التنافس بين الصين وروسيا، فإنّ الشعور المشترك بالتهديد الأميركي دفعهما للتحالف الاستراتيجي بحكم الضرورة أكثر من الأيديولوجيا، فالصين تدرك أنّ إضعاف روسيا يعني تركها وحيدة في مواجهة الضغوط الغربية، بينما ترى موسكو في الصين شرياناً اقتصادياً بديلاً، لذلك لم يعد التحالف مجرّد خيار سياسي، بل أداة توازن في مواجهة نظام يسعى إلى احتواء القوّتين معاً.
يعتقد الكثيرون أنّ شخصية ترامب "الصدامية" هي التي فجّرت هذا التنافس، إلا أنّ الواقع يشير إلى أنّ التحوّل كان جارياً بالفعل منذ مطلع القرن الحالي، غير أنّ سياسات ترامب ساهمت في تسريع إظهار التناقضات داخل النظام الدولي، وتوسيع الفجوة مع الحلفاء التقليديين، ودفع الصين إلى إعلان طموحاتها بشكل أوضح ممّا كان مُخطّطاً له.
العالم يُعاد تشكيله اليوم من دون حرب عالمية شاملة، بل عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات
لذلك يقف العالم اليوم أمام خيارين: إمّا قبول انتقال تدريجي نحو نظام مُتعدّد الأقطاب، أو الانزلاق إلى صراع طويل؛ بطيء الانتقال. وفي الحالتين، فإنّ مرحلة الهيمنة الأحادية تقترب من نهايتها.
لا شك في أنّ الصراع الأميركي الصيني اليوم ليس مجرّد تنافس بين قوّتين، بل هو صراع على تعريف المستقبل: من يحدّد قواعد الاقتصاد العالمي؟ من يملك مفاتيح التكنولوجيا؟ ومن يرسم حدود النفوذ؟
إنّها لحظة تاريخية شبيهة بما سبق مؤتمر يالطا 1945، ولكن بفارق جوهري: العالم يُعاد تشكيله اليوم من دون حرب عالمية شاملة، بل عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات. ويبقى السؤال المفتوح: هل يُعاد رسم توازنات العالم والقوّة سلمياً، أم أنّ التاريخ سيُعيد إنتاج منطقه القديم، حيث لا تتنازل القوى الكبرى إلا بالحروب؟!
أخبار ذات صلة.
مان سيتي سيخوض 3 مباريات قوية في 7 أيام
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة