مستقبل المقاومة المسلحة ما بعد تمدد العدوان الصهيوأميركي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تشهد فلسطين والمنطقة العربية عامةً صداماً فكرياً وسياسياً بين منظورين شبه متناقضين، منظور يدعم سعي شعوب المنطقة وقواها الحية إلى مقاومة قوى الاحتلال أياً كانت، داخليةً أم خارجية، ومنظور يصف نفسه بالعقلاني يقوم على محاباة قوى الاستغلال على اعتبارها قوى أمرٍ واقع، بما فيها قوى الاحتلال الخارجي، كما في حالة الاحتلال الصهيوني ونظيره الأميركي. طبعًا لا يمكن نسب هذا الخلاف إلى مرحلة ما بعد "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كما يحلو لبعضهم القول، بل يعود بالحدّ الأدنى إلى أولى تجليات الموجة الشعبية الثورية الأولى في المنطقة العربية، حينها رفضت الثورة الشعبية من قبل طيف عريضٍ بدعوى الواقعية السياسية، معتبرةً الحكومات المستبدة قوى أمر واقع يجب التعامل معها كما هي، والعمل على دفعها نحو بعض الإصلاحات هنا أو هناك اعتماداً على دعمٍ خارجيٍ أو ظرف ما، من هنا انقسم سكان المنطقة إلى كتلتين اجتماعيتين، كتلة أيدت الثورة الشعبية لأسبابٍ مختلفة؛ فمنها من أيدها خدمةً لمشروع ثوري يخدم دول المنطقة وشعوبها، وآخرين أيدوها نصرةً لمشاريع طائفية أو خارجية مشبوهة بالحدّ الأدنى. أما الكتلة الثانية فقد رفضت الحركة الثورية رفضاً مطلقاً، إما انطلاقاً من تأييد الحاكم أو خوفاً من التغيير. ثمّ مضت الأعوام والسنوات ولم ينتصر أي من المفهومين أو المشروعين، فاستمرت الثورة بطريقة ما، لأنها لم تكن في يوم من الأيام فعلاً بحدّ ذاتها، بقدر ما كانت؛ وستبقى، رد فعل على فعل الاستبداد والاستغلال المتجسد في السلطة الاستبدادية والاستغلالية. نمر اليوم في حالة ٍ مشابهةٍ تماماً، لكن بثنائية أخرى أو بالأصح بثلاثية فكرية، هي ثنائية الاحتلال ومقاومته إضافةً إلى الاختلاف حول نمط مقاومة الاحتلال! إذ يرى طيف عريض أن الاحتلال أمر واقع لا يصح مجابهته في ظلّ موازين القوى المختلة، في حين يرى الطيف الآخر أن مقاومة الاحتلال ردة فعل طبيعية على فعل الاحتلال نفسه، وعليه فإن إنهاء الاحتلال هو الخطوة الأولى لإنهاء المقاومة المسلّحة تحديدًا، والمقاومة عمومًا. في حين يجادل بعضهم بأن المقاومة فعل أوسع من المقاومة المسلّحة، وعليه فإن اختلال موازين القوى اليوم يفرض نبذ الفعل المقاوم المسلّح فقط، لصالح أنماط نضالية أخرى. الآن وفي ضوء توسع العدوان الصهيوأميركي بات من الواضح أن جرائم الاحتلال لن تتراجع بتراجع المقاومة، بل ربّما العكس صحيح، كما بات واضحاً أيضاً أن المقاومة وفصائلها تملك نفساً نضالياً طويلاً، فضلاً عن مرونة تنظيمية وتكتيكية من هنا وبعيداً عن الدخول في تفاصيل هذا الصراع الفكري، أو الخلاف الفكري، تبحث المقالة الراهنة في مستقبل الفعل المقاوم المسلّح على ضوء تمدد العدوان الصهيوأميركي إقليميًا، صوب لبنان وإيران والعراق واليمن وسورية، وربما صوب دولٍ أخرى مستقبلاً. ما قبل "طوفان الأقصى" سادت في المرحلة الّتي سبقت "طوفان الأقصى" دعوات التطبيع مع قوى الاحتلال الداخلي والخارجي، متمثّلة في تمدد اتّفاقات إبراهام، وتمكن قوى الثورة المضادة من تثبيت مواقعها (انقلابات عسكرية وسياسية وقوى طائفية مناطقية)، وتسارع وتيرة التطبيع مع نظام بشار الأسد، ولا يصح الفصل بين كلا المسارين (التطبيع مع الاحتلال ومع سلطات الاستبداد والإجرام الإقليمي) لما يجسدان من رفض الظلم والاستغلال والتعايش معهما على اعتبارهما أمرًا غير قابلٍ للتغيير. طبعاً؛ لم يقتصر المسار التطبيعي على أطراف إقليمية من خارج دول الطوق فقط، بل امتد إلى دول الطوق وإلى فلسطين تحديداً، إذ رسّم لبنان حدوده البحرية مع الاحتلال الصهيوني، وتوالى الحديث السياسي اللبناني (بمشاركة حزب الله وحركة أمل) عن أن ترسيم الحدود البحرية مقدمة لترسيم الحدود البرية. كما تسارع التقارب السوري/ الأسدي مع الإمارات العربية والمملكة السعودية، مع العلم أن الأولى تمثّل عرابة مسار التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، ما أوحى بإمكانية التقارب السوري الصهيوني في حينها، كما سعت تركيا ومعظم النظام الرسمي العربي؛ ربّما باستثناء قطر فقط، إلى التقارب مع نظام الأسد بتجاهل مطلق لمطالب الشعب السوري وحقوقه. ليس ذلك فحسب، بل حتّى حركات المقاومة داخل فلسطين، وتحديدًا في قطاع غزّة، سارت أو أوحت في حينه بتوجهها نحو التعايش مع واقع الاحتلال في مقابل تحسينات اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة، مثل زيادة تصريحات العمل داخل الخط الأخضر، وتخفيف قيود الحصار، وسواها من الحقوق المرتبطة بأساسيات الحياة والبقاء. هنا تصاعد الصوت الرافض للفعل المقاوم المسلح، معتبراً أن مرحلة المقاومة والثورة قد ولت، وأننا في مرحلة جديدة عنوانها الرضوخ والخضوع لقوى الأمر الواقع! الطوفان وما بعده مثّل "طوفان الأقصى" ثورةً حتميةً على واقع غير قابل للاستدامة، فواقع الخضوع للاستغلال والظلم غير قابل للاستمرار، إذ دفع تسارع وتيرة التطبيع والاستسلام إلى تصاعد عنف الاحتلال وتماديه لا العكس، وباتت مطامحه بلا حدود، وجرائمه عابرة للمدن والبلدات، ضاربة بعرض الحائط القوانين الدولية، وغير مبالية بردة فعل الضحية، من هنا تمادى الاحتلال الصهيوني في جرائمه حتّى وصل إلى حدّ حرق حوارة جنوب نابلس، أو محاولة حرقها كاملةً. كما تجاوزت تأثيرات "طوفان الأقصى" حدود فلسطين لتدخل بيوت سكان المنطقة العربية كلها، وبدرجة ما مست شعوب العالم كلّه، فقد أظهر الطوفان القدرة على الفعل المقاوم رغم محدودية الإمكانيات والفجوة التقنية الهائلة، كما أكّد ما تؤكّده التجارب التاريخية السابقة كلّها من أن مقاومة الاحتلال المسلّحة وغير المسلّحة تتعلق بفداحة جرائم الاحتلال لا بفارق القوّة والقدرة والإمكانية والظرف الدولي، من هنا كانت المقاومة الفيتنامية والكوبية والبوليفية والسورية والجزائرية