عربي
روى وائل الدحدوح كيف انتشل جثّة حفيده من ركام المكان الذي كان يؤوي عائلته، بعدما تقصّدت آلة الحرب الإسرائيلية قتلها لإسكات الصحافي. قال إنّه لم يصدق أنّ حفيده قُتل، وإنّه حمله إلى المسعفين وهو يأمل في أن يتمكّنوا من إنقاذه، ولم يصدّق أنّه بات جثّةً، حتى عندما قالوا له إن لا مجال لإنقاذه. جاء هذا في شهادة في مهرجان الصحافة العالمي في إبريل/ نيسان الجاري في مدينة بيروجيا الإيطالية، وجمع نخبةً من الصحافيين والعاملين في القطاع الإعلامي وممثّلي المؤسّسات الدولية الداعمة له. كانت الشهادة التي قدّمها مدير مكتب قناة الجزيرة في غزّة صادمةً، إلا أنّها اختزلت أيضاً المسافةَ الفاصلةَ بين العمل الصحافي في مناطق الحروب، حيث القاتل يرتكب جرائمه من دون حساب، وعالم الصحافة في الغرب، حيث يبرز الخوف من تراجع الديمقراطية، ومعها الحرّيات، تحت وطأة الأنظمة الشعبوية، والأسئلة التي تطرحها التكنولوجيا الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.
يسهم انتفاء التضامن مع الصحافيين في قتلهم، إذ يبرّر جريمة القاتل ويحوّلها إلى ظاهرة طبيعية
الخطّ الفاصل بيننا ليس فقط اهتماماتنا التي وزّعتنا بين حلقات النقاش المتنوّعة، بل هو الخطّ الفاصل بين الحياة والموت، بين الغياب والحضور، بين الاعتراف والمحو. في حين كنا جميعاً نستمتع بالنقاشات واللقاءات في بيروجيا الجميلة، حيث الأعلام الفلسطينية تتدلّى من شرفات المنازل والمراكز الرسمية على حدّ سواء، كان صحافيون في منطقتنا يُقتلون بدم بارد وهم يحاولون نقل الخبر. قُتلت الصحافية في "الأخبار" اللبنانية آمال الخليل بدم بارد، ولم تتمكّن فرق الإنقاذ من الوصول إليها رغم وقف إطلاق النار. لا أمان في المبنى الذي لجأت إليه الصحافية للاختباء بعد الغارة التي استهدفت سيارةً مجاورةً في بلدة الطيري، إذ قُصف المبنى بهدف قتل الصحافية. لا أمان، أينما كان، للصحافية التي كانت قد تلقت تهديدات بالقتل إن لم تتوقّف عن التغطية، وكان عليها أن توازن بين حياتها وبين العمل الصحافي. سبع ساعات فصلت بين إصابتها وبين وصول فرق الإنقاذ إليها، وقد تعرضت ايضاً للعرقلة والاستهداف. ساعات طويلة من الوحدة والألم تذكّر بمعاناة الطفلة الغزّاوية هند رجب التي قضت وحيدةً في سيارة العائلة التي تعرّضت لأكثر من 300 رصاصة، وقُتل أفراد طاقم الإسعاف في محاولة إنقاذها.
قُتل 18 صحافياً لبنانياً وفلسطينياً منذ بداية العام الحالي، بحسب لجنة حماية الصحافيين. قُتل 11 صحافياً وعاملاً إعلامياً في لبنان منذ بداية الحرب في الشهر الماضي (مارس/ آذار). وبحسب المنظّمة نفسها، قُتل عدد قياسي من الصحافيين والعاملين الإعلاميين في العام الماضي (2025)، وهو رقم يفوق أيّ حصيلة لضحايا الصحافة في الأعوام السابقة. تتحمّل إسرائيل مسؤولية ثلثي الإجمالي العالمي من هذا الرقم، إذ ارتكب الجيش الإسرائيلي عدداً من عمليات القتل التي تستهدف الصحافيين والعاملين الإعلاميين يفوق ما ارتكبته أيُّ قوة عسكرية نظامية في العالم، والغالبية العظمى من الضحايا هم من الطاقم الصحافي الفلسطيني في غزّة. لن تتوقّف، على الأرجح، حصيلة الضحايا عن التزايد في ظلّ الإفلات من العقاب الذي تستفيد منه إسرائيل في استهداف الصحافة، وليس من آلية لوقف هذا الإفلات أو للمحاسبة. اليوم، كلُّ صحافي يغطي ميدانياً في لبنان وفلسطين يعرف أنّ ثمّة تهديداً بالقتل يحوم فوق رأسه. هل يكون الجواب الملائم سحب هؤلاء المراسلين كلّهم وتحمّل كلفة وقف التغطية حفاظاً على أرواحهم؟
الهشاشة التي تميّز عمل الصحافي الميداني في لبنان وفلسطين لا تشبه أيَّ هشاشة تعاني منها الصحافة عالمياً. التهديد ليس بفقدان مصدر العيش بسبب الأزمة الاقتصادية فحسب، كما هو حال الصحافة عالمياً، بل بفقدان الحياة نفسها والقتل في أبشع أشكاله. عملت الدعاية الإسرائيلية لتشويه سمعة هؤلاء بالخلط بينهم وبين المقاتلين، بناءً على توجّهات سياسية عبّر بعضهم عنها. وأسهمت في الخلط، في بعض الحالات، حملات داخلية استعادت تعبيرات في وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها مقزّز في محتواه، داعيةً إلى رفض التعاطف مع الضحايا. لا يمكن اختصار مسيرة عمل صحافي أو صحافية بتغريدة، ولا يمكن أن يكون القتل الوحشي الذي يتعرّض له هؤلاء أمراً عادياً تبرّره مواقفهم السياسية. انتفاء التضامن مع الصحافيين، أيّاً كانوا، وأيّاً كانت انتماءاتهم السياسية، عامل مساهم إلى حدّ كبير في القتل والإسكات الذي يتعرّضون له، إذ يبرّر جريمة القاتل ويحوّلها من أمر مروّع إلى ظاهرة طبيعية.
لا تزال وسائل إعلام تردّد التبريرات نفسها، بأنّ الضحية قد تكون مشاركة في القتال، أو أنّ الجيش الإسرائيلي يحقّق في ملابسات القتل
قال وائل الدحدوح، في ورشة عمل عن صحافة النزاعات، إنّه كان يتوقّع أن تقوم قائمة المجموعة الصحافية الدولية ردّاً على المقتلة التي يتعرّض لها صحافيو غزّة. البيانات التي صدرت عن هيئات دولية، وبعض الإعلام الدولي، جاءت أقلَّ بكثير من المتوقّع في مواجهة جرائم بهذا الحجم بحقّ الصحافة. قال مراسل وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، عادل الزعنون، في المناسبة نفسها، إنّ الصحافيين في غزّة كلّهم متّهمون بأنّهم "إرهابيون" مهما فعلوا، ومهما كانت علاقاتهم بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أو غيرها من الفصائل. تحدّث عن أمور تتجاوز القتل إلى المحو التام مثل تدمير بيته بعد تمكّنه من الخروج من القطاع من باب الانتقام. رغم الحملات التي أطلقتها هيئات حماية الصحافيين عالمياً، لم يتوقّف القتل، ولا تزال وسائل الإعلام تردّد التبريرات نفسها، بأنّ الضحية قد تكون مشاركة في القتال، أو أنّ الجيش الإسرائيلي يحقّق في ملابسات القتل.
جاء قتل آمال الخليل، التي حظيت بشعبية بين الصحافيين المحلّيين، وباتت موضوعاً لتقارير المراسلين الأجانب في المنطقة، مناسبةً لتسليط الأضواء على القتل السهل للصحافيين من دون عقاب أو حتى اهتمام. حظي القتل الوحشي للطفلة هند رجب بتغطية واسعة واهتمام عالمي، بعدما تحوّلت أيضاً إلى موضوع فيلم حظي باعتراف دولي. هل ستتغيّر الوقائع؟ هل سيتوقّف القتل ويُحاسب الجاني؟ في غياب تضامن فعلي واسع بين الصحافيين، في المنطقة وخارجها، سوف يلاحق التهديد بالقتل الصحافيين الميدانيين إلى أن تقرّر آلة الحرب الإسرائيلية مصيرهم.

أخبار ذات صلة.
خريطة التنظيمات المسلحة والتحالفات في مالي
العربي الجديد
منذ 46 دقيقة