من التضامن إلى البراغماتية: التحول الأوروبي في ظل حرب غزة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
منذ اندلاع الحرب في غزّة، وما رافقها من تصعيد إقليمي وصل ذروته مع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وإيران، دخلت أوروبا في وضعية جيوسياسية واقتصادية معقدة. فبينما ظلت البنية العامة للتحالف الرأسمالي الغربي قائمة، برزت مؤشرات متزايدة على تغير في النبرة السياسية الأوروبية، خصوصاً فيما يتعلق بانتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية والدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل وحتى إعادة طرح مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية في بعض السياقات. لا يمكن تفسير هذا التحول باعتبارات أخلاقية أو ضغط الرأي العام فقط، بل يرتبط بدرجة كبيرة بتغير في حسابات المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأوروبية. فقد بدأت تُنتج التكاليف الاقتصادية المتراكمة للحروب في غزّة والتصعيد مع إيران بين 2022 و2026 تناقضاً موضوعياً بين المصالح الأوروبية من جهة، والسياسات الّتي تقودها إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. لا يزال هذا التناقض في طور التشكّل، لكنّه أصبح كافيًا لتعديل الخطاب السياسي الأوروبي وإدخال عناصر جديدة في مقاربته للقضية الفلسطينية. إذ يعتمد الاقتصاد الأوروبي اعتماداً عميقاً على التجارة العالمية، خصوصًا مع آسيا. في هذا السياق، تمثل قناة السويس والبحر الأحمر ممراً استراتيجياً لا غنى عنه، حيث يمر عبره جزء كبير من التجارة الأوروبية، إلا أن التوترات الّتي أعقبت حرب غزّة، وما ارتبط بها من استهداف للملاحة في البحر الأحمر، أدت إلى اضطرابات غير مسبوقة في هذا الشريان الحيوي. فعلى سبيل المثال تشير المعطيات إلى انخفاض حركة التجارة عبر قناة السويس بنحو 50% في ذروة الأزمة، وارتفاع تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا بنسبة تراوحت بين 200% و500%. لم يكن هذا الارتفاع الحاد مجرد تقلب ظرفي، بل عكس تحولاً هيكلياً مؤقتاً في طرق التجارة، حيث اضطرت السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف ما بين 10 إلى 14 يوماً على زمن الرحلة الواحدة، وزاد كثيراً من تكاليف الوقود والتأمين.  لا يعني هذا التحول الآن قطيعةً مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل يعكس محاولة أوروبية لإعادة ضبط التوازن بين الالتزامات السياسية والمصالح الاقتصادية انعكست هذه التطورات مباشرة على الشركات الأوروبية، حيث تكبدت شركات الشحن الكبرى خسائر تشغيلية كبيرة، وصلت في بعض الحالات إلى 50–60 مليون دولار أسبوعياً، لكن الأهم من ذلك هو انتقال هذه التكاليف إلى بقية الاقتصاد عبر ارتفاع أسعار السلع، وتعطل سلاسل التوريد، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، خصوصاً في القطاع الّذي يعتمد على الإنتاج في الوقت المناسب (Just-in-time production)، فالشركات الأوروبية الّتي تعمل ضمن هذا القطاع أصبحت عاجزة عن إيصال الطلبيات ضمن الوقت المخصص بسبب الحرب والتوتر القائمين في الممرات البحرية، سواء عبر قناة السويس والبحر الأحمر أو مضيق هرمز.  وإذا كشفت أزمة الشحن هشاشة سلاسل التوريد، فقد أعادت صدمة الطاقة المرتبطة بالتصعيد مع إيران طرح مسألة أمن الطاقة الأوروبي في قلب التحليل، فمنذ فقدان جزء كبير من إمدادات الغاز الروسي بعد 2022، دخلت أوروبا في مرحلة إعادة هيكلة لمصادر الطاقة، مع اعتماد متزايد على الغاز المسال والنفط القادم من مناطق غير مستقرة سياسيًا. وبينما أدى التصعيد مع إيران في 2026 إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة وصلت 50%، ارتفعت أسعار النفط بنحو 13% خلال فترة قصيرة. كما أصبح تعطيل مضيق هرمز مصدر قلق استراتيجي، نظراً لأهمية هذا الممر في نقل جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. ما يميز هذه الصدمة أنها لم تكن متكافئة في تأثيرها. ففي حين استطاعت الولايات المتحدة امتصاص جزء كبير من هذه الاضطرابات بفضل استقلالها النسبي في مجال الطاقة، وجدت أوروبا نفسها في موقع أكثر هشاشة، حيث انعكس ارتفاع الأسعار مباشرة على تكاليف الإنتاج، ومستويات التضخم، وأداء الاقتصاد الكلي. وتشير التقديرات إلى إضافة هذه التطورات ما بين 0.2% و0.7% إلى معدلات التضخم، ومساهمتها في إبطاء النمو الاقتصادي في منطقة اليورو. أبرزت هذه الأزمة الهيكيلية لكثيرٍ من الأوروبيين؛ والّتي تهدد الاقتصاد الأوروبي بالشلل التام وبتراجع معدلات النمو فيه؛ أنهم يدفعون تكلفة حروب إسرائيل وأوهامها، وأنه لم يعد يمكن قبول شعارات معاداة السامية والدعم غير المشروط لسياسات اسرائيل التوسعية في الشرق الأوسط من دون نقد وتدقيق، لأن أوروبا بدأت تدفع فاتورة هذه الحرب بنفسها.  في سياق متصل لم تقتصر آثار الحروب على النقل البحري والطاقة، بل امتدت لتشمل النظام التجاري العالمي ككل. فقد أدى إغلاق أو تقييد بعض المجالات الجوية نتيجة التصعيد الإقليمي إلى انخفاض قدرة الشحن الجوي بنحو 20%، وارتفاع تكاليفه بنسبة تقارب 45%، كما سجلت التجارة العالمية تراجعًا بنحو 1.3% نتيجة هذه الاضطرابات المتراكمة. تعكس هذه الأرقام تآكلًا تدريجيًا في كفاءة النظام التجاري العالمي، وهو ما ينعكس على أوروبا خصوصاً باعتبارها اقتصاداً يعتمد على التصدير والاستيراد. إذ تتحول كل زيادة في تكاليف النقل أو التأخر في التسليم إلى عبء إضافي على الشركات والمستهلكين، وتؤثر في النهاية على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. أبرزت هذه الأزمة الهيكيلية لكثيرٍ من الأوروبيين؛ والّتي تهدد الاقتصاد الأوروبي بالشلل التام وبتراجع معدلات النمو فيه؛ أنهم يدفعون تكلفة حروب إسرائيل وأوهامها في ضوء هذه المعطيات، يمكن رصد بروز تناقضات متزايدة بين المصالح الاقتصادية الأوروبية والسياسات الّتي تقودها إسرائيل والولايات المتحدة. لا تعني هذه التناقضات بالضرورة صراعًا مباشرًا، لكنها تعكس اختلافًا في الأولويات والنتائج. ففي مجال الطاقة، تستفيد الولايات المتحدة من تصدير الغاز المسال إلى أوروبا بأسعار مرتفعة، ما يمنحها مكاسب اقتصادية واضحة، وتتحمل أوروبا كلفة هذه الأسعار المرتفعة، مما يضعف صناعتها ويقلل من قدرتها التنافسية. في المقابل، تسعى أوروبا إلى استقرار أسواق الطاقة وخفض التكاليف، وهو هدف يتعارض مع استمرار التوترات الجيوسياسية. أما فيما يتعلق بالاستقرار الإقليمي، ترفع السياسات التصعيدية والحرب البربرية الّتي تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو من احتمالات توسع الصراع، ما يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الأوروبية في المنطقة. فكل تصعيد جديد يعني مخاطر إضافية على الممرات البحرية، وارتفاعاً في أسعار الطاقة، واضطراباً في التجارة. في هذا السياق، تظهر أيضا تناقضات مع التوجهات السياسية في الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل احتمالات عودة سياسات أكثر أحادية تحت قيادة دونالد ترامب، مما قد يعمق من الضغوط الاقتصادية على أوروبا ويزيد من اعتمادها على الطاقة الأميركية بشروط غير مواتية. أدت هذه التناقضات الاقتصادية والاستراتيجية إلى تغير تدريجي ملحوظ في الخطاب الأوروبي تجاه الحرب على غزّة. و بينما بدأت بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا وبلجيكا، في تبني مواقف أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية الإسرائيلية، حاولت دول مثل فرنسا التوازن بين دعم إسرائيل والدعوة إلى وقف التصعيد. حتى ألمانيا، الّتي تُعد من أكثر الدول دعماً لإسرائيل، بدأت تشهد نقاشات داخلية أكثر تنوعاً حول حدود هذا الدعم، ويمكن رصد هذا التحول بوضوح في صحف مركزية مثل Die Zeit وSüddeutsche Zeitung، حيث انتقلت التغطية من تأكيد غير مشروط على “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس” إلى نقاش أكثر نقدية حول حدود هذا الحق ومدى توافقه مع القانون الدولي. كما توسعت مساحة حضور الصوت الفلسطيني، سواء عبر مقالات رأي أو تقارير ميدانية، بالتوازي مع تصاعد استخدام مفاهيم مثل “الكارثة الإنسانية” و"العقاب الجماعي". كذلك برزت مقاربات تربط الحرب في غزّة بتداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية على أوروبا، ما يعكس انتقالاً من خطاب أمني تقليدي إلى خطاب أكثر تركيباً يدمج البعد الإنساني والقانوني والاقتصادي. لا يعني هذا التحول الآن قطيعةً مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل يعكس محاولة أوروبية لإعادة ضبط التوازن بين الالتزامات السياسية والمصالح الاقتصادية. بمعنى آخر، يمكن فهم التغير في النبرة بوصفه تعبيراً عن ضغط مادي متزايد يدفع نحو تبني مواقف أكثر براغماتية. في ضوء هذه التحولات، تبرز فرصة سياسية مهمة للفلسطينيين، لكنها تتطلب قراءة دقيقة لطبيعة التغير الأوروبي. فالتغير الحالي لا يستند أساساً إلى تحول أخلاقي، بل إلى إدراك متزايد لتكاليف الصراع على المصالح الأوروبية. لذلك تتطلب الاستفادة من هذا التحول إعادة صياغة الخطاب الفلسطيني بحيث يتقاطع مع هذه المصالح. إذ ينبغي أولًا التركيز على ربط القضية الفلسطينية بمسألة الاستقرار الإقليمي، وإبراز كيف أن استمرار الاحتلال والتصعيد العسكري يمثل عاملًا دائمًا لعدم الاستقرار، بما يهدد الطاقة والتجارة العالميتين. هذا الربط يحول القضية من مسألة إنسانية فقط إلى مسألة أمن اقتصادي دولي. وثانياً، يمكن للفلسطينيين تطوير خطاب يستهدف الفاعلين الاقتصاديين في أوروبا، مثل الشركات والمؤسسات الصناعية، عبر إبراز الكلفة الّتي تتحملها هذه الأطراف نتيجة الصراعات. هذا النوع من الضغط غير المباشر قد يكون أكثر فاعلية من الخطاب السياسي التقليدي. ثالثاً، من المهم بناء تحالفات مع القوى السياسية والاجتماعية داخل أوروبا الّتي تدفع نحو سياسات خارجية أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة، والاستفادة من التناقضات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه لتعزيز الدعم للموقف الفلسطيني. يتطلب الأمر تطوير رؤية سياسية فلسطينية واضحة وقابلة للتسويق دولياً، تطرح نفسها جزءاً من حل يحقق الاستقرار، وليس باعتبارها طرفاً في صراع فقط. فكلما جرى تقديم القضية الفلسطينية كمدخل للاستقرار الإقليمي، زادت فرص تقاطعها مع المصالح الأوروبية. ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة أوروبا على ترجمة هذا التناقض إلى سياسات أكثر استقلالية، وكذلك حول قدرة الفلسطينيين على استثمار هذه اللحظة التاريخية لإعادة صياغة موقعهم في البيئة الدولية المليئة بالفوضى وعدم اليقين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية