تصاعد كلفة "خطة ماتّي" الإيطالية في أفريقيا
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بدأت تداعيات الحرب في المنطقة تنعكس تدريجياً على مسار "خطة ماتّي" الإيطالية للتنمية في أفريقيا، ليس عبر تعطيل مباشر لمشروعاتها، بل من خلال تعقيد البيئة التي يفترض أن تُنفَّذ فيها، إذ إن اضطراب سلاسل الإمداد، خصوصاً في قطاعي الطاقة والأسمدة، يضغط على اقتصادات الدول الأفريقية المعنية بالخطة، ما قد يؤدي إلى تأجيل بعض المشاريع أو زيادة كلفتها. وذكر المحلل الإيطالي في مرصد البحر المتوسط بمعهد القديس بيوس الخامس للدراسات السياسية في روما، ماريو سافينا، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تمثّل اختباراً جيوسياسياً حقيقياً لـ "خطة ماتّي" ولإيطاليا، أكثر من كونها لحظة تتجاوزها". واعتبر سافينا أن "التأثير الرئيسي لا يطاول هيكل الخطة بحد ذاتها، بقدر ما ينصب على تسريع وتيرتها وتعميمها على المستوى الطاقوي". وتابع أن "التصعيد في إيران، وما يرتبط به من توترات في مضيق هرمز، يزيد، في المقام الأول، من تقلبات إمدادات الطاقة عالمياً، معززاً المنطق الأساسي الذي تقوم عليه "خطة ماتّي": التنويع الجغرافي وتقليص الاعتماد على مناطق غير مستقرة". وأضاف: "من هذا المنظور، لم يصب الوهن خطة ماتّي، بل بدت أكثر إلحاحاً ومركزية في الاستراتيجية الإيطالية والأوروبية. وفي هذا السياق، نرصد اهتماماً متنامياً نحو شمال أفريقيا بصفته فضاءً لتعزيز الاستقرار الطاقوي بديلاً لمسارات أخرى". وشهدت الأيام القليلة الماضية جدلاً بعدما أرسل بييترو ماتّي، حفيد مؤسس مجموعة إيني العملاقة للطاقة، إنريكو ماتّي، الذي كان وراء النهضة الاقتصادية لإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، رسالة بريد إلكتروني مسجلة إلى رئاسة الوزراء طالب فيها بوقف استخدام اسم جده في "خطة ماتّي" التي تروجها حكومة جورجيا ميلوني لتعزيز الشراكات مع أفريقيا. واعتبر ماتّي أن سياسات الحكومة الحالية تتعارض مع إرث جده الذي ارتكز على استقلالية القرار في مجال الطاقة، وتحدي هيمنة شركات النفط الكبرى، وإقامة علاقات متوازنة مع دول منتجة، بما فيها دول عربية وإيران. ورأى أن النهج الحالي يعكس "تبعية" للمصالح الأميركية، خصوصاً في ملف الطاقة، إلى جانب مواقف الحكومة من الحرب في غزة. كما انتقد الورثة ما وصفوه بابتعاد الحكومة عن فلسفة ماتّي في بناء شراكات عادلة مع أفريقيا، معتبرين أن مقاربة ملف الهجرة الحالية تختلف جذرياً عن نهجه القائم على تدريب الكفاءات المحلية ودعم تنميتها. من جهته، ذكر الباحث الإيطالي المسؤول عن حملات المالية والمناخ في منظمة ReCommon الحقوقية البيئية الإيطالية سيموني أونيو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "خطة ماتّي تمضي اليوم على النحو الذي بدأت به، أي مع قدر محدود من الشفافية وغياب الوضوح في ما يتعلق بالأهداف الفعلية وتأثير المشاريع المدعومة". وأوضح أونيو أن "ثمة أصواتاً بدأت بالظهور من أطراف عدة، على ضوء الأزمة الطاقوية الناجمة عن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، معربة عن رغبتها في التقريب بين النفط والغاز وخطة ماتّي التي كانا، لحسن الطالع، مستبعدين منها حتى الآن". وتطرق إلى المؤتمر الذي استضافه مجلس الشيوخ الإيطالي يوم 17 من الشهر الجاري وحمل عنوان "خطة ماتّي.. جسر بين الشمال والجنوب" بقوله "لا أدري إن كان هذا المؤتمر قد تناول هذا الطرح بشكل مباشر، إلا أن مداخلات المشاركين فيه تحدثت كثيراً عن استقلالية استراتيجية من منظور طاقوي". ولكن الانتقادات لم تقتصر على الأوساط البيئية، بل امتدت إلى داخل عائلة إنريكو ماتّي ذاتها، حيث "هاجم أحد أحفاده الخطة، متهماً حكومة ميلوني بعدم احترام إرث مؤسس إيني، انطلاقاً على وجه التحديد من فكرة أن الشراكات (المتضمنة في الخطة) هي أبعد من ألا تكون وحوشاً مفترسة، وفقاً لأونيو. وخلص إلى أن "خطة ماتّي بدأت تترنح على وجه التحديد في الوقت الذي من المفترض أن تبدأ فيه الدخول إلى مرحلتها الثالثة وهي مرحلة مشاريع البنى التحتية الكبرى". وأوضح المحلل ماريو سافينا أن "إيطاليا تسعى إلى تعزيز شركائها الرئيسيين القائمين في مجال الطاقة، وعلى وجه الخصوص الجزائر وليبيا ومصر، وذلك في إطار تسريع مسارات قائمة أصلاً، وليس وجهة جديدة". وأشار سافينا إلى أن "زيارة رئيسة الوزراء إلى الجزائر، شأنها في ذلك شأن الاكتشافات الأخيرة في ليبيا ومصر، تؤكد رغبة إيطاليا في استمرار تركيز العمل على هذه المسارات، وهو الدور الذي من المنتظر أن يتعزز أكثر في ظل الأزمة الحالية في منطقة الخليج". وأضاف أن "الحرب في إيران تكرّس ضرورة قراءة خطة ماتي بوصفها أداة للأمن الطاقوي، مع تعزيز التكامل بين الدبلوماسية والطاقة والسياسة الصناعية"، لافتاً إلى أن "الأثر المحتمل هو تقوية دور الشركات الإيطالية الكبرى في قطاع الطاقة، وزيادة مكون البنى التحتية مثل خطوط الغاز والغاز الطبيعي المسال والربط الكهربائي". ورأى أنه "من الجيد ألا تغير إيطاليا جغرافية استثماراتها، لكنها ستزيد من وتيرتها وكثافتها، حيث تظل الجزائر وليبيا محوريتين لأسباب لوجستية وبحكم القرب الجغرافي، فيما تكتسب مصر دوراً متنامي الأهمية بصفته مركزاً إقليمياً للطاقة". وخلص المحلل الإيطالي إلى أن "الأزمة الإيرانية لا تعيد رسم خطة ماتّي إلا أنها قد تنجح في إعادة تنظيمها كأجندة متوسطة المدى إلى رافعة استراتيجية في وقت الأزمات، من خلال تعزيز بؤرة شمال أفريقيا الراسخة في السياسة الطاقوية الإيطالية، وتسريع وتيرة الاستثمارات والدبلوماسية الاقتصادية في المنطقة، بكل ما يرتبط بها من مخاطر".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية