عربي
تتجه تقديرات المؤسسات الدولية المتخصصة إلى إعادة صياغة مشهد أسعار النفط جذرياً، بعد أن أدت الحرب وتعطل منشآت الإنتاج وخطوط الشحن الرئيسية إلى ما وصفته تقارير حديثة بأنه "أكبر صدمة عرض في التاريخ القريب"، مع فقدان ملايين البراميل يومياً وخروج جزء من الطاقة الإنتاجية عن الخدمة. وقد دفع ذلك الأسعار إلى مستويات أكثر من 100 دولار للبرميل، وسط تقلبات حادة.
وفي المدى المتوسط، تميل البنوك الاستثمارية الكبرى إلى تبني سيناريو "الأسعار المرتفعة ولكن غير المستقرة". فقد رفع بنك ANZ توقعاته لخام برنت إلى نحو 88 دولاراً بنهاية العام، مع بقائه فوق 90 دولاراً خلال عام 2026، في ظل فقدان ما يقارب 10 ملايين برميل يومياً نتيجة الإغلاقات والاضطرابات اللوجستية، وفق تقرير نشرته "رويترز" في 13 إبريل/نيسان الجاري.
غير أن هذا الاتجاه الصعودي يصطدم بعامل مضاد يتمثل في ضعف الطلب، إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى تحول جذري في الطلب العالمي، مع توقع انكماشه بنحو 80 ألف برميل يومياً خلال 2026، مقارنة بتوقعات سابقة بنمو قوي، نتيجة ارتفاع الأسعار وتأثيرها على النشاط الاقتصادي، خاصة في آسيا والشرق الأوسط. ويصف خبراء الوكالة هذه الظاهرة بـ"تدمير الطلب"، التي تمنع الأسعار من الارتفاع غير المحدود رغم نقص الإمدادات، حسب تقريرها الصادر في 14 إبريل/نيسان.
ولذلك، تتباين التقديرات بشأن مستقبل أسعار النفط على المدى الطويل. فبعضها، مثل "جي بي مورغان"، يرى أن أساسيات السوق لا تزال تميل إلى الفائض، مع توقع متوسط أسعار يقارب 60 دولاراً للبرميل في 2026، في حال استقرت الإمدادات وعادت تدريجياً، مستنداً إلى نمو الإنتاج خارج تكتل "أوبك+" وتسارع الاستثمارات العالمية.
في المقابل، يشير محللون إلى أن استمرار استهداف البنية التحتية قد يؤدي إلى فقدان دائم لجزء من الطاقة الإنتاجية يصل إلى مليوني برميل يومياً، ما يدعم سيناريو أسعار مرتفعة هيكلياً لسنوات في حال طال أمد الحرب.
وإزاء ذلك، تبدو الصورة مزدوجة بالنسبة لدول الخليج؛ فمن ناحية، توفر الأسعار المرتفعة فرصة لتعزيز الإيرادات وتحقيق فوائض مالية، خاصة مع انخفاض المخزونات العالمية وارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية، ما يعزز نفوذ هذه الدول في سوق النفط العالمي. ومن ناحية أخرى، فإن تعطل الإنتاج أو التصدير عبر ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، يقلص القدرة الفعلية على الاستفادة من هذه الأسعار، كما أن تراجع الطلب العالمي يضغط على الإيرادات في المدى المتوسط، وفق تقرير نشرته "الغارديان" في 14 إبريل/نيسان.
استباق لموازنة السوق
في هذا السياق، يرى الخبير في الشأن النفطي أحمد حسن كرم، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن قرار تكتل "أوبك+" الأخير برفع الإنتاج بدءاً من شهر مايو/أيار المقبل يأتي إجراءً استباقياً لموازنة الأسواق النفطية، التي شهدت ارتفاعاً حادّاً في الأسعار نتيجة التوترات السياسية والتدخلات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في الخليج العربي. ويهدف القرار إلى تعويض النقص في الإمدادات بعد إغلاق مضيق هرمز.
ويحذر كرم من أن استمرار إغلاق المضيق وصعوبة نقل النفط من الدول الخليجية المنتجة قد يؤديان إلى تداعيات سلبية عميقة، منها استنزاف سريع للمخزونات الاستراتيجية للدول الصناعية، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
ويؤكد أن الاعتماد على المخزونات وحده لا يكفي لتغطية العجز طويل الأمد، خاصة إذا استمر انقطاع الإمدادات البحرية، مشيراً إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة الطبيعية سيسهمان في كبح ارتفاع الأسعار، بشرط عودة الإنتاج بسرعة إلى مستوياته السابقة. كما أن سرعة استئناف الصادرات تعد عاملاً حاسماً في تهدئة الأسواق، إذ إن أي تأخير قد يطيل أمد الأزمة حتى بعد زوال العوائق اللوجستية.
ويضيف كرم أن قرار "أوبك+" يعكس أيضًا توجهاً استراتيجياً للدول التي تمتلك طاقة إنتاجية فائضة، لتعويض النقص في السوق العالمية، بما يسهم في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي للأسعار والحد من تأثير الأزمة الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي.
أسوأ سيناريو نفطي
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي محمد رمضان، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن أسوأ السيناريوهات يتمثل في توقف إنتاج النفط أو تصديره عبر الممرات الاستراتيجية الرئيسية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، وهو وضع لا يوجد له بديل فعلي لتعويض النقص الكبير في الإمدادات.
ونظراً لأن هذه المنطقة تمثل نحو 20% من صادرات النفط العالمية، فإن أي انقطاع كامل سيؤدي إلى صدمة عرض غير مسبوقة يصعب على الأسواق العالمية استيعابها، حسب رمضان. لكنه يشير إلى أن استمرار تدفق جزء من الإمدادات يخفف من حدة الأزمة، حيث تواصل السعودية تصدير ما بين 5 إلى 7 ملايين برميل يومياً عبر البحر الأحمر، بينما تستمر إيران ودول أخرى في التصدير بدرجات متفاوتة رغم القيود.
ويسهم هذا التدفق الجزئي، إلى جانب استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، في الحد من نقص الإمدادات، بالتوازي مع تقلب المواقف السياسية الأميركية بين التهدئة والتصعيد، ما يؤثر مباشرة على معنويات الأسواق وتقلبات الأسعار.
ويرى رمضان أن نطاق 80 إلى 90 دولاراً للبرميل يمثل سعر التوازن العادل، مع تقبل الأسواق حالياً مستويات أعلى قليلاً بسبب الظروف الاستثنائية، محذراً من أن تجاوز 100 دولار قد يؤدي إلى تبعات اقتصادية خطيرة، من بينها ارتفاع التضخم وتعطّل النمو العالمي.
وعلى المدى الطويل، قد تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تسريع التحول نحو مصادر طاقة بديلة، وجعل إنتاج النفط من مصادر غير تقليدية أكثر جدوى اقتصادياً، ما قد يقلص الحصة السوقية للدول منخفضة التكلفة، مثل دول الخليج.
ويخلص رمضان إلى أن الحفاظ على أسعار معتدلة يظل ضرورياً لحماية الحصص السوقية مستقبلاً، مؤكداً أن تسريع إنهاء النزاع القائم يمثل العامل الأهم لاستعادة استقرار الأسواق وعودة النمو الاقتصادي العالمي، في ظل المخاطر التي يفرضها استمرار حالة عدم اليقين.

أخبار ذات صلة.
29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة