عربي
... وأخيراً قُبض على جزّار حيّ التضامن (في دمشق) أمجد يوسف الذي ارتكب، بالتشارك مع زبانيةٍ في سلطة بشّار الأسد الهارب، مجزرةً مروّعةً عام 2013 في الحي؛ استهدفت مدنيين لا لذنب اقترفوه، وإنّما من أجل بثّ الرعب في أوساط السوريين، ودفع الوضع السوري نحو حرب أهلية طائفية مقيتة بغيضة. كانت تلك المجزرة في سياق أسلوب استخدام المجازر التي استهدفت المدنيين في مناطق سورية عديدة (البيضا، معرزاف، القبير، تلبيسة، الحولة...)، بغرض تفجير النسيج المجتمعي الوطني السوري من الداخل. وقد استخدمت أجهزة سلطة آل الأسد هذا الأسلوب بناءً على خبرتها، وبالتنسيق مع الراعي الإيراني في العراق، إذ ارتكبت المجازر العشوائية ضدّ المدنيين العراقيين من الشيعة والسنّة، لإحداث شروخ عميقة عصيّة على الاندمال في النسيج المجتمعي العراقي.
صُدم العالم بصور الضحايا وهم يُعتقلون من أمام الأفران، ومن الشوارع، ومن بيوتهم، ويقتادون إلى حفرة في "التضامن" جهّزت لتكون قبراً جماعياً للضحايا الأبرياء الذين اختيروا مادّةً لحقد سلطة آل الأسد الدفين على الشعب السوري، وهي السلطة نفسها التي ظلّت سنوات تقصف المدنيين السوريين ببراميل الحقد والبارود والغازات السامة. ما زالت مشاهد حيرة وارتباك وفزع وتساؤلات وردّات فعل الضحايا الأبرياء، الذين كانوا يُساقون معصوبي الأعين إلى المجزرة التي كانت تنفّذها وحوش في هيئة بشر حاضرةً في أذهان السوريين، وغير السوريين من أصحاب الضمائر الحيّة، وما زالت تعصر القلوب. وكانت مشاهد سادية أمجد يوسف ووقاحته هي ما أثارت الذعر والقهر والغضب لدى كلّ من تمكّنوا من الاطلاع على ملفّات المجزرة، بفضل جهود الناشطين الحقوقيين السوريين الشجعان في الداخل والخارج، وبالتعاون مع أصحاب الاختصاص والضمير في المراكز والهيئات الحقوقية الدولية والصحافة العالمية، بعد نحو تسع سنوات على ارتكاب تلك المجزرة الرهيبة. فقد كان أمجد يتقصّد الاستهزاء بالضحايا المغلوبين على أمرهم، ويُمعن في إذلالهم، وعبّر بكل صفاقة عن حقده الأسود عليهم وهم في طريقهم نحو المقصلة.
لتكون المحاسبة في سياق العدالة الانتقالية منتجةً، لا بدّ أن تشمل جميع مَن ساهم في قتل وتغييب وتشريد السوريين
أعوام طوال مرّت، ولم تتوقّف مجازر سلطة آل الأسد وقوات الحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله والمليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية المذهبية، والطيران الروسي، ضدّ السوريين المدنيين. كان السوريون يُقتلون في الأسواق الشعبية والمدارس والمشافي والمراكز الصحّية والأحياء السكنية. وكانت ردّات فعل المجتمع الدولي باهتةً لا تتجاوز دائرة الإدانة الخجولة. واعتمد أسلوب إدارة الأزمة نحو 14 عاماً في التعامل مع الملفّ السوري. وكانت هناك محاولات للانفتاح على سلطة بشّار الأسد عربياً وأوروبياً، وجهود مستمرّة لإقناع السوريين بأنّهم قد فشلوا في ثورتهم على سلطة الاستبداد والفساد والإفساد؛ حتى وصل الأمر بكتّابٍ عرب، ممّن كنا نتوسّم فيهم الخير، إلى حدّ الاستهزاء بـ"الربيع العربي"، وعدم إعطاء أي اهتمام يُذكر لمعاناة السوريين وتطلّعهم المشروع العادل نحو حياة حرّة كريمة.
ومن الصعب جداً في هذا المجال أن ينسى السوريون زيارة وفد البرلمانيين العرب برئاسة محمّد الحلبوسي (رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق)، في فبراير/ شباط 2023، دمشق، بحجّة التعبير عن تضامنهم مع الشعب السوري في محنة الزلزال عبر اللقاء مع بشّار الأسد، مع علمهم المسبق أنّ معظم ضحايا الزلزال كانوا ممَّن شرّدهم الأخير، الذي كان يتباهى في ذلك الحين بالسير مع زوجته على أشلاء السوريين بين حطام بلدات غوطة دمشق. كم كنّا نشعر بالإحباط والقهر، ولكنّنا، والحمد لله، لم ننحنِ ولم نستسلم ولم نيأس في أي يوم. وكنّا على قناعة تامّة بأنّ ملايين الشباب السوري من سائر الانتماءات والتوجّهات والجهات السورية الذين ثاروا على سلطة الطاغية سيتابعون نضالهم من أجل الخلاص، رغم التضحيات والآلام والمعاناة.
لقد تحمّل أكثر من نصف سكّان سورية عذابات التشرّد والنزوح واللجوء، وضحّوا بنحو مليون ونصف مليون شهيد. وحُرم جيل كامل من التعليم، ومع ذلك لم يدر الاستسلام في خَلد أيّ من السوريين الثائرين، رغم الضغوط كلّها، بل كان الإصرار على الانتصار على سلطة آل الأسد التي انهارت مع الإعلان عن هروب بشّار. واليوم هناك تراكمات ثقيلة خلّفتها تلك السلطة تحتاج إلى الوقت وتضافر جهود السوريين لمعالجتها وتجاوزها، والتركيز على ضمان مقومات العيش الحرّ الكريم الآمن لسائر السوريين من دون أيّ استثناء. العدالة الانتقالية مطلب جميع السوريين من ضحايا سلطة آل الأسد، فهي ستخفّف بعض الشيء من أحزان الثكالى والأرامل واليتامى، ولكنّها لن تكون مكتملة من دون جهود صادقةٍ في ميدان السلم الأهلي والمصالحة الوطنية، وإلا قد تتحوّل العملية إلى صيغة من صيغ الانتقام الارتجالي بهدف التهدئة المرحلية. ولتلافي هذا، لا بدّ من التعامل مع هذا الملفّ بكل جدّية ومسؤولية من متخصّصين مهنيين يُشهد لهم بالاستقامة والنزاهة والرؤية الوطنية الجامعة التي لا تميّز بين السوريين بناءً على انتماءاتهم المجتمعية أو توجّهاتهم السياسية أو الفكرية. وحتى تكون المحاسبات المطلوبة في سياق ملفّ العدالة الانتقالية منتجة، لا بدّ أن تشمل جميع من ساهم في قتل السوريين وتغييبهم وتشريدهم، سواء بإعطاء الأوامر أو التنفيذ أو حتى بالتمويل، على أن تكون محاسبات شفّافة علنية أمام محاكم متخصّصة عادلة، وبحضور المراقبين من المنظّمات الحقوقية المحلّية والعربية والدولية ووسائل الإعلام. فنحن في حاجةٍ إلى مواجهة جريئة، حكيمة، متأنّية، عادلة، مع تركة عقود من الحكم الاستبدادي الإجرامي، حتى نعالج الجذور، ولا تتكرّر المآسي. وذلك كلّه يستوجب اعتماد خطاب وطني جامع، والقطع مع حملات التجييش التمييزية بأشكالها كافّة، بل تجريم من يدعم أو ينفّذ أو يشجّع تلك الحملات في مختلف المنصّات وعبر وسائل الإعلام، وحتى في المؤسّسات التعليمية والثقافية.
لقد طالب السوريون قبل 15 عاماً بإسقاط النظام بكامل رموزه وأركانه بعد جرائم عاطف نجيب، ابن خالة الهارب بشّار، بحق أطفال درعا، وفي مقدّمتهم حمزة الخطيب، أحد أيقونات الثورة السورية الكثيرة. فقبل تلك الجرائم، كان المثقّفون والسياسيون والشباب السوريون على اختلاف انتماءاتهم يطالبون بالإصلاح، ويقبلون حتى بأن يكون بشّار الأسد هو قائد عملية الإصلاح، شرط أن يبدي الرغبة والقدرة على ذلك. لكنّه عجز عن إنجاز ذلك رغم الوعود الإصلاحية التبشيرية التسويفية التي أطلقها في بدايات عملية توريث الجمهورية، وهي العملية التي فرضها رؤساء أجهزة حكم والده بقوة التهديد والوعيد، وتخاذل من ادّعوا لاحقاً بأنّهم كانوا من معارضي التوريث.
يثقل الملفّ المعيشي كاهل الغالبية الساحقة من السوريين
أن يقف عاطف نجيب متّهماً أمام محكمة سورية في قلب دمشق كان مطلباً صعب المنال قبل سنوات، ولكن ها هو يتحقّق بفضل دماء الشهداء وعذابات ذوي الضحايا، وتحمّل ملايين السوريين المهجّرين وصبرهم، وإصرار الشباب السوري على النصر. والسوريون اليوم في انتظار محاكمة الذين أجرموا بحقّهم، سيّما الذين كانوا يصدرون الأوامر ويصادقون على الأحكام، وفي مقدّمتهم بشّار الأسد وبطانته الفاسدة المفسدة.
بقي القول إنّ ملفّ العدالة الانتقالية، رغم أهميته القصوى، ليس وحده الذي يشغل بال السوريين، فهناك الملفّ المعيشي الحيوي الذي يثقل كاهل الغالبية الساحقة من السوريين. فمنذ عام ونصف العام تقريباً، وهم ينتظرون تحسّن الأوضاع المعيشية بعد الخلاص من سلطة آل الأسد. وما ينتظرونه لا يشمل مظاهر الرفاهية والبحبوحة، وإنّما يقتصر على الحدّ الأدنى الضروري لتأمين أبسط مقوّمات العيش الكريم. ورغم الوعود والأحاديث الكثيرة الخاصّة بالمشاريع الاستثمارية التي كان من المفروض أن تؤدّي إلى تحرّك العجلة الاقتصادية وتضمن فرص العمل لمئات آلاف من الشباب من أصحاب الكفاءات الذين يبحثون عن العمل، لا تبدو في الأفق مؤشّرات واعدة، بكلّ أسف. وهنا لا يمكن أن نتجاهل تأثير الظروف الدولية والإقليمية على الوضع السوري، خصوصاً الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإيرانية على دول الخليج؛ ولكنّ سورية تمتلك من الإمكانات الزراعية والحرفية الصناعية والنفطية، والقدرات الشبابية الخبيرة، ما يمكّنها من تأمين الضروري لمواطنيها، شرط التزام مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة والمحاسبة. ما نحتاج إليه هو التفاهم الداخلي، والتماسك المجتمعي، والتوجّه نحو العمل الإنتاجي بتصميم يعادل تصميمنا على الخلاص من حكم السلطة البائدة.

أخبار ذات صلة.
خريطة التنظيمات المسلحة والتحالفات في مالي
العربي الجديد
منذ 46 دقيقة