عربي
يعيش المغرب منعطفاً جوهرياً في مساره، يهمّ التراب (أو المجال)، ويهمّ التجربة الديمقراطية ومآلاتها، ويهمّ الهُويّة الاستراتيجية للبلاد في علاقاتها شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً. وعلى الرغم من الطبيعة المركزية لما يعيشه، تكتفي بعض أطراف الطبقة السياسية في المغرب، وأساساً الحكومية، باختزال النقاش في نهاية مرحلة الحكومة الحالية والاستعداد للمرحلة المقبلة في أرقام التسيير التقني (بالرغم من أهميتها)، أو في شروط التنافس حول مقاعد البرلمان أو في التموقعات المقبلة، من دون مواقف من هذه القضايا المزلزلة ذات الصلة بمغرب اليوم ومغرب الغدّ.
هناك العنصر المتعلّق بالنموذج التنموي الذي اختاره المغرب لنفسه في 2021، شهادةً على استنفاد النموذج الذي ظلّ مطبقاً طوال مرحلة الاستقلال لكلّ إمكاناته في التطوّر، وشهادة على وجود تفاوتات رهيبة، اجتماعياً ومجالياً (ترابياً)، بين جهات المغرب. وهذا النموذج الجديد الذي اعتمد فيه الملك محمّد السادس الأسلوب الذي يراه ناجعاً، أي فتح مشاورات واسعة تمسّ أركان المجتمع والأحزاب والنقابات ومراكز التفكير ومجالس الحكامة ومكاتب الدراسات... إلخ، حقّق من حوله توافقاً واسعاً، ليرسم من خلاله الاستراتيجيات التي تهمّ الدولة والمجتمع في مكوّناتهما كافّة: العدالة الترابية، والعدالة الاجتماعية، ومغرب الإقلاع الاقتصادي والجيوسياسي... إلخ. هذا النموذج كانت قد سبقته تجربة ناجحة هي النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، موضع النزاع دولياً التي أفضت إلى نتائج جدّ متقدّمة، وكانت من العناصر الحاسمة في ضرورة الانتقال إلى تجربة جديدة على المستوى الوطني.
يبدو أنّ الحكومة المغربية تعثّرت في الانتقال إلى معالجة أمر التراب بما يخدم الإنسان البعيد من المركز، ما دفع الملك إلى الإشراف عليه مباشرة من خلال المجلس الوزاري الذي عقده في نهاية ولاية الحكومة
لا أحد يطرح على بساط البحث: إلى أين وصلت تطبيقات النموذج التنموي؟ وهل كان لها في التجربة الحكومية التي تنتهي في الشهور الحالية (2021- 2026) أثر يُذكر، أم كانت لحظة فراغ سياسية على هذا المستوى؟ هو سؤال جوهري، لأنّ الأمور تتعلّق باستراتيجية عابرة للحكومة (2021- 2035)، لكن اللحظة التأسيسية فيها كانت مع التجربة التي قادها رجل الأعمال الثري، والشخصية الاقتصادية القوية، عزيز أخنوش (2021- 2026). وقبل هذه التساؤلات، هناك سياسة سبق لمن صاغوا استراتيجية النموذج التنموي، كما سبق لدستور 2011 المنبثق عن دينامية الربيع المغربي، أن تولوا الكتابة عنها. ويتعلّق الأمر في الوقت الراهن بالانتقال من شأن الإنسان المغربي (طريقة تمثيله ووصوله إلى السلطة وعلاقة السلطة به، وغير ذلك ممّا تطرحه هذه الديناميات السياسية والاجتماعية)، إلى شأن التراب، وهو الأمر الذي ظلّ تاريخياً تابعاً لوسائل الإنسان. والمقصود به كيف تتولى الدولة نفسها تأهيل الجهات والإقليم الأقلّ ثراءً وثروة، والمحروم عادةً من الرخاء المادي الذي يتحقّق. وكان ملك المغرب قد ترجم انشغاله به عبر طرح سؤال في خطاب من خطاباته؛ "أين الثروة؟".
يبدو أنّ الحكومة الحالية تعثّرت في هذا الانتقال إلى معالجة أمر التراب بما يخدم الإنسان البعيد من المركز، وهو ما دفع ملك المغرب إلى الإشراف عليه مباشرة من خلال المجلس الوزاري الذي عقده في نهاية ولاية الحكومة، وأفرز خطّةً تنمويةً تتجاوز ثماني سنوات، أي ولايتَين حكوميتَين، وهو ما يجعل هذا الملفّ خارج الشأن الانتخابي، إن لم نقل خارج التفكير السياسي للطبقة المتنافسة والمقبلة على التنافس. لا نودّ القيام بتقييم لحصيلة الحكومة من باب معارضة المالك بزمام القرار العمومي فحسب، بل لأنّها حكومة ذات حظّ واسع في تاريخ المغرب، تتوافر لها أغلبية مريحة، وتوجد في كلّ مستويات اتخاذ القرار (الجهازان التنفيذي والتشريعي، والجهات، والأقاليم والجماعات الترابية في القاعدة)، ولها وجود كبير في العديد من مؤسّسات التعيين وعبر تمثيليّتها في مؤسّسات الحكامة. وكان أوْلى بها أن تقدّم تشريحاً فعلياً عن نقط الضعف والعجز في تدبير التراب، عوض أن تنتظر مبادرة ملكية للخروج من الأعلى من نفق تعثّر الجهوية وتأهيل التراب ومؤسّساته، ونقل الصلاحيات من المركز إلى الجهات، في زمن الاستعداد للانتقال إلى مستوى ترابي أوسع في الأقاليم الصحراوية، عبّرنا عنه بـ"الانتقال من الحكامة الترابية إلى الحكومة الترابية".
وبالحديث عن التراب الوطني المرتبط بالسياسة والطبقة السياسية، لا يمكن أن نُغفل قضية الحكم الذاتي وما تطرحه من مستجدّات ترابية ذات العلاقة بالسيادة الديمقراطية والسيادة الوطنية (انظر: "تقاطع السيادتَين الديمقراطية والترابية في المغرب"، "العربي الجديد"، 6/1/2026). وفي هذا الباب، يلاحظ المتتبّعون البعيدون من الأضواء أنّ الموضوع الأكثر قوة وتأثيراً في تاريخ المغرب المعاصر (50 سنة منذ تنظيم المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء سنة 1975، و60 سنة من الاستقلال عام 1956، وأزيد من قرن و30 سنة منذ استعمار إسبانيا الصحراء). هذا الملفّ لا تتداوله الطبقة السياسية بالعلنية المطلوبة، في لحظة تحوّل جوهري يُهمّ السيادة الوطنية ووحدة التراب والإنسان. وهي منطقة تاريخياً كانت امتحاناً للدولة المركزية ونموذجاً في العلاقات السيادية المبنية على العلاقة مع العرش والجالس عليه أكثر من ارتباطها بالدولة بالمفهوم الوطني الحديث. وبالرغم من هذه الأهمية القصوى، لا تقدّم الطبقة السياسية فكرةً واضحةً عن التطوّرات التي يرتقب حصولها مستقبلاً، سياسياً ومؤسّساتياً وترابياً... إلخ (انظر: "مغرب الحكم الذاتي... مَلَكية واحدة بنظامَيْن"، "العربي الجديد"، 18/11/2025).
بطبيعة الحال، يوجد بعض الجواب على هذا "الصمت" الوطني في الإجماع الذي ظلّ يميّز تعامل السياسيين المغاربة كلّهم، وعموم المواطنين، حول قضيتهم الوطنية الترابية، بأنّ الطبقة السياسية عموماً قدّمت مقترحاتها حول تحيين وتفصيل الحكم الذاتي، لكن هذا لا يمنع نوعاً من "التنشئة السياسية" في أفق ما سيتحدّد من تطوّرات، بعضها يمكن أن يستشفّه المتتبّع من مذكّرة الحكم الذاتي المقدّمة من المغرب في صيغتها الأولى، قبل الصيغة النهائية التي تقدّم بها المغرب بعد قرار 2797، وكانت نتاج مشاورات وطنية واسعة. ولعلّ من النقاط التي لا يمكن القفز عنها، تلك المتعلّقة بعودة سكّان المخيّمات في تندوف وممثّلي جبهة بوليساريو عبر الشتات، وبالنظر إلى تصريحات مبعوث الأمين العام حول الصحراء، ستيفان دي ميستورا، بخصوص تساؤلات مستقبل العائدين من أفراد "بوليساريو" وقياداتها، فإذا استثنينا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، الذي تميّزت قيادته بإعلان صريح عن الاستعداد لاحتضان العائدين من أبناء الصحراء في صفوفه، فإنّ أغلبية الطبقة السياسية ظلّت من دون أدنى مبادرة في هذا الباب أو في غيره. ولعلّه نموذج للصمت المؤسّسي للطبقة السياسية صاحبة القرار الحكومية، علماً أنّه من البديهي أنّ المورد البشري للحكم الذاتي لا بدّ له من أحزاب تمثّله في مؤسّسات القرار.
ومن المواضيع الكُبرى كذلك، التي تهمّ المستقبل السياسي للبلاد والعباد، الدولة الاجتماعية في زمن المنعطف النيوليبرالي الذي تعيشه الدولة والمجتمع. ليس سرّاً أنّ المغرب يعتمد كثيراً من المفاهيم النيوليبرالية في تسيير الدولة وميزانياتها وقطاعاتها، وأيضاً في سلطة الحكامة فيها، بل إنّ المغرب أفرز "حملةً" جدداً للنيوليبرالية غير الذين اعتدناهم في عقود سابقة، منهم التكنوقراط والمهندسون في الاقتصاد والمالية، وبعض مناضلي اليسار الذين تحوّلوا إلى تسيير قطاعات الدولة، والنُّخب التقليدية التي تعصرنت، علاوة على مجتمع مدني برجوازي، وعلى الخبراء والإسلاميين... إلخ، كما تحدّث عنهم الباحث محمّد الطوزي في كتابه "عن خيال الدولة في العصر النيوليبرالي"، لكن الحوار حول هذا الموضوع ومخارجه واحتمالاته وآثاره الاجتماعية لا يخضع لنقاش عميق وراهن يجري تحيينه في ضوء الرهانات الانتخابية. وهذا المنعطف حمّال رعود كما هو حمّال وعود، وقد خرج المغرب قبله من منعطف ليبرالي كانت كلفته كبيرة (أحداث اجتماعية، مواجهات شكّلت جزءاً من زمن الجمر والرصاص)، لهذا يبدو أنّ تسيير الدولة السيادي يريده طريقةً في عقلنة التسيير العمومي من دون أن يفضي إلى احتقانات عميقة حقّقت شرخاً كبيراً في البلاد، وإلى خروج طبقات المجتمع كلّها، ولا سيّما الفئات الوسطى، إلى الشارع (محامون، مهندسون، عدول، أساتذة، أطباء، وصيادلة...). وفي المقابل، دخل المغرب في تحوّل كبير وعميق تحت مسمّى الدولة الاجتماعية، يُراد منها أن توقف المدّ النيوليبرالي، وفي الوقت نفسه الحرص على ألّا تتحوّل إلى واجهة لامتصاص الغضب وتخفيف الاصطدام داخل المجتمع.
ولا يختلف المنتقدون، بل حتى بعض مكوّنات الأغلبية الحالية، في أنّ الدولة أبدت قدرةً غريبةً على خلق اصطدامات داخل المجتمع وتأجيجها، إذ لم يبقَ أيّ قطاع لم يخرج إلى الشارع. ولم يعد التفسير العادي الذي يعود إلى هشاشة الوساطة والوساطات النقابية والحزبية كافياً في تفسير ما يقع، بل أصبح واضحاً أننا أمام تدبير للنيوليبرالية مبني هو ذاته على "تأجيج الصراع"، لأنّه مبني على زواج المال والسلطة في لحظة إعادة بناء الأولويات المجتمعية والوطنية. في الشارع الموازي، تعيش "الأغورا" المغربية، أي ساحة النقاش العام، قضايا لا تقلّ حرارةً، تهمّ الهُويّة الاستراتيجية للمغرب في زمن الحرب في الشرق الأوسط، ولعلّ أهم ما فيها هو مجالات فتح النقاش مجدّداً حول مكانة الوطن والوطنية في تدبير النقاش وفي اتخاذ المواقف ممّا يجري من حروب، في ضوء المصلحة الوطنية.
حكومة ذات حظّ واسع في تاريخ المغرب، تتوافر لها أغلبية مريحة، وتوجد في كلّ مستويات اتخاذ القرار
وقد تعالت أصوات ذات امتداد إسلامي سياسي تدعو صراحةً إلى "تعطيل شرط الوطن من أجل استكمال الشرط الأخلاقي"، بمعنى آخر: لا بدّ من تأجيل مصلحة الوطن حتى تنتصر إيران في الحرب ضدّ أميركا، وهو ما شكّل صدمةً، ثم تحفيزاً على النقاش الجيوسياسي، ولا سيّما من طرف تيار الإسلام السياسي الذي شارك في صناعة لحظات التقارب مع طرفَين من أطراف الحرب الدائرة، أي الاتفاق الثلاثي المغربي - الإسرائيلي - الأميركي، وهي نقطة وحدها سيكون لها تأثير كبير في المقبل من الأيام، بل ربّما على طبيعة التحالفات في مرحلة ما بعد انتخابات 2026 التشريعية، وما ستفرزه من جهاز تنفيذي له علاقة كبيرة بالحكم الذاتي وتنفيذه واقعياً. وفي قضايا الإنسان وروحه، غابت الحكومة (أو غيّبت نفسها) من جوهر الإشكالات، سواء في تغييب المسألة الحقوقية في تقديم حصيلتها خلال خمس سنوات، أو في عجزها عن تحريك الإصلاح العميق المتعلّق بمدوّنة الأسرة، التي لم تدافع الحكومة الليبرالية فيها عن جوهر هُويّتها السياسية، واختارت الصمت حدّاً أدنى في الحوار مع التيارات المحافظة داخل المجتمع. وربّما فضّلت أن تربح العتاب على أن تخضع للعقاب من الفئات المحافظة داخل المجتمع، وإن لم تكن منتميةً إلى تيارات الإسلام السياسي. والأنكى أنّها تراجعت بخصوص ما يتعلّق بالحضور المادي للمرأة في قطاعات الإنتاج وسوق العمل عمّا وجدت عليه الوضع سنة 2021، في حين كانت قد رفعت السقف إلى 30% في برامجها المعلَنة. وعجزت عن إتمام الهندسة الدستورية في هذا الباب، فلم تخرج إلى الوجود هيئة المناصفة التي تعتبر من أهم مكتسبات الدستور الحالي، ومضت عليها 15 سنة (ينصّ الفصل 19 على ما يلي: يتمتّع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب، وذلك كلّه في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها. تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وتُحدث لهذه الغاية هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز).
لقد اتضح أنّ الاستفراد بالسلطة التشريعية والتنفيذية، في مستويات القرار كلّها، من دون الحديث عن التراجع في سلّم القيم السياسية بفعل تضارب المصالح في الجمع بين السلطة والمال، كلّه كان من دون مردودية على مغرب يدخل أحد أكبر منعطفاته التاريخية.

أخبار ذات صلة.
خريطة التنظيمات المسلحة والتحالفات في مالي
العربي الجديد
منذ 45 دقيقة