والمصرية والعراقية والجنوب إفريقية، ففي تلك التجارب كلّها كان الفعل المقاوم المسلّح ردة فعلٍ على الاحتلال ذاته، لم يثنه استهداف الاحتلال لحاضنة المقاومة الاجتماعية، الّتي بلغت في حالة الجزائر أكثر من مليون شهيدٍ، لتبلغ وفق أرقام الجزائر الرسمية خمسة ملايين ونصف مليون شهيد، معظمهم من الأطفال والنساء والمدنيين، بما تضمنته من إبادة قبائل جزائرية بأكملها (بعض التوثيقات الأكاديمية تقدر عدد شهداء الجزائر بأكثر من تسعة ملايين شهيد). عدوان الإبادة الجماعية استمر عدوان الإبادة لأكثر من عامين، وعلى الرغم من أسطورية الصمود الشعبي أمام حملات التهجير القسري والتطهير العرقي الصهيونية، ومن أسطورية صمود المقاومة الفلسطينية المسلّحة، وعجز الاحتلال وشريكه الأميركي عن تخليص أسرى الاحتلال من قبضات المقاومة، إلا أن نجاح الاحتلال في اختراق حزب الله اختراقاً أمنياً كبيراً، وتوجيه ضربةٍ قويةٍ تنظيمياً؛ وصفت بالقاصمة، إلى جانب فداحة جرائم الإبادة الجماعية، وتجاهل المجتمع الدولي لها (وشبه صمت النظام الإقليمي معها)، وضعف حيلة شعوب العالم تجاه وقف الإبادة وكسر الحصار، على الرغم من الجهود الشعبية اليومية، ساهم ذلك كلّه في تصاعد الأصوات الرافضة للمقاومة عامةً والمقاومة المسلّحة ضمناً في الإقليم تحت عناوين إنسانية ظاهرياً، في مقابل تصاعد دعم المقاومة الفلسطينية دولياً وسياسياً وإعلامياً، بما فيها المسلّحة منها. في ضوء ذلك ساهمت بعض الحملات الإلكترونية المشبوهة في الربط بين دعم حقّ الشعوب المحتلة والمستغلة في مقاومة المحتل (الشعب الفلسطيني هنا) وبين تجاهل القضايا الإنسانية، وكأن المقاومة المسلّحة مسؤولةٌ عن جرائم الاحتلال! أدى هذا الربط المجحف والمدفوع بتوجهات مشبوهة أحياناً إلى وضع فصائل المقاومة في موضع قابل للتشكيك بنياتها النبيلة، ما دفعها نحو حسابات سياسية كان يمكن تجنبها لولا ذلك، من هنا تراجع الفعل المقاوم آنياً، وأجبر مؤيدوه على تبرير تأييدهم، وكأنهم في قفص الاتهام بدلاً من الاحتلال نفسه. مثّل "طوفان الأقصى" ثورةً حتميةً على واقع غير قابل للاستدامة، فواقع الخضوع للاستغلال والظلم غير قابل للاستمرار، إذ دفع تسارع وتيرة التطبيع والاستسلام إلى تصاعد عنف الاحتلال وتماديه لا العكس ما بعد توسع العدوان الصهيوأميركي الآن وفي ضوء توسع العدوان الصهيوأميركي بات من الواضح أن جرائم الاحتلال لن تتراجع بتراجع المقاومة، بل ربّما العكس صحيح، كما بات واضحاً أيضاً أن المقاومة وفصائلها تملك نفساً نضالياً طويلاً، فضلاً عن مرونة تنظيمية وتكتيكية، وهو ما أثبتته  المقاومة الفلسطينية أولاً، ومن ثمّ أداء حزب الله في الآونة الأخيرة، الّذي فاجأ جل المتابعين، فضلاً عن الاحتلال نفسه، إلى جانب ذلك ثبت أن مقاومة الاحتلال بإمكانات بسيطة، ووفق خطط عسكرية محكمة، قادرة على إلحاق أذى كبير بالاحتلال وداعميه (بل خسارةً أيضاً)، أذى قد لا يتحمله كثيراً، وحتّى لو تحمله فإنه لن يتحمل تداعياته اللاحقة. الأهم من ذلك كلّه، أثبت توسع العدوان الصهيوأميركي أن ساحات المقاومة شبه موحدةٍ وفق استراتيجية مقاومة على درجة مقبولة من التخطيط الدقيق والمدروس، وبما يخدم مجابهة الاحتلال بدرجة كبيرة، وبما يخدم مصالح الطرف الإقليمي الداعم لها، إيران، وربّما بما يخدم مصالح أطراف دولية أخرى، قد تكشف الأيام عن أدوارها وتأثيرها مستقبلاً. من ذلك كلّه؛ وفي ظلّ شبه اليقين العالمي؛ ليس الإقليمي فقط، من فداحة اختلال ميزان القوّة بين أميركا وحدها من جهة، وإيران وكلّ القوى المدعومة منها (سواء التابعة لها أو الحليفة معها) لصالح أميركا طبعاً، وعلى جميع المستويات الاستخباراتية والعسكرية والتقنية والاقتصادية والمالية والبشرية، نجحت إيران ومن خلفها القوى المدعومة منها لبنانياً وعراقياً وبدرجة أقلّ يمنياً في صد العدوان الصهيوأميركي وفي عكسه نسبياً، بغض النظر الآن عن أي ممارسات إيرانية أخرى تتطلّب المساءلة مستقبلاً، ما ولد انطباعاً شعبياً أن إيران وحلفائها قادرون على إفشال المخطط الصهيوأميركي كليًا أو نسبيًا، في مقابل صمت إقليمي محزنٍ ومخزٍ على هذا المشروع الّذي يستهدف الإقليم كلّه. طبعاً؛ قد يتعرض لبنان وإيران والعراق (فضلا عن فلسطين وسورية اللتين لم يتوقف العدوان عليهما) لمزيد من العدوان الصهيوأميركي قريبا، لكن من المؤكّد أن المشروع الصهيوأميركي قد فشل فشلاً ذريعاً، حتّى لو عاود اعتداءاته، بل وكثفها، حتّى سقوط إيران الدولة والنظام، واستسلام فصائل المقاومة، فقد باتت أزمة أميركا ومن خلفها طفلها غير الشرعي؛ الاحتلال الصهيوني، أكبر من مجرد مواجهة عسكرية هنا أو هناك، كما أن مشروع مجابهتهما قد تعزز في وجدان شعوب العالم أجمع، بما فيها في الإقليم، ما سيخلق مقاومة ممتدة عابرةً للحدود الراهنة، فقد ثبت بالدليل القاطع أن مجابهة الاحتلال وداعمه ممكنة وواقعية ومتاحة لمن أراد ذلك. ومن شبه المؤكّد أن دعم الاحتلال أميركياً؛ وبدرجة ما أوروبياً، دعماً غير محدود عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وإعلامياً وقانونياً هو دعم غير مستدام، أي من غير الممكن استمراره على ذات المستوى والكمية والفجاجة، ما سيفرض واقعاً ميدانياً صعباً على الاحتلال، ومساحةً أوسع لمقاومته بكل الأنماط الممكنة. فحرب الإبادة بالفجاجة الممارسة صهيونياً في كل من فلسطين ولبنان أمر غير قابل للتكرار مستقبلاً. أما في حال نجاح إيران ومن خلفها حلفائها في الصمود وإفشال المخطط الصهيوأميركي عسكرياً وسياسياً وإعلامياً فإن دعم المقاومة المسلّحة سيزداد، بل وقد تسارع دول الإقليم إلى دعمها لتحقيق توازن إقليمي، ما سيجعل المقاومة أمام تحدٍّ مهم حول قدرتها على ضبط البوصلة في مواجهة الاحتلال لا في الانخراط في صراعات إقليمية ثانوية، كما سيعيد لها مكانتها الشعبية والسياسية في حسابات النظام الإقليمي كلّه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